الرئيسية » مقالات » دور منظمة الحلة في عملية الهروب

دور منظمة الحلة في عملية الهروب

تمكن الشيوعيون العراقيون لعشرات المرات من تنفيذ عمليات هروب جماعية وفردية كان نصيبها النجاح،فيما أخفق البعض لأسباب وعوامل تتعلق بالتخطيط غير الدقيق،أو حدوث طارئ يفشل العملية،ومن أكبر عمليات الهروب ما قام به المعتقلون الشيوعيون في سجن الحلة،حيث تمكنوا من حفر نفق طوله(17)متر وارتفاعه (75)سم وعرضه(60)سم وكان على شكل حرف أربعه العربي،أي متعرج بأربعة أضلاع،وقد غلف بأكياس الجنفاص لمنع تساقط الأتربة أو التصاقها بملابس القائمين بالحفر،,استغلت له غرفة صغيرة كانت معدة للتداوي،وفيها فتحة للمجاري قاموا بتوسيعها حتى أمتد النفق الى الكراج المجاور لساحة السجن ،وعملت الفتحة تحت سيارة مهجورة في الكراج ,واختير لها يوم عظيم في تاريخ الإنسانية وحركتها الشيوعية هو ذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى التي غيرت مجرى التاريخ ومهدت للطبقة العاملة تولى شؤون الجزء الأكبر من العالم،ولست بمعرض الدخول في تفاصيل العملية،وطريقة الهروب،فقد كتب الكثير عن الموضوع،رغم وجود اختلافات في التفاصيل والقائمين به وهو ما تناولناه بشكل مفصل في كتابنا الذي هو تحت الأعداد عن عمليات هروب الشيوعيين العراقيين،وسأتناول في هذه العجالة الدور الذي قامت به محلية بابل للحزب الشيوعي العراقي في أنجاح عملية الهروب،وإيجاد الملاذ الأمن للهاربين،ومساعدتهم في تجاوز مناطق الخطر وإيصالهم الى المناطق التي يمارسون فيها عملهم النضالي.
كانت محلية بابل على علم مسبق بعملية الهروب،وقد هيأت المستلزمات الكاملة لإنجاحه،فقد أرسل الفقيد حسين سلطان صبي (أبو سلام) عضو اللجنة المركزية للحزب عن طريق الرفيق (سعد مجيد الشريفي) رسالة يطلب فيها تهيئة المستلزمات اللازمة لإنجاح العملية،وتهيئة السبل الكفيلة بإخفاء الهاربين،ولكن حدوث الانشقاق الكبير وخروج جماعة القيادة المركزية عن الحزب،أدى لحدوث خلافات بين المعتقلين المشاركين بالعملية،فجماعة القيادة أخذت تمارس دورا انعزاليا،وتحاول ما وسعها الجهد أبعاد الشيوعيين الآخرين عن العمل وعزلهم رغم أنهم أصحاب الفكرة والمبادرين والمخططين للعملية،ولكن جرى الاتفاق بين المجموعتين وحددت أسماء الذين يهربون من السجن ممن عليهم أحكام طويلة،ولكن عند البدء بالخروج قام هؤلاء بإثارة معركة لمنع الآخرين من الهروب ونقض الاتفاق مما كاد يؤدي لفشل العملية برمتها،وبعد أخذ ورد وصل الى حد الاشتباك بدء الجميع بالخروج حسب الاتفاق السابق،ولكن خوف انكشاف العملية ومحاولة البعض تنشق نسيم الحرية جعلهم يتجاوزون الاتفاقات السابقة مما خلق حالة من الفوضى وازدحام على الفتحة،وخروج مجموعات لم تكن هناك نية لإخراجها، وقد عرف السجناء غير المشاركين بالعملية مما هدد بافتضاح الأمر ،أضف لذلك أن الخارجين كانوا بمجموعات تثير الانتباه،فقد فوجئ حارس الكراج بخروج أشخاص كثيرين رغم عدم دخول أي سيارة للكراج مما جعل ذهنه القاصر يتوجه للاعتقاد بوجود (جن ) في الكراج ،وتوجه الى حيث يقف شرطي المرور في الساحة المواجهة للكراج ليخبره بخروج أشخاص يثيرون الانتباه لغرابة ملابسهم وكثرتهم،فليس من المعقول تلك الأيام أن يسافر أحد ببجامة النوم،أو يضع اليشماغ وهو يرتدي ملابس الأفندية،مما جعل الشرطي يشكك بالأمر فما أسرع ما نبه حراس السجن ليكتشفوا العملية في وقت مبكر،ويقوموا بغلق المنافذ المؤدية للمدينة وإعلان حالة الطوارئ وخروج المفارز المسلحة للبحث عن الهاربين بعد انكشاف الأمر،ولو جرى الأمر بحكمة،أو حسب الاتفاق المبرم لتمكن عدد كبير من الهروب ومرت العملية بسلام،ولكن الخلافات غير المبدئية تؤدي الى تعقيد الأمور وخسارة الجميع.
كان الفقيد حسين سلطان على أتفاق مسبق مع المحلية،حيث تمكن من الركوب في أحدى السيارات المتوجهة الى النجف،وأتصل بالحزب معلنا سلامة وصوله،فيما كانت أعداد ليسوا من أهالي المنطقة،ولا يعرفون أحد فيها،مما جعلهم يسلكون الطرق الريفية الخاطئة،ومن هنا برز الدور الكبير للرفاق الذين استنفروا طاقاتهم القصوى وتوزعوا على مخارج المدينة لتلقف الهاربين وإيجاد الملاذ الأمن لهم،وتمكن بعضهم من الوصول الى بعض القرى التي للشيوعيين وجود كبير فيها ،فيما توجه آخرين الى النواحي والأٌقضية ،حيث وفرت لهم الأماكن اللازمة للاختباء،فقد توجه الشاعر مظفر النواب الى مدينتنا القاسم واختفى في أريافها في منزل الفقيد الرفيق الشيخ أحمد العبد الله هناك ،وشاءت الصدف أن يكون وجوده عندما جيء بشباك جديد للأمام القاسم،فأشار لذلك في قصيدته الرائعة الذائعة التي يصف بها عملية الهروب،عندما قال:
يلي شوفتك شباج للقاسم ودخول السنه من الكاك
وتوجه بعضهم الى قرية (البو غياض) التي تبعد عن مركز المدينة بحدود(8)كم وهي قرية مقفلة للشيوعيين،وجميع سكانها أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي وهم عشيرة الفقيد لطيف عبد هويش عضو محلية الديوانية ،وعضو المكتب الفلاحي في أوائل الستينيات،حيث أستقبلهم ووفر لهم ما يحتاجون من طعام وكساء،وقد أخبرني أنهم كانوا من جماعة القيادة المركزية ولما عرفوا أنه من اللجنة المركزية لم يرق لهم الأمر ولكنه بأخلاقه الشيوعية الأصيلة أستطاع أقناعهم بالبقاء ثم هيأ لهم السبل الكفيلة بالوصول الى الديوانية من خلال علاقته بالرفاق الموجودين على الطريق المؤدي لها ،ومن هناك توجهوا الى حيث يريدون.
وعندما شاع خبر الهروب في المدينة قامت بعض العوائل الرجعية بمساعدة قوات الأمن في متابعة الهاربين والأخبار عنهم،لأن بعضهم من مدن بعيدة ولا يعرفون الطرق أو المناطق الآمنة فأصبحوا صيدا سهلا للأمن،ومن هنا تحركت منظمة الحلة وأوعزت لمنظماتها وخلاياها الممتدة على امتداد المحافظة بالتحرك لنجدة الهاربين وتوفير الأماكن اللازمة لإخفائهم،فقامت منظمة (عنانه) بإخفاء مجموعة منهم في حفرة عميقة،يقول (أبو عادل) أخبرني الرفيق نجاح مسئول منظمة عنانه،بعد أسبوع من عملية الهروب بوجودهم في منطقته،فاتفقت معه على نقلهم الى قرية (البو شناوة)عرين الحزب في المنطقة،وفيها الكثير من الرفاق المخلصين،وجرى الاتفاق على تسليمهم للرفيق كاظم الجاسم (أبو قيود) عضو لجنة الفرات الأوسط،وفعلا تم نقلهم بسيارة تنكر تعود للرفيق سامي عبد الرزاق،كانت تستخدم في المعمل وسبق أن استخدمت لنقل البريد الحزبي بعد قرار حميد الحصونة بمنع توزيع جريدة اتحاد الشعب في المحافظات التي ضمن سيطرة الفرقة الأولى،وأوصلهم السائق الى منطقة البو شناوة،وبعد استقرارهم في المنطقة صدر قرار الحزب بنقلهم الى محلية الكوت ،ولكن بعض العناصر من جماعة القيادة المركزية بعد أن استلمتهم منظمة الكوت،وزودتهم بالمال ووفرت لهم السكن وسلمتهم مسدس للدفاع عن أنفسهم،انسلوا في غفلة عنها وانتقلوا الى مكان آخر،وأشاعوا فيما بعد أن الشيوعيين في اللجنة المركزية اعتقلوهم في سجن خاص.
ومن لطيف ما يذكر أن أحد قادة الحزب طلب من الرفيق أبو عادل الحفاظ على (التنكر) لأننا سوف نضعه في متحف الحزب لاحقا،ولكن للأسف أصبح التنكر (سكراب).
ومن غرائب ما جرى في تلك الفترة أن الحزب الشيوعي العراقي رغم انشقاق جماعة عزيز الحاج عنه،وقيامهم ببعض الأعمال الصبيانية ومحاولاتهم إيذاء الحزب والتشهير به،ألا أنه كان يعاملهم بروح رفاقية عالية،وخصوصا في هذه المحنة،لأنهم رغم كل شيء شيوعيين يجمعهم هدف واحد وطريق واحد،وأن قسم منهم قد غرر بهم فاندفعوا في هذا الطريق ثم عاد أكثرهم للحزب نادمين بعد أن ثبت لهم زيف الدعاوى التي أشاعها المرجفون،فيما أصر آخرون على مواقفهم ،وأندفع آخرون للعمل مع سلطة البعث،بعد إلقاء القبض عليهم وانهيار الحركة المسلحة،ومن المفارقات ،يقول أبو عادل،أنه في اليوم الثاني من عملية الهروب جاءني(وليد ماجد محمد أمين)فأخبرني أن السيد عزيز الحسيني أمر الحرس القومي السابق لديه(شغل معك) ويريد أن تزوره في بيته،فقلت له إذا كان لديه شغل فليأتي هو،فقال لي:أنه يريدك لأمر فيه مصلحتكم والعمل يعود إليكم،فذهبت للقائه في بيت زوجة ماجد محمد أمين،فالتقيت به وأخبرني “أن هناك شخص أسمه(صفاء) من أهالي الموصل ،هارب من سجن الحلة وهو طالب في الخامس الإعدادي وموجود لدينا،ويريد اللقاء مع الشيوعيين،وأخبرني أنه يطلب اللقاء مع جماعة عزيز الحاج،فقلت له أني لا أعرف أحدا من جماعة الحاج وأني أعرف شيوعي قديم هو سامي لذلك أرسلت ورائك” أخبرت عزيز أني سأتوجه له في الساعة الرابعة من صباح اليوم التالي لنقله الى مكان آمن،بسبب الانتشار المكثف للقوى الأمنية بحثا عن الهاربين،توجهت صباح اليوم التالي في سيارة احد أصدقاء الحزب،لأن سيارتي معروفة،وعندما طرقت الباب خرج عزيز الحسيني وأخبرني أن هذا الشخص يرفض اللقاء بي،واتهم قيادة الحزب بالعمالة،وأنه أعطاه بدله ومبلغ من المال وأوصله الى طريق (النبي أيوب) لعله يلتقي بالشيوعيين من جماعة كاظم الجاسم،شكرت السيد عزيز الحسيني مصافحا له وقلت “لن ننسى هذا الموقف في حماية رفاقنا”، وبعد أن عدت الى البيت أرسلت رسالة الى الرفيق أبو قيود أخبرته فيها بأن أحد الهاربين المنشقين من سجن الحلة قد توجه إليكم،وأنه يرفض اللقاء بالحزب الشيوعي أو أن يقدم له المساعدة،وعليكم التهيؤ للقائه وتقديم العون له وتهيئة السبل الكفيلة بتأمين سلامته،وفعلا شكلت مفرزة بقيادة الرفيق عبد زيد نصار والتقوا به وعندما سألهم أنتم من جماعة القيادة أو اللجنة المركزية،فقال له عبد زيد”ولك يا لجنة يا قيادة أنت بأي وضع حتى تسأل أمشي معنا حتى لا يلقى القبض عليك وبعد أن تهدأ الأمور اذهب الى أين تريد،لأننا ننظر إليك الآن على أنك شيوعي بغض النظر عن كونك من القيادة أو من غيرها”وفعلا ظل لديهم عدة أيام حتى استتبت الأمور وأنقطع الطلب عن الهاربين ثم مضى الى حيث يريد،وكان أحد الرفاق من منظمة عنانه قد أرتبط بعلاقة وثيقة مع أحد المختفين في قريتهم وأسمه داخل من أهالي العمارة من جماعة الحاج،وأخذ يزوره في بغداد،وتمكن ذلك الشخص من تصوير الأمور بشكل مغلوط والتأثير عليه بعد أن رسم له صورة سوداوية عن الحزب،وأستماله للعمل معهم،يقول أبو عادل وقد جاءني ذات يوم وسألني عن الرفاق وعن الحزب والانشقاق،فأخذت أشرح له الأمر،ورويت له حادثة صفاء وكيف أن الحزب لا يفرق بين شيوعي وآخر،ويحتضن الجميع،وأن صفاء رغم مواقفه الخاطئة إلا أن الحزب أعانه في محنته ووفر له الملاذ الأمن،وأرسله الى حيث يريد،فقال لي بعنجهية أنتم (شنو) أنت عندك عصابة تعذب الرفاق،وأني أبلغك بإنذار القيادة المركزية بوجوب إحضار صفاء خلال يومين وإلا ستتخذ بحقك أجراآت رادعة،أدخلته الى الكراج لأن حديثه كان في الشارع،وطلبت منه عدم المجيء ثانية أو الاتصال بي ،وإذا جاء فسيعرف ما يكون مصيره،وبعد أربعة أيام صدر بيان من القيادة المركزية يتضمن التهديد والوعيد للرفيق أبو عادل وإلزامه بتسليم صفاء إليهم،فأرسل البيان الى قيادة الحزب فنسبت محلية بابل أحد الرفاق لحماية المعمل.
ومن مفارقات الهروب العجيبة أن مدير سجن الحلة أثناء الهروب العقيد(… القيسي)قد خشي انتقام السلطة بسبب هروب الشيوعيين،فلجأ الى بيت الحاج عبد الله الملا إبراهيم لأنه من أصدقائه،فجاءني عمي وطلب مني سيارتي أل(دوج) لنقل مدير السجن الى خارج الحلة لأنها معروفة بعائديتها للشيوعيين،ولا يفكر رجال الشرطة بتفتيشها بحثا عن مدير السجن،وفعلا قمت بإيصاله الى خارج الحلة.