الرئيسية » مقالات » الأمن العراقي بعد خمس سنوات..

الأمن العراقي بعد خمس سنوات..

بعد خمس سنوات على تحرير العراق من النظام الفاشي فلننظر لحالة الأمن العراقي اليوم، دون أن نتناول، هنا، بقية مشكلنا الكبرى والمزمنة، كالخدمات، وانتشار الفساد، وموجة الطائفية؛ فتحقيق الأمن سيساعد لحد كبير على الانتقال لحل المشاكل الكبرى الأخرى.
لابد أولا من تقييم جرأة السيد المالكي في مواجهاته مع جيش الإرهاب الصدري. إن هذه المواجهة حققت قدرا من الأمن في بعض المناطق والمحافظات، ولكنه، مع كل أسف، أمن لا يزال هشا وحافلا باحتمالات خطيرة عديدة.
لقد كان مجلس الأمن الوطني مصيبا في قراراته، ولاسيما عن حل جميع المليشيات ونزع سلاحها، وحصر السلاح في يد الحكومة، وكذلك رفض التدخل الخارجي، مع الاعتراف بوجوده فعلا.
إن ملاحظاتنا عن القرارات هي:
أولا، إن المليشيات لا تحل نفسها بنفسها وبمجرد المناشدات، فهي متشبثة بوجودها، وبسلاحها، وبسطوتها، ناهيكم عن أن أفراد بعض المليشيات انخرطوا بالجملة في القوات الحكومية دون أن يتخلوا عن ولائهم الحزبي، والطائفي؛ أي في النتيجة، إن دخولهم كان مناورة التفاف لبقاء المليشيات بصيغ متنوعة.
لقد كان الأحرى أن تبادر كل من مليشيات الدعوة، والمجلس الأعلى، قبل غيرها، بحل نفسها التزاما ببنود الدستور، والقانون، ولو فعلت ذلك، لكانت خطوة كبرى جديدة أخرى لوضع التيار الصدري محشورا في زاوية، وكذلك محاصرة المليشيات الأخرى التي نشأت كالفطر في البصرة وغيرها، بدعم وتمويل إيرانيين، أمثال حزب الله، وثأر الله، و”على بركة الله”!!، و”من مال الله”!!!، تضاف لها مجموعة جلال الصغير المتهمة باغتيالات كثيرة، مما يستدعي تحقيقا نزيها وغير منحاز!!
الملاحظة الثانية هي الاستغراب من حضور ممثلي التيار الصدري نفسه في الاجتماع مع أنه هو المتهم بانتهاك الأمن، ومقاتلة الحكومة؟!
ثالثا، إن الاعتراف بوجود تدخل خارجي، سلاحا وتمويلا، لا يكفي ما لم توضع النقاط على الحروف بجرأة وذلك بالتشخيص العلني الدول المتدخلة، أيا كانت، ومهما كان حجم ارتباطات عدد من الأحزاب الحاكمة بهذه الدولة الإقليمية، أو تلك.
إن إيران، وهذا ليس سرا، هي الدولة الأكثر تدخلا، وعلى كل الأصعدة، وإن مقتدى الصدر ليس غير أداة مسيرة، من أدوات أخرى، لنظام ولاية الفقيه لتخريب العراق، وسفك دماء أبنائه. لم يعد خافيا أيضا وجود عدد من قادة القاعدة في إيران، ودعمها لجرائم القاعدة في العراق كلما كان هذا يصب في خانة المصلحة الإيرانية. إن أكبر دليل وبرهان على الدور الإيراني المتفاقم في تدمير العراق، وإشعال الفتن الدموية على أراضيه، أن “هدنة” الصدر تمت في إيران بين ممثلي حكومة المالكي ومسئولين إيرانيين كبار، وبمشاركة مقتدى.
أجل، لقد تلقى جيش المهدي ضربات كبيرة، وانحصر مقتدى اليوم في زاوية، وهذا موضع تقييم إيجابي كبير، ويستحق عليه المالكي كل تأييد، غير أن المعركة لم تنته، إذ لا تزال أسلحة جيش المهدي في أيدي مسلحيه، ولا تزال عناصره متسللة في القوات العراقية، وإيران تواصل دعمه دعم مليشيات وأحزاب أخرى! لذلك لا ينبغي أن نبالغ في حجم ما تحقق من أمن جزئي لا يزال مهددا من جانب الصدر وبعض المليشيات الأخرى ومن شبكة القاعدة، التي تتخذ من الموصل ساحة ساخنة جدا للجريمة، وآخرها خطف عدد كبير من الطالبات والطلبة، استطاعت القوات الحكومية تحرير معظمهم، أما البقية فمصيرهم مجهول، ونأمل أن لا تكون الطالبات هن المفقودات المختطفات.
لقد برهنت الأزمة الجديدة، فيما برهنت عليه، على تسلل عناصر العنف والطائفية من المليشيات في صفوف القوات العراقية، ولدرجة خطيرة، وقد برز ذلك مثلا في انجراف عدد كبير من أفرادها نحو جيش المهدي أو الامتناع عن القتال. إن هذه الحقيقة تبين من جديد أحقية وصواب المطالبات المستمرة بتطهير القوات العراقية، ولاسيما الشرطة، كما تبرهن على أن هذه القوات لا تزال غير قادرة لوحدها على مواجهة عسكرية ناجحة، ومطلوب من الحكومة، عندما تقرر خوض معركة هامة كما في البصرة، أن لا تبالغ في قوة، وأهلية، قواتنا، بل أن تنسق جيدا مع قوات التحالف قبل خوض المعركة.
لقد تبين أن السيد المالكي خاض معركة البصرة دون تنسيق مسبق مع قوات التحالف، وبأمل خوض معركة ناجحة قصيرة، وقد تبين خطأ هذا التقدير، وهو ما اضطر الحكومة لطلب تدخل القوات الأمريكية بعدما واجهت القوات الحكومية مقاومة ضارية، وقوية جدا. إن هذا الخطأ العسكري، الاستراتيجي، والتكتيكي، قد جعل نتائج المعركة أقل مما كان مأمولا، ونشير عن هذا الموضوع إلى تقرير ضاف نشرته صحيفة “هيرالد تريبيون” الأمريكية يوم 4 أبريل الجاري، ويكشف عن حيرة القوات الأمريكية من انفراد رئيس الوزراء بخوض المعركة في وقت مفاجئ لقوات التحالف، وهذا ما كشفه أيضا ه الجنرال الأمريكي بتريوس، قائد القوات الأمريكية في العراق، في شهادته أمام الكونغرس يوم 8 الجاري؛ ومما قاله عن معارك البصرة :
” ما من شك أنها كان يمكن أن تكون أفضل تخطيطا، وإن الإعداد لها لم يحظ بالتخطيط والإعداد اللازمين.”
إن المطلوب أن يستوعب السيد المالكي هذا الدرس لكي تقاتل القوات العراقية بخسائر أقل، وبنتائج أفضل.
إن كل وطني عراقي، حريص على مصالح الشعب، يتمنى نجاح الحكومة في دحر جيش المهدي، ودحر القاعدة في الموصل، ويتمنى في نفس الوقت تطبيق الدستور القاضي بحل المليشيات، وتطهير القوات الحكومية دون مراعاة، وبلا انحياز، وإن كل الوطنيين، الواعين لمستلزمات انتشال العراق من أزماته، يتمنون إنهاء نظام المحاصصة، وتحجيم الظاهرة الطائفية المستفحلة، ووقف التدخل الإقليمي، الإيراني، والعربي،
إن هذه مهمات كبيرة، قد لا يمكن أن تنهض بها بنجاح غير حكومة تكنوقراط، مستقلة تماما، من عناصر وطنية، كفء، غير مرتبطة، بأي حزب، وأي تيار سياسي، وأية ومرجعية دينية.
ترى هل التمني وحده كاف ما لم تدرك القيادات السياسية العراقية حجم الأخطار، وعمق الأزمة، وما يستدعيه ذلك من خطوات شجاعة، وبروح الوفاء أولا للعراق، ومجموع الشعب العراقي؟؟!
9 أبريل 2008