الرئيسية » مقالات » 17 نيسان أبريل ( يوم الجلاء في سوريا ) : من الانتداب إلى الجلاء , إلى الانتداب إلى أين….

17 نيسان أبريل ( يوم الجلاء في سوريا ) : من الانتداب إلى الجلاء , إلى الانتداب إلى أين….

تقليديا يترافق الاحتفال بيوم جلاء قوات الانتداب الفرنسية عن وطني سوريا في السابع عشر من نيسان بشيء من الاحتفالية التي حرص إعلام النظام على إسباغها عليه , اللقاءات مع قدامى المجاهدين , الأغاني “الوطنية” التي يكررها تلفزيون النظام في مناسبات محددة يعتبرها “مناسبات وطنية” و هي , إلى جانب يوم جلاء الفرنسيين , يوم وصول النظام الحالي إلى السلطة “ثورة آذار و الحركة التصحيحية” عدا عن “انتخاب” أية هيئات أو مجالس و حتى “انتخاب” رئيس الجمهورية نفسه , و التي كلما كانت فاقدة لأي معنى بالنسبة لكل السوريين كلما زادت مبالغة إعلام النظام في الاحتفاء بها..بالعودة إلى ذلك اليوم فقد جرى فيه بالفعل جلاء القوات الفرنسية وسط احتفال شعبي كبير غامر , كان أجدادنا يعتقدون أن خروج القوات الأجنبية التي دخلت إلى أرضنا عنوة و فرضت حكمها لربع قرن بالدم و النار سيعني مستقبلا أفضل بلا نقاش , أن نظاما “وطنيا” لا بد أنه يعني , أخيرا , إنجاز نهضة وطنية شاملة حقيقية , لم يكن كل السوريين يومها قادرين على أن يصيغوا أفكارهم بهذا الوضوح لكن حتى الناس العاديين الأميين الذين انخرطوا في النضال المعادي للاستعمار كانوا يستلهمون تلك المشاعر التي أحسوها بصدق في نضالهم ضد قوة متفوقة مزهوة بانتصارها في حرب عالمية على منافسيها الأوروبيين..كان الاستعمار مرفوضا بشكل جماعي من كل السوريين تقريبا , لكن العالم “المتحضر” كان يراه مبررا تماما , طبعا لم يستند قادة هذا العالم يومها في تبريرهم هذا على أطروحة التراكم الأولي الماركسية أو سلب الشعوب المستعًمرة و بروليتاريا الدول المستعِمرة نفسها , كان المنظَر الفعلي لأطروحة الانتداب هو الرئيس الأمريكي ويلسون الذي اعتبر لحظة قراره اشتراك أمريكا في الحرب العالمية الأولى أن أمريكا ستخوض حربا لكي “تصون مبدأي السلم و العدل في حياة العالم” إلى أن “تجعل العالم نفسه حرا أخيرا” و هو الذي رأى في مؤتمر فرساي بعد الحرب أن “شعوبا غير متطورة” ستكون بحاجة إلى “توجيه” من قبل قوى مدبرة في ظل أنظمة انتداب تقرها عصبة الأمم..كان نصيبنا بالتأكيد أفضل من إخواننا و جيراننا الفلسطينيين الذين انتهى الانتداب البريطاني المفروض عليهم بعد سنتين من نيلنا استقلالنا ب”استقلال” غريب , قتل الآلاف منهم و تم تهجير 750 ألفا منهم فقط , كانت تلك فقط الدفعة الأولى من ثمن “الاستقلال” الباهظ الذي فرض عليهم وحدهم أن يدفعوه حتى اليوم قتلا و تهجيرا و تجويعا..لكن النظام الذي ظهر بعد الجلاء وجد نفسه عاجزا مع ست أنظمة عربية أخرى مشابهة أمام قضية بدت سهلة و محدودة الخطر أول الأمر , القضية التي ستستهلك فيما بعد ملايين الأوراق من القرارات الدولية و بيانات الشجب و الإدانة الرسمية العربية و مؤتمرات لا تنتهي بحثا عن تسوية ما , ربما بدت قضية فلسطين بسيطة للغاية يومها بالنسبة لأجدادنا , فإن جيوش سبع دول عربية ستنهي هذه القضية خلال أيام من دون شك..لكن اتضح أن أسلحة جيوشنا كانت فاسدة , مثلها مثل ضمائر أفراد السلطة الجديدة , ليس فقط في مصر اتضح أن الجيوش قاتلت بسلاح فاسد , في سوريا أيضا كان مجلس النواب قد وافق على صرف مليون ليرة كإجراء طارئ لشراء ذخيرة و أسلحة جديدة , و قد وجه الاتهام يومها لمحاسبي الحكومة و وزارة الدفاع لسوء استخدام هذا المبلغ..حسنا , تصاعدت الانتقادات للأنظمة الجديدة , خاصة بعد الهزيمة المريرة في فلسطين , أوضحت هذه الهزيمة أن سلطة ما بعد الاستقلال عاجزة تماما عن أي فعل جدي في إطار الدفاع عن الاستقلال أو الدفاع عن شعب عربي شقيق تعرض لما بدأ يتكشف تدريجيا عن أنه محاولة استئصال دموية كاملة من أرضه و أن البحث عن سلطة قادرة يحتاج إلى تغيير هذه السلطة..قررت النخبة يومها أن المشكلة هي في تحقيق الوحدة القومية العربية التي ستعني أننا سنكون قادرين على الدفاع عن أنفسنا و أن نقيم نهضتنا القومية الشاملة هذه المرة , رأى قسم من النخبة أن المشكلة تكمن في الانتماء الطبقي للنخبة الحاكمة يومها لكنه اعتبر الوحدة القومية العربية حدثا تقدميا و ساير بالتالي القسم الأول من النخبة في دعواها..هكذا جرى تغيير سلطة ما بعد الاستقلال , عبر انقلابات عسكرية بالطبع , لكن ضمن إطار صعود شعبية هذه الخطابات القومية و اليسارية..كان رد الفعل الأولي للاستعمار في 1956 فاشلا بحيث أن الجماهير اقتنعت بالفعل أن السلطة الجديدة قادرة بالفعل على مواجهة القوى الخارجية التي كانت الهيمنة على الآخر و على العالم قد استحوذت عليها تماما , استمر هذا الاقتناع حتى حزيران 1967 حينها استفاقت الجماهير على الهزيمة , هزيمة عميقة ساحقة و ساذجة أي أنها تحمل بالضبط كل صفات الهزيمة الأولى في 1948 , رغم محاولة البيروقراطية الحاكمة تحسين أداء أجهزتها المتداعية في حرب الاستنزاف و تشرين الأول أكتوبر التالية , لكن الهزائم المتتالية حتى بغداد 2003 أثبتت أن السلطة القائمة أعجز من أن تحقق ما هو أكثر من قمع شعبها فقط , كانت هذه هي مهمة القوات العراقية التي أمر بوش الأب بالسماح لها بالعودة من ساحة القتال التي خسرتها للتو لتخمد بوحشية انتفاضة الجنوب و الشمال , كان هذا ما فعله من قبل ستالين , فيما كانت قواته على مقربة من وارسو , عندما ترك الألمان يغرقون انتفاضتها المستقلة الخاصة في الدماء , أراد ستالين إغراق انتفاضة وارسو وإرادتها في الدم باستخدام رصاص “عدوه النازي” لينصب هو في وقت لاحق نظام صنيعة فيها , كان القرار صريحا في واشنطن : إذا كان على صدام حسين أن يسقط فهذا يجب أن يكون بالقوة الأمريكية فقط و ليس بأيدي شعبه , و لذلك فرض حصار كامل على النظام العراقي بهدف ضمان نتيجة أية معركة قادمة حان وقتها بنظر المحافظين الجدد بعد تدمير برجي التجارة في نيويورك..كانت هذه الأنظمة قد انحطت إلى درجة تحولت فيه إلى صيغة عائلية مافيوية تتقاسم فيها مع أزلامها و جلاديها الأقرب موارد البلد و تعتمد اعتمادا كاملا على أجهزة القمع في حماية النظام في تكرار مشابه لنموذج ملوك الطوائف..”اكتشفت” النخبة مع هذه الضربات المتتالية التي شنتها بنجاح إسرائيل و أمريكا , على التوازي مع منظري أنظمة الاعتدال العربي , أننا شعوب “غير متحضرة” و أننا بحاجة لانتداب قوى متحضرة لندخل عصر الحضارة , لنصبح “ديمقراطيين” , هكذا استقبل السادة المتلبرون الغزو الأمريكي للعراق على أنه بداية عصر “التغيير الديمقراطي” أو سقوط الأنظمة الفردية العائلية الاستبدادية , ليس مفاجئا أن هذا النقد أو العداء يقتصر تحديدا على بقايا الأنظمة القوميوية و أنه يتماهى بل و يندمج تماما مع خطاب أنظمة الاعتدال , و ليس غريبا لذلك أن يكون هنا السادات هو النموذج المعلن أو الضمني المنطقي لهذه الموجة الليبرالية الجديدة , استسلام كامل للمشيئة الأمريكية ( تذكروا أن براءة الاختراع ترجع للسادات في إدعاء أن 99 % من أوراق اللعبة في المنطقة هي بيد أمريكا ) , سلام متعايش مع إسرائيل ( أول اتفاقية “سلام” عربية إسرائيلية ) , إطلاق كل حرية لقوى السوق ( حتى قبل ظهور اتفاق واشنطن بسنوات عدة )..يبقى اسم السادات عزيزا و استثنائيا في كتابات المحافظين الجدد و كبير مستشرقيهم برنار لويس , إنه الرمز الفعلي لمرحلة إعادة الانتداب الحالية..لكن الانتداب الجديد لم يفعل سوى أنه أعاد تماما عقارب الساعة إلى لحظة الانتداب الأول , بعد أن تغلب الفرنسيون على المقاومة الضعيفة التي قامت بها بقايا الجيش مع بعض الجماهير المسلحة فيما كان الملك فيصل قد قبل الاستسلام غير المشروط , قاموا بتقسيم سوريا إلى خمس “دول” طائفية , بما في ذلك دول خاصة للعلويين و الدروز , و دخلوا في علاقة معقدة مع النخب الاجتماعية الإقطاعية و الدينية , هذه القوى كانت تتدرج بين التعاون مع المحتل إلى مواجهته “سياسيا” و أحيانا “عسكريا” , فيما كانت النخبة المثقفة تلعب دور تحشيد الجماهير ضد الاحتلال و دفع الأمور باتجاه صراع عسكري حاسم مع الاحتلال..لقد عادت عقارب الساعة إلى الوراء تماما..هذا صحيح بالنسبة للعراق و لبنان و ربما في الغد فيما يخص إيران أو سوريا , لكن إخواننا الفلسطينيين هم الاستثناء الوحيد , ففيما تطالب النخبة السياسية و المثقفة المتلبرلة بتدويل قضية “حقوق الإنسان” في العراق و إيران و لبنان و سوريا و حتى مصر مبررة و مستدعية التدخل الأمريكي أو الانتداب الجديد , جرى تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية “وطنية” بامتياز , النظام العربي الرسمي وسط ترحيب النخبة المتلبرلة تخلى تماما عن القضية و اعتبرها قضية “وطنية فلسطينية” فقط , أما النظام العالمي الجديد الذي يعلن حقه في التدخل في أي مكان في العالم إما “لحماية حقوق الإنسان” أو “للقيام بدور الدول الفاشلة” فإنه لا يبدو مكترثا بالتدخل هنا لصالح الأقلية المقهورة , يبدو أن فلسطين عصية على هذا الانتداب الجديد , إنه لا يريد أن يتدخل هنا على الإطلاق و قد ذهبت كل دعوات النظام العربي الرسمي أو الفلسطيني الرسمي ( بعد اتفاقيات أوسلو ) , أو تخمينات و مناشدات النخبة المتلبرلة , لأقطاب هذا النظام العالمي للتدخل و لو على استحياء أدراج الرياح..على عكس العراقيين و اللبنانيين و قومي السوريين و المصريين و بالتأكيد الإيرانيين , لا يحتاج الفلسطينيون ( و ربما السعوديون أيضا ) إلى وصاية قوة متحضرة , إنهم “أحرار” في مواجهة قوة تطالبهم بالركوع حتى الاستسلام غير المشروط , مواجهة يصر النظام العالمي الجديد , و معه النخبة المتلبرلة , على أن استخدامهم للسلاح في وجه عدوهم هو محض إرهاب , باختصار إنهم , و بحسب النظام العربي الرسمي و أقطاب النظام العالمي الجديد و الليبراليين العرب الجدد , “أحرار” في استسلامهم للعدو دون “وصاية من أحد”..هذه القصة شبيهة بقصة السود في أمريكا ( و حتى في جنوب أفريقيا أيضا ) , حيث تبين للسود مع انتخاب جون كينيدي , رغم كل الضجة التي رافقته و ترحيب بعض الناشطين السود أنفسهم بانتخابه رئيسا لأمريكا , أن رئيسا ديمقراطيا “ليبراليا” لا يختلف في حقيقة الأمر عن أي رئيس أبيض جمهوري “محافظ” , و ستكتمل فصول هذه القصة قريبا إذا تمكن باراك أوباما من الوصول إلى البيت الأبيض , سيتبين عندها للسود و لغيرهم من المتحمسين في أمريكا و العالم , أن الرئيس الأسود ليس بأفضل حال من الرئيس الأبيض , أنه في النهاية الابن البار للنظام و ليس حتى للون بشرته و لا لأبناء جلدته..إننا اليوم غارقون بالأصولية و الطائفية حتى آذاننا , و الأمريكان في أمان نسبي في بغداد فقط بفضل أوامر المرجعيات و الحوزة و جزء من رجال الدين السنة , إن الانتداب الجديد لا يبدو أفضل على نحو جدي من الانتداب السابق , لقد أعادنا فكريا إلى مرحلة الدولة العثمانية , و سياسيا إلى مرحلة الانتداب و تقاسمه السلطة و الثروة مع النخب الطائفية و العشائرية و الإقطاعية , لا يبدو الوضع أفضل على الصعيد الوضع التقني أو في المؤسسة التعليمية التي تتراجع بصورة رهيبة غير مسبوقة , حتى أن التحسينات الإدارية و على مستوى البنية التحتية التي قام بها الأمريكان هنا أبطأ و أضعف بكثير مما فعله الفرنسيون في سوريا و البريطانيون في العراق نفسه قبل عقود , وحدها المنطقة الخضراء قد تشبه قصور ضباط و رجال الانتداب الأول , ربما لأنها في حقيقة الأمر قصور نظام صدام , الجديد هنا هو أن النخبة نفسها قد أصبحت مضطرة لتعيش في المنطقة الخضراء بعيدا عن مخاطر العيش بين الناس العاديين , فإن فتاوى التكفير ما تزال في أدراج القيادات الطائفية و الدينية و هي مضطرة لتأجيل العمل بها فقط..ما هو المستقبل اليوم بعد 62 سنة من جلاء الفرنسيين عن أراضي سوريا ؟ قد يستمر النظام القائم لبعض الوقت , خاصة مع قمعه الصارم للنخبة التي تحاول أن تشكل معارضة جدية له , لكنه محكوم قطعا بالسقوط , إنه منخور من الداخل لدرجة يصبح فيها تداعيه مسألة وقت فقط , قد تحكمنا مؤسسات دينية طائفية لبعض الوقت , ففي إيران مثلا تبدو سلطة هذه المؤسسة قادرة على التجدد و التكيف مع ظروف مختلفة ( إنها اليوم مثلا في بحثها الملح عن السلاح النووي تحاول حتى أن تفرض تعايشا ما مع الهيمنة الأمريكية تشبه ما قام به ديكتاتور كوريا الشمالية , لقد اكتشفت الديكتاتوريات التي تعاديها أمريكا ترياق الحياة في عالم تسيطر عليها قوة هائلة معادية لها ) , عدا عن أن سلطة كالخلافتين الأموية و العباسية تمكنتا من الصمود قرونا طويلة و سقطت فقط بيد قوى أكثر وحشية و همجية , لكنها عدا عن حاجتها الحيوية لقهر و قمع و ملاحقة و إراقة دماء الآخر “الهرطقي” , فإنها كالأنظمة “الأرضية” تخلق توترات اجتماعية هائلة بسبب الفقر و التباينات الاجتماعية الهائلة..في سوريا اليوم خيار واحد فقط , فقط لا غير لا علاقة له ببوش و لا بإيران و لا بالسعودية و لا بالأكثرية أو الأقلية في لبنان و لا حتى بالنخبة المتلبرلة , إنه خيار الحرية , حرية الناس العاديين , باعتبار أن السلطة الوحيدة الديمقراطية هي سلطة الجماهير فقط , حكم الناس نفسها بنفسها كما يردد الجميع دون أي معنى أو رغبة حقيقية , إما هذا أو العودة من جديد إلى ثنائية الانتداب – الاستبداد…