الرئيسية » مقالات » التحليل القيمي لسلوك الأنتحاري _ الجزء الثاني

التحليل القيمي لسلوك الأنتحاري _ الجزء الثاني

سأحاول في هذه المقالة _ كما أشرت في الجزء الأول _ دراسة الفعل الأنتحاري من الناحية القيمية ومحاولة مقاربة هذا السلوك من هذه الرؤية الأكسيولوجية مستفيداً من التحليل الفلسفي الذي قدمه جوستاس بوخلر وجون هرمان راندل , حيث أنطلق من التساؤلات التالية :
ماقيمة الفعل الذي يقوم به الأنتحاري ؟
وماهو الأساس الذي يعتمده الأنتحاري حينما يقوم بفعله التفجيري ؟
وكيف نستطيع نحن تقييم فعل الأنتحاري ؟
هنالك ثلاثة أجوبة يمكن ان تبين وتوضح لنا الأجوبة التي بحثت عنها الأسئلة أعلاه .
الجواب الاول:
أساس ذاتي.
الجواب الثاني:
أساس موضوعي.
الجواب الثالث:
أساس ناتج من تفاعل الذات والموضوع.
وساشرح هذه المعايير والأسس أدناه :
الأساس الذاتي:
هنا يكون للفعل قيمة ذاتية في نفسه دون النظر الى أثره الخارجي, فالقيمة هنا تخص الفعل نفسه من غير أي اعتبار لما يمكن أن يحدثه هذا الفعل من نتائج وآثار في الواقع الموضوعي , وهذا يعني أن قيمة أي فعل تستمد من صاحب الفعل نفسه وهي تختلف باختلاف الحضارات المتعددة والثقافات المتنوعة بل يختلف باختلاف الافراد أنفسهم وان كانوا ينتمون الى عين الفضاء الثقافي الذي يفكر الأنتحاري تحت أطاره.
أن الأنتحاري هنا لايعبأ بالآثار التي ترافق فعله ولا النتائج التي تتمخض
عنها , فلايعنيه تمزق أجساد الأطفال ولاهتك أعراض النساء ولا تطاير
اشلاء ضحاياه ….
وهو أيضاً لا يرى أي ضرر سايكولجي أو أجتماعي أو أخلاقي في عمليته الأنتحارية مهما كان هنالك ضرر واضح للعيان لكل امرئ حاول تقييم فعله الأنتحاري بصورة محايدة ونزيهة وموضوعية .
فالأنتحاري لايهتم ولاينظر لكل ذلك مادام يعد نفسه وذاته معياراً لكل نظرة اكسيولوجية ( قيمية ) لفعل معين.
هذا النظرة تعتمد على مبدأين:
1. مبدأ اللذة.
2. مبدأ الرغبة.
ولنبدأ بتحليل عميق لكل من المبدأين:
فبالنسبة للمبدأ الاول نجد أن الأنتحاري يجد لذة في فعله_ قبل الفعل
التفجيري طبعاً _ حتى وأن احترق جسده وتمزق قطعاً وأجزاءاً.
أذن القيمة هنا مرتبطة باللذة , وهي نظرية معروفة ومشهورة جداً في الحقل الاكسيولوجي القيمي , تنص على ” ان الفعل الذي يزيد من لذة شخص ما هو شيء قيّم وجيد وعليه الأتيان به وأما الفعل الرديء فهو الذي يسبب للمرئ الماً وعليه تجنبه ” .
ولكن دعنا ننقد هذه النظرية وهذا التبرير الذي يستخدمه الأنتحاري…
عندما يقول الأنتحاري أنه يلتذ بهذا الفعل !
فمن أي ناحية تاتيه اللذة بالضبط ؟
أين يدخل عامل اللذة ؟
اذا كان فعل الأنتحار خير ويزيد من لذة الأنتحاري , فبأي معنى ذلك ؟
من جهة اولى , أن فعل الأنتحار أن كان خيراً للفرد المنتحر _ كما يظن هو ويعتقد _ فان القيمة التي تتواجد في هذا الفعل ترتبط بمعيار ذاتي فردي شخصي منفرد لاينظر الى ماحوله من شبكة أجتماعية يعيش فيها المنتحر قبل فعله الأنتحاري وأثناء ذلك ولا الى الضرر المهول المترتب على ذلك .
ومن جهة ثانية , أذا قلنا_ وفقاً لمبدأ اللذة الأول _ أن المنتحر يشعر بلذة فأننا هنا نستخدم مفهوم اللذة بمعنى واسع فضفاض بحيث لايمكن أن ينطبق عليه مفهوم اللذة الأعتيادي , فالمنتحر لايلتذ بذلك في العالم الواقعي , فهو يتمزق جسده ويتشظى اجزاء ويعاني من الم فوق الأحتمال ولذلك يسقط هنا مفهوم اللذة في فعله الأنتحاري بل حتى لو قيل وزعم البعض أن الأنتحاري يرضى بفعله , وهو قد قَبِل ذلك فهذا لايعني أن هذا القبول هو لذة .
ومن جهة ثالثة نرى أن اللذة لوحدها لايمكن أن تبرر وتسوق فعل أوسلوك ما كما لايمكن أن تكون معيار لفعل شيء ما , فالكثير من اللذات الوقتية تُخفي ورائها مصائب ومشكلات وآلام غير محتملة , ولعل التجارب الشخصية والتاريخية للانسان يمكن ان تؤكد ذلك بصورة لاشك فيها خصوصاً اذا سيطرت اللذة على سلوك الأنسان وغدا لايفكر الا بها وانزاح عقله بعيداً عن أداء واجبه الحقيقي بالنسبة للفرد .
أما بالنسبة للمبدأ الثاني الذي يعتمد عليه الأساس الذاتي , فهو مبدأ الرغبة وهو يعتمد على قاعدة فلسفية تقول: بأن الأشياء القيمة هي الأشياء التي نرغب فيها ونفضلها على غيرها , وفي هذا يقول الفيلسوف سبينوزا ” نحن لانرغب في شيء لأنه قيم , بل أنه قيم لأننا نرغب فيه”.
فالأنتحاري يقوم بتفجير نفسه لأنه يرغب بهذا الفعل سواء كانت هذه الرغبة أو القناعة مبنية ومستندة على أسس عقلية أو على أسس عاطفية , ولكن دعنا نسأل هذا السؤال المهم :
هل مبدأ الرغبة كافي لتبرير الفعل الأنتحاري ؟ وهل يتضمن هذا المبدأ بعض الثغرات والعيوب ؟
وسوف أقوم بتأجيل الجواب عن السؤال الأول حتى أفك قيود السؤال الثاني لأطلاق سراح جوابه الذي سوف يلقي بصيص من النور الكاشف حول كفاية أو عدم كفاية الرغبة لتبرير الفعل الانتحاري !
الا يمكن أن يرغب الأنسان _ أي أنسان _ في شيء معين مع العلم أنه هذا الشيء ضار وغير نافع ؟
الجواب بسيط نعم , فالكثير يشرب الخمر ويتعاطى المخدرات ويشرب السكائر مع مافي هذه الأمور من سلبيات وأضرار صحية على جسد الانسان وعقله أيضاً , بل ربما نقلب الموضوع ونقول الأيمكن أن لايرغب الأنسان بأشياء مع العلم انها جيدة ومفيدة ؟ فالدواء لايرغب فيه المريض ولايريد أن يتناوله مع مافيه فائدة يمكن ان تعود عليه من خلال تناوله وهذا يعني ان في مبدأ الرغبة ثغرات وعيوب كثير لاتسوّغ أو تبرر _ وهذا جواب السؤال الأول _ الفعل الأنتحاري.
بل يمكن النظر للمسألة من وجهة نظر أخرى مهمة تفضي الى عين النتيجة أعلاه حيث نلاحظ ان بعض الفلاسفة يميز بدقة بين الشيء الذي نرغب فيه وبين الشيء المرغوب فيه فهنالك فرق كبير وفجوة سحيقة بين شيء نرغب فيه وشيء مرغوب فيه , فالأول _ اي الشيء الذي نرغب به _ يعني شيء
يرغب فيه شخص بصورة فردية ذاتية شخصية في حين
الثاني_ أي الشيء المرغوب فيه_ هو الشيء الذي يرغب فيه المجموع ويكون محل اتفاق نسبي على الحاجة والرغبة فيه , وهذا الأتفاق نسبي كما أشرت يختلف أستناداً الى تعدد الثقافات والحضارات والبلدان وتنوع العادات والتقاليد وأختلاف الازمنة بل حتى والأفراد انفسهم الذين يعيشون داخل حضارة او ثقافة او بلد واحد !!!
وهذا التمييز بين الشيء الذي نرغب فيه والشيء المرغوب فيه يؤدي بنا مرة أخرى الى رفض تبرير الفعل الانتحاري من حيث اعتبار قيمته مرتبطة بكونه فعل مرغوب فيه من قبل الفرد فقط لا المجتمع , فالفعل الأنتحاري مع نتائجه اللامعقولة المروعة هو فعل غير مرغوب فيه _ بلاشك _ خصوصاً في المجتمع الذي يقع ضحيتها ويحس بأوجاعه ويدرك ماساته كالعراق وباكستان وافغانستان والاردن ومصر والمملكة العربية السعودية.

يتبع….الجزء الثالث…

صحيفة الوطن
مهند حبيب السماوي