الرئيسية » مقالات » لغة سليم بركات حقل كوني مشغول بالشتات الأزلي

لغة سليم بركات حقل كوني مشغول بالشتات الأزلي

خرجت منه فلم يغادرها موطنا , رغم منفاه الجنيني عن رحم جغرافيتها المديدة , مضيا عن بعضهما قطبين منفصلين لقضية مفقودة في ملامح طفولة غائرة , تركته خلفها أسرار غبار يلف موسيسانا من خاصرة تاريخها الهلامي , فلا يقوى على البوح بها لغة مصلوبة بالوراثة , حيث ارتكب الغيب خطيئة أزلية في ذلك المكان توارثها سكانه مرغمين , فنالت ذاكرته البريئة حصتها من الخطيئة لترافقه في ترحاله الأليم صمتا معلق بمصيره المجهول الذي قاده إلى حديقة إغريقية , فجلس في جواز سفره يتأمل حقيقة الأشياء التي عاندته بعريها ,فلول أطياف في مخيلة مهزومة لامسها من قبل في عرس عصفور زاوج أنثاه في سهول ذاكرة مسيجة بالحنين الذي لم يترك له فسحة ليرتاح فيها , غير نافذة مطبخه السويدي ليذهب بأدوات الشواء إلى أعالي القطب يقيم لجليد منفاه حفلة شواء باطني فاحت رائحتها من مسامات لسانه , حبر كردي تجمد رصاصا في قلم يطعن به مصيره الغامض لينزف ذهنه قطرات من حاضره البعيد المفروش في جهات ذاكرته الجغرافية , التي تقشرت تضاريس هويتها عنوة برياح بعيده الحاضر , لتمتد أمامه أطالس العبث مشهد وحشي الخواء ناصعا بفتنة حقيقة مبكرة اجتمعت في عقله صرير حديدي لجندب مليء بمعقول غريب ما زال يسمع صريره من أطراف موسيسانا , ليتلبس عليه كيانه , فرغم تناغمه مع صرير جنادبه لم يعد بمقدوره الكتابة إليها بلغتها التي لا تجيد غيرها , فقد استوطنت لسانه لغات أخرى أزاحت لغة الجنادب إلى أطراف قصية من جهات كيانه وجد نفسه منفيا فيها , أثقله التجوال اتعب دواخله, فاستعان بالرحيل ليروض منفاه القديم , ولكن أينما ذهب كانت( دينوكا بريفا) تسبقه إليه تتجلى أمامه عجينة آدمية غير مفهومة يتفاعل فيها المعقول باللامعقول , ليعود إليه طغيان منفاه الداخلي كوكب وحيد لم يطلب منه تأشيرة دخول ولم يسأله عن هوية , فأختار الإقامة الأبدية في كوكب ذاته, لينهي مشاكله المزمنة مع الزمان والمكان , هناك التقط أنفاسه (ليفجر روحه بألف لغة ) ولم يشبع بعد من تفجير اللغات .
سليم بركات س . ب حقل كوني مشغول بالشتات الأزلي , دلالات مبعثرة بعناية هندسية عميقة المعاني , إخطبوط لغوي خفي يمد اذرعه إلى مدن فاضلة مشيدة في أكاذيب حلمنا البشري ليحيلها إلى ركام تحت غياهب بحر راكد في ذواتنا التي ألقيت فيها من شوائب الوجود ما يكفي لتسميم حراشف أرواحنا التي طافت ميتة على ظهر موجة نخاف النظر إليها , فيأتي س . ب ويرفع الحطام ليعيد تكوين الحقيقة ويلقي بها في أحضاننا مدنية مرعبة شيدوها من بقايا هياكل أرواحنا , سمكة مملحة تحاصرك تدوينا وسمعا وبصرا تجبرك على الاعتراف للنص الذي أمامك بأنك تقرأ نفسك .
س . ب مهندس اللامعقول باللغة يبني المشهد الأصعب قوالب عجائبية يصب فيها جبلة حواسه الستة ليقيم أعمدة عضوية تنتصب نصوصا في زخم المذهول ترفع جسرا يربط بين قطبين منفيين عن بعضهما يصعب المرور عليه , لم يجرأ احدنا يوما إن يجرب السير خشية سقوط قارورة ذواتنا الهشة فتندلق منها الخدعة التي اعتقدنا أنها تحفظ عبق النعناع البري الذي ينعش وجودنا الكاذب رغم يقيننا إن الجسر قائم بين اضلعنا , س . ب وسواس يمس هويتك يمسك بالجانب الخفي للأشياء ويضعها بين يديك وليمة متبلة بثقافة مجرة نائية نجومها تسبح في دواخلك التي لم تستطع ارتياد فضاءاتها يوما , تراث منفي مندثر في وجودنا الصوري ينقحه س . ب بحنينه الأبدي إلى المجهول يلتقط تكويناته العصية على الوصف ليسرده صور موغلة في التخيل تشع بالغرائب لتربك ضفادع مستنقعات وعينا الضحلة الآيلة إلى التجفاف , حيث يحتضر العقل على حواف فكرة تشققت ذاكرتها وهي تنزف أطياف الشمال , الأطفال صيادي القنافذ ممن رضعوا الأسى من أثداء أمهات تشققت أقدامهن كدحا وهن يمشطن البراري بحثا عن عويشبات قنيبرqinêber و كويرزgwîriz و توليكtolik مأكولات أسطورية لأمة نامت القنافذ في أحشائها فجاءت زمرة دمها شوكيه .
دم يجري في أوردة الشماليين ويصب في مخيلة هواء شتته القلق من مفاهيم مطبوخة سلفا أراد س . ب إعادة صياغتها على صورتها الحقيقة ليعطينا فرصة كي نضيع في تأويلات علم المجهول الذي فجره بركانا لغويا أطاح بعروش شيوخ مذاهب البلاغة, ليسموا بالعربية إلى فضاء بلا حدود وهو يتسلق سلالم نصوصه الحلزونية يصعد في بواطننا ويقتحم العوالم المفقودة فينا ليقول لنا هاكم ما كنتم تخافون النظر إليه عاريا أضعه بين أياديكم , مشاهد لا مرئية نفهمها ولا نستطيع قراءتها وان استطعنا القراءة يعز علينا الفهم , حسابات نسبية لتفاصيل ما ورائيات الأشياء تزيل الفواصل بين التوهم والحقائق , لنشاهد خلاصة الاكتواء يصبها س . ب صور كتابية أو كتابة لغوية في ذواتنا , يجتاز بها عقدة اختلاف الألسن ليثبت بالأضداد لغة انتمائه , وما كانت الخطوط يوما تصنع هوية بل الفكر نهر يجري في أي مجرى والعبرة إن يصب في الهوية , س . ب سد عظيم ادخر خلفه كنوز اللغة العربية ليسقي بها هويته الكردية العطشى , فامتطى صهوة التدوين يكتب فكرا وليس لغة , معلنا التحدي فإذا به يبني مذهب إمبراطوري للبلاغة العربية يروض بحورها وصحاريها سفينة لهويته الجريحة ( باللغة انتصرت على الهوية , قلت للكردي باللغة انتقمت من الغياب ) نعم حاولوا تغييب ملته ولكنه بلغتهم سجل حضور هذه الملة, فأحسن الانتقام , حين انتزعوا لغته من لسانه قبل سن الفطام والقوا بها مشردة خارج خيمة التدوين , ليبنوا على لسانه مستوطنات لغتهم قسرا , فغابت لغته في جهات طفولته القصية , كلما حنت إليه تتسلل خلسة إلى روحه وعقله ومخيلته فترضعه فكرا وذاكرة ما يكفي إبقاءه في جغرافية موسيسانا حيث هناك روحه تخط على عقله أبجدية مطمورة في الهواء , هيولى لم يسمحوا لها بالاستواء في اهليلج إلهامه , المنفى يلح عليه إن يكتب فاستعان بذات الجحيم, سديم لغة أخرى, ثقب كوني اسود, بُعد مطلق, ماذا يكتب غير مجهول الأشياء فقبض على العربية يعيد خلقها, يشكل بها شعاب نصوصه المرجانية , التي تأخذك شغفا وتأسرك دهشة فلا تحسن الرجوع إلى نفسك كيف لا وقد صرت جملة عضوية في النص يسوقك موجه كما يشتهي ويترك لك حرية التذوق , إن قرأت الكلمة فهي عربية صنعتها عجيبة وان قرأت الفكرة فهي كردية بديعة , وليمة من أحرف الخيال عامرة بفلفل التدوين , جمل فكرية من الزنجبيل , سرد ما ورائي بنكهة الكاري والسماق , يتخطى مذاق اللسان لينعطف جهة الروح , س . ب مدرسة مبتكرة في فن التدوين يكتب ما يكتب بلغة الذهن وينسى حدود اللسان همه إن ينطق نصه هموم الهوية بحبرهم أدانهم بحبرهم انتصر عليهم بحبرهم أعاد الاعتبار لعقله والعقل هوية ( الأكراد ملتصقون بجغرافية ذاكرتي فكيف لا يكونون أبطال نصوصي التي اكتبها بالعربية ) هيولى الألم تحدد هوية المكان وترابه وناسه .. حيث المرارة مطبوعة على كل التقاسيم المألوفة في ذهن س . ب لتبقى الحقائق نسبية حين يحفرها مسماره الذهني نقشا يدون سيرة الأشياء التي لم نفهم أبجديات وجودها.