الرئيسية » مقالات » هل من جديد في مواقف السيد رئيس الوزراء العراقي؟

هل من جديد في مواقف السيد رئيس الوزراء العراقي؟

قدم السيد رئيس الوزراء العراقي نور المالكي في مقابلة غنية ومهمة مع قناة الحرة في لحظة حساسة ومهمة (10/4/2008) , إذ تأتي بعد مرور خمس سنوات على إسقاط الدكتاتورية الفاشية في العراق أولاً , وبدء حوار ومكاشفة صريحة تدور في أروقة الكونغرس الأمريكي بين أعضاء المجلس والمسئولين الأمريكيين في العراق وحكومة جورج دبليو بوش ينشر على نطاق واسع في العالم ثانياً , كما أنها تؤشر احتمالاً مطلوباً هو عودة الوزراء المنسحبون إلى مجلس الوزراء ثانية لممارسة أعمالهم بانتظار الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة تشمل قوى أخرى وترتيب آخر يمكن ويفترض أن يحقق شكلاً جديداً من أشكال الوحدة الوطنية العراقية الأكثر استجابة لواقع العراق وآفاق المستقبل وكفاءات أخرى أكثر قدرة على تحقيق ما يطمح له الناس في الأمن والبناء والتقدم والانطلاق من روح المواطنة العراقية الحرة والمتساوية.
علينا أن نثمن بوضوح بأن المجابهة الأخيرة في البصرة مع ميليشيات جيش المهدي والقوى الإرهابية الأخرى وعصابات الجريمة المنظمة كانت حتى الآن ناجحة وموفقة , وكانت ضرورية أيضاً , من عدة جوانب , منها :
• برهنت عن قدرة القوات العراقية في مواجهة الخارجين عن القانون وعن هزال الميليشيات المسلحة وكون أغلبها قوى مرتزقة لا غير , رغم تسلحها الكبير والحديث والثقيل , من جهة , واكتشاف وطرد مجموعة من العناصر المتسربة إلى القوات العراقية المسلحة من أتباع ميليشيات إرهابية مسلحة من جهة ثانية. رغم أن هذا لا يعني بأي حال نهاية وجود مثل هذه العناصر العائدة لتلك المليشيات أو لمليشيات أخرى ترفع رأسها في وقت آخر.
• بروز إمكانية وضع حد لنهب ثروة العراق النفطية في البصرة ووجود دولة داخل دولة تسقط قدرة الدولة الرسمية على ممارسة شئونها مع المجتمع ومحاولة حلول الدولة الدخيلة وغير الشرعية بتدبير أمور الناس بما يساعدها على وضعهم رهائن في أيديها واستخدامهم لصالحها ضد الدولة الرسمية ووفق أجندات غير سليمة أو غير عراقية.
• الكشف بصراحة أكبر وملموس عن واقع وجود تدخل إيراني شرس وعدواني وواسع النطاق , سواء أكان عبر إرسال كميات هائلة من مختلف أنواع الأسلحة بما فيها الثقيلة , أم بإرسال الأموال والمخدرات , أم عبر إرسال عناصر لقيادة وتوجيه المليشيات وتدريبها في الجنوب أم بإرسال عناصر أمنية تعمل في مواقع ومنظمات إسلامية إرهابية مثل ثار الله التي أشرت إليها في مقالات سابقة وأكثر من مرة. وهذا التدخل يشمل الحكومة الإيرانية , ومنها الحرس الثوري والبسيج وجيش المقدس , إضافة إلى منظمات أخرى غير حكومية تجد الدعم والتأييد من جانب أجهزة الدولة الإيرانية. وهي تشكل كلها خطراً على العاق المستقل والديمقراطي الاتحادي , كما أنها تنفث سم الفرقة بين الناس والحد من حرياتها الفردية , وخاصة حرية المرأة وحقوقها وصراع المذاهب الإسلامية.
• الكشف , رغم أنه كان معروفاً لنا جميعاً , عن وجود تدخل عربي واسع النطاق , سواء أكان حكومياً أم أحزاباً وقوى سياسية يسمح لها بمثل هذا التدخل لتحقيق جملة من الأغراض العدوانية ضد العراق والتي أشار إليها العراق. ويأمل الإنسان أن تعالج هذه القضية بإصرار لكي نمنع أن يصبح العراق موقعاً للصراع والنزاع الإقليمي والدولي فيه. وهذا التحرك العدواني العربي ينطلق من مواقع حكومية ومواقع غير حكومية ومنظمات شوفينية وطائفية سياسية مقيتة. إن الكشف عنها بصراحة ضرورة موضوعية. ورغم تشاؤم السيد رئيس الوزراء من إمكانية تغيير هذه المواقف , وهو في ذلك على حق كبير , ولكن لا بد من بذل الجهد الدولي والإقليمي والمحلي لمنع استمرار هذا التدخل في الشأن العراقي , وخاصة التحالف القومي الشوفيني والبعثي ألصدامي والإسلامي السياسي العربي المتشدد الذي وجد له مقراً في بيروت. والتدخل يبرز من لبنان وفلسطين وسوريا وقوى في الخليج , إضافة إلى السعودية التي لا مناص من وضع النقاط على الحروف بهذا الصدد.
• نشوء أجواء جديدة في الساحة السياسية العراقية , ولكنها لا تزال في بدايتها , تؤشر إمكانية توسيع وتعزيز التحالف السياسي بين كافة القوى السياسية السليمة التي تريد إقامة عراق حر وديمقراطي ومستقل. وهي مهمة معقدة تستوجب من الأحزاب السياسية التي لا تزال تمارس أجواء أو تطرح مشاريع طائفية أن تكف عنها. ويبدو بوضوح أن السيد رئيس الوزراء يسعى إلى إنجاح العملية السياسية والنجاح في مهمته , ونأمل له النجاح أيضاً.
ولكن علينا أن لا ننسى بأن المعركة مع ميليشيات جيش المهدي لم تنته بعد , وكذلك مع ميليشيات أخرى , سواء أكان ذلك في البصرة أم في بقية محافظات الجنوب أم في الموصل وكركوك والتي تستوجب العمل الجدي , والمواجهة المماثلة لما حصل في البصرة , إذ أن الصراع بين المليشيات , رغم الضربات التي تلقتها ميليشيات جيش المهدي , لا تزال ظلالها على الأرض العراقية في محافظات الوسط والجنوب وبغداد.
ومع أن القوات العراقية قد استطاعت أن تبرهن على قدرتها , ولكنها لا تزال بحاجة إلى الكثير من العمل المتعدد الجوانب لتصبح قادرة على حماية العراق الديمقراطي الاتحادي في جميع أنحاء العراق وبالتعاون الوثيق مع القوات المسلحة في كُردستان العراق (البيشمركة السابقة) التي تعتبر جزءاً عضوياً من القوات العراقية المسلحة. إذ أن استخدام القوات العراقية يقود إلى النجاح الأسرع باعتبارها القوة الأكثر قدرة على فهم الواقع العراقي وسبل التعامل مع الناس وأساليب التخلص من الإرهاب بالمقارنة مع القوات الأجنبية الدولية , وهو الطريق السليم الذي يفضي بنا إلى إنهاء وجودها في الفترة المناسبة التي يتم الاتفاق عليها.
يؤكد السيد المالكي بأن الحكومة غير طائفية وأنه يلقم من يتحدث بكونها طائفية حجراً. لا أرى صواب هذا الأسلوب في معالجة المشكلة الطائفية في العراق. لماذا؟ لا شك في أن هناك من يستحق أن يلقمه السيد رئيس الوزراء ونحن معه حجراً , ولكن من يكون ذلك أم من هم هؤلاء؟ وجهتي نظري هي كالآتي:
1. إن الصراع الذي يدور في العراق , إضافة إلى كونه إقليمياً ودولياً , كان ولا يزال إلى حدود بعيدة طائفياً أيضاً. وهذا الصراع شئنا أن أبينا يدور في ما بين القوى والأحزاب السياسية المشاركة في الحكم أو خارج الحكم , وسواء أكان ذلك بتأثير داخلي أم إقليمي أم دولي. وتشكيل الحكومة على أساس المحاصصة الطائفية يؤكد ذلك , والانسحاب منها من بعض القوى السياسية أكد وجودها بوضوح كبير.
2. لا ترتبط الطائفية السياسية بمواقف رئيس الوزراء , بل بممارسات الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم وبالميليشيات التي كانت تمارس التدخل والإرهاب والقتل حتى اليوم. وليست المجابهة في البصرة من جانب القوات الحكومة سوى التعبير عن وجود ممارسة خطرة للمليشيات الطائفية تريد الحكومة إيقافها وتصفية قواعدها , سواء أكان وجودها بتأثير الداخل أم الخارج.
3. وعلينا أن ننتبه إلى الإعلام العراقي لكي نتبين ما هو طائفي سياسي وما هو غير طائفي أو مذهبي اعتيادي. ويكفي للسيد رئيس الوزراء أن يسمع لتصريحات وأحاديث بعض السادة أعضاء مجلس النواب أو شاهد وسمع قناة الفرات الفضائية , أن وَجَدَ الوقت الكافي لذلك , لتبين له بأنها ناطقة باسم حزب سياسي إسلامي يشارك بقوة في الحكم. وهنا لا أتحدث عن الشعائر المذهبية , بل عن الجهد الذي يبذل في تنشيط الفرقة بين السنة والشيعة والتفيش عن الخلافات الميتة بينهما وإثارة الماضي بطريقة فجة مثيرة ومدمرة للوحدة الوطنية. وهناك قنوات عربية تمارس ذلك من مواقع أخرى ولأغراض أخرى مقيتة أيضاً. وإزاحة السيد حبيب الصدر , الذي نشرت عنه مقالاً حول طائفية القناة التي كان يديرها , أمر إيجابي , إذ جمع حوله الكثير من الطائفيين المزعجين ويأمل الإنسان أن تمارس القناة سياسة عراقية وطنية وغير طائفية جديدة وتبتعد عن المشكلات التي تثير الصراع والنزاع الطائفي في العراق.
4. والطائفية السياسية لا تبرز في ممارسة السيد رئيس الوزراء , بل في ممارسة أجهزة الدولة والتوزيع للوظائف أو التوظيف الطائفي لأجهزة الدولة. والسيد رئيس الوزراء يعرف ذلك ويعرف عمق المشكلة الراهنة في هذا المجال , ولهذا فالمشكلة ليست عنده , بل في الأحزاب التي تمارس ذلك وأجهزة الدولة , بما في ذلك تعيينات الجهاز الدبلوماسي في الخارج , المرتبطة بالمحاصصة الطائفية أيضاً , والتي تمارس عملها وفق ذلك الأساس.
المعركة مع المليشيات المسلحة وبقية قوى الإرهاب قد بدأت لتوها فعلياً وبقدرات عراقية , وهو الأمر الأكثر أهمية , ولكنها لم تنته بعد. هذا ما يفترض أن نشير إليه في ضوء حديث السيد رئيس الوزراء , وهو مدرك لهذه الحقيقة قبل غيره لأنه يعيشها يومياً , وبالتالي علينا أن نتفق مع السيد رئيس الوزراء في أن نلقم حجراً لا لمن يتحدث عن هذه العلة الاجتماعية ويكشف عن مواقع وجودها وفعلها المرضي المضر , بل لمن يستخدم الطائفية السياسية ويطرح مشاريع طائفية تعبث بالوحدة الوطنية ومن يرتبط بقوى سياسية , بغض النظر عن المذهب أو الحزب الذي ينتمي إليه , إذ أنها جريمة حقاً ومخلة بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية أمام القانون وفي المجتمع الذي نريد إقامته , المجتمع المدني الحر والديمقراطي والاتحادي. كما أن علينا أن ننتبه إلى التداخل الراهن والقنوات المفتوحة بين العاملين في الأحزاب السياسية , وخاصة الإسلامية منها , إذ يمكن أن ينتقل أنصار هذه المليشيات إلى مواقع أخرى لترك العاصفة تمر ثم يبدأ عملهم التخريبي مجدداً في مواقع أخرى. إن هذا التحذير ناتج عن خبرة العراق ذاته ولا أشك لحظة واحدة في معرفة السيد رئيس الوزراء لهذه الحقيقة , ولكن لا بد لمن يحرص على وضع العراق أن يطرح هذا التحذير وينبه له.
لقد كانت أجابته صريحة واضحة بأن الواقع الاقتصادي والمعيشي لجمهرة واسعة من البشر , وخاصة في المناطق الكادحة تشكل أرضية صالحة لنمو تلك المليشيات وتفاقم ظاهرة الإرهاب في العراق. وبالتالي فأن سحب البساط من تحت أقدام تلك المليشيات وقوى الإرهاب الأخرى يتم عبر معالجة فعالة للمشكلات الاقتصادية بشكل خاص , والتي أشرها السيد نائب رئيس الوزراء الدكتور برهم صالح بصواب في أكثر من حديث وخطاب وتصريح له باعتباره المسئول عن الملف الاقتصادي في مجلس الوزراء. وتتم هذه المسألة من خلال استخدام الموارد المالية المتراكمة في خزينة الدولة لإنجاز مشاريع اقتصادية سريعة في المناطق الهادئة والتي يمكن أن ينتقل إليها الراغبون في العمل والحصول على مورد رزق شريف وأمين لهم ولعائلاتهم بدلاً من أخذ المساعدة المالية من أيدي المليشيات والقوى الإرهابية المقرونة بشروط بما فيها تنفيذ مهمات مختلفة لتلك المليشيات ضد الدولة بشكل خاص وقتل الناس الأبرياء بشكل مستمر وعام. إن وزارة التخطيط والوزارات الإنتاجية والخدمية بإمكانها أن تقيم مشاريع كثيرة تساهم في تشغيل نسبة كبيرة حقاً من الأيدي العاملة العاطلة حالياً , كما ستساهم , عبر توطيد الأمن الداخل إلى استعادة الكثير من الكفاءات التي غادرت العراق في ظروف صعبة. إن العجز عن الصرف الإعماري الضروري , كما تشير إليها المناقشات الجارية في الكونغرس الأمريكي , لا يساعد على إنجاز مشاريع الخدمات الضرورية أو التشغيل المطلوب جداً حالياً , بل يسهم في زيادة التذمر ويستغل من آخرين. وهو خطر قائم باستمرار.
إن النجاحات الأخيرة يفترض أن توحي بالثقة وبالقدرة على تجاوز الواقع الراهن , ولكن عليها أن لا توحي بأن المعركة قد انتهت , بل هي قائمة في بغداد والموصل وفي البصرة ذاتها ولفترة غير قصيرة قادمة , خاصة وأن بعض دول وقوى الجوار لا تكف عن نشاطها التخريبي.
إن التصريحات التي أدلى بها السيد رئيس الجمهورية يوم 9/4/2008 , ثم التصريحات التي أدلى بها السيد رئيس الوزراء بعد يوم واحد , تؤكد جهداً جديداً تبلور في قرارات مجلس الأمن الوطني السياسي العراقي , وهي كلها تصب في السعي لنشر جو جديد في السياسة العراقية , ونحن نتطلع إلى تنامي هذا الجو , يفترض أن نعمل من أجله أيضاً , فليس أمام العراق سوى الحل الأوحد : إقامة عراق مدني ديمقراطي حر ومستقل , يحترم حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق المرأة والمساواة في المواطنة واحترام الأديان والمذاهب وأتباعها وممارسة العدل الاجتماعي والاستخدام الفعال للثروة الوطنية لصالح المجتمع ومكافحة الإرهاب وحل المليشيات ومكافحة الفساد والطائفية السياسية وحل المشكلات والاختلافات في المواقف الداخلية بالطرق السلمية وبعيداً عن استخدام القوة أو التهديد بها. إنه الطريق الموصل إلى الوحدة الوطنية والازدهار وعودة الناس المهجرين والمهاجرين إلى وطنهم الحبيب , إلى العراق , من سهول وجبال كُردستان الشماء إلى البصرة الفيحاء وشط العرب , ملتقى النهرين الخالدين دجلة والفرات , إلى موطن الحضارات الإنسانية الخالدة.
11/4/2008 كاظم حبيب