الرئيسية » مقالات » من وحي التاسع من نيسان 2008: يتبرؤون من المحاصصة ويكرسونها

من وحي التاسع من نيسان 2008: يتبرؤون من المحاصصة ويكرسونها

حدد المجلس السياسي للأمن الوطني في البيان الصحفي الصادر يوم الخامس من نيسان، خمس عشرة نقطة لمعالجة تداعيات المواجهات الدامية مع مسلحي جيش المهدي التي بدأت في الأسبوع الأخير من شهر آذار الماضي. النقاط الواردة في البيان سَمّت بعضا من المعضلات التي ظلت تعصف بالبلد، رغم مرور خمس سنوات على سقوط بغداد والدكتاتور السابق، دون أن تسمي ظاهرة المحاصصة الممتدة من رئاسة الجمهورية لغاية موزع البريد في دوائر الدولة.

فبعد أن يدعو البيان إلى اعتماد خطاب سياسي عقلاني، والوقوف إلى جانب الحكومة في تصديها للميليشيات والخارجين عن القانون، وبراءة القوى السياسية من الأنشطة التخريبية واستهداف أفراد الأجهزة الحكومية، دعت الفقرة الرابعة منه “كافة الأحزاب والكيانات السياسية بحل ميليشياتها فورا وتسليم أسلحتها للدولة والتحول إلى النشاط المدني السلمي كشرط للاشتراك في العملية السياسية والانتخابات.” وهنا تطرح موضوعة الواقعية والإمكانية في تنفيذ دعوة حل هذه الميلشيات فورا و تسليم أسلحتها!، علما أن بعضها قد تلبس لبوس القوى الأمنية المختلفة. إن تلك الدعوة طالما نادت بها قوى وشخصيات وطنية منذ الظهور والنشاط العلني لهذه الميليشيات صيف العام 2003، إلا أنها قوبلت بالمناورة والرفض، وظلت تلك الميليشيات تحظى بدعم وتمويل قادة الكتل السياسية وتحت مسميات وواجهات مدنية عديدة، كما ترافق الرفض بمبررات استمرار وجودها ابتداء من”الدفاع” عن المواطنين بسبب غياب أجهزة الدولة الأمنية و أخيرا مبرر مقاومة المحتل.

مواجهات البصرة الأخيرة أكدت ما جرى خلال مواجهات أخرى في محافظات وأوقات مختلفة، من أن الولاء الفئوي والطائفي لدى نسبة مهمة من منتسبي المؤسسات الأمنية يعلو على الولاء للوطن، وهذا ما يفسر دواعي إهابة التشكيلات الطائفية إلى انتساب جماعي لمنتسبيها وبتزكية منها لهذه المؤسسات، تدبيرا منها لضمان استمرار ولاء أفراد هذه المؤسسات لها، لذلك جاءت الفقرة السابعة من البيان الصحفي داعية إلى ” أعادة النظر بتأهيل وإصلاح القوات المسلحة و الأجهزة الأمنية.” وهذا العيب الكبير في عملية بناء القوات الأمنية مرده أيضا إلى اعتماد نهج المحاصصة الطائفي والفئوي حتى عند تشكيل تلك القوات.

أما الفقرة الثامنة من البيان فدعت ” إلى إعادة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية على أسس صحيحة متفق عليها وطنيا وحث الكيانات السياسية المنسحبة على اختلافها على إعادة النظر بموقفها في العودة العاجلة للحكومة.” و المجلس هنا يتغاضى عن كون مبدأ المحاصصة الطائفية والقومية الذي اعتمد منهجا لاقتسام السلطة وبناء الدولة ” الديمقراطية”، كان من أهم أسباب شلل العملية السياسية وتواصل الصراع بين الكتل وفيما بين أطرافها، بما فيه الصراع المسلح الدامي. وهذا المبدأ هو من شجع التدخل الخارجي السافر دعما لهذا الطرف أو ذاك. ثم ما معيار صحة هذه الأسس التي سيتم اعتمادها عند تشكيل حكومة الوحدة الوطنية؟.

البيان يختتم بفقرة أخيرة تضمنت ” دعوة قادة الكتل السياسية لحضور جلسات مجلس النواب”، ترى من سيستجيب لهذه الدعوة بعد أن صارت الصراعات و الصفقات السياسية فقط بين قادة هذه الكتل ذوي الأهداف الطائفية والقومية، بديلا عن الصراع السياسي الطبيعي تحت قبة مجلس النواب؟.

المجلس السياسي للأمن الوطني وفي غمرة اشتداد الصراع ضد الميليشيات المسلحة، لم يستغل فرصة مناسبة الذكرى الخامسة للتاسع من نيسان، لمراجعة ودراسة العبر من تكريس مبدأ المحاصصة، مبدأ تغلبت وتفاقمت بموجبه المصالح الأنانية الضيقة المدعومة بالأجندات الخارجية، في الوقت الذي تتزايد فيه قناعة أعضاء المجلس، بأن استمرار بقاء حكومة عراقية ضعيفة، يتنازعها الصراع الطائفي والقومي، هو ما تنشده القوى الإقليمية المحيطة بالعراق وكذلك الولايات المتحدة، مما يسهل على تلك الأطراف فرض أجندتها الخاصة وتحقيق مصالحها، التي لا يربطها جامع بمصالح الشعب العراقي، ولا تعنيها معاناته المريرة إبان العهد الدكتاتوري السابق وبعد خمس سنوات على زواله.