الرئيسية » مقالات » التاسع من نيسان عيد العراقيين الثالث –

التاسع من نيسان عيد العراقيين الثالث –

لقد مرّ الامام علي بن ابي طالب عليه السلام مع ثلة من اصحابه امام كنيسة للنصارى في احدى الايام وقد قال احد هؤلاء الاصحاب وهو يشير بيده الى الكنيسة “بيتٌ كم اُشرك بالله فيه” فرد الامام قائلاً “بل قل بيتٌ كم عُبد الله فيه” .. بهذا الجواب جسّد علي بن ابي طالب قمة التوازن بين الانا والآخر المختلف عقيدياً او فكرياً بحيث بيّن لصاحبه بان ما تراه شركاً يراه غيرك عبادة وما تراه انت عبادة يراه غيرك ربما شركاً. وهو النفس الذي يحفظ للامة توازنها ووسطيتها حيث لا مغالاة ولا تطرّف في العقيدة التي بلاشك تؤدي الى العنف، فضلاً عن حكمة قيّمة مؤداها بانه لا شيء في العالم ابيضاً خالصاً او اسوداً خالصاً لان المسألة اولاً واخيراً مسألة نسبية تتبع نظرية الشخص نفسه ورؤيته للاشياء بمنظاره الشخصي، ذلك المنظار الذي قد يكون دينياً او طائفياً او فكرياً او …. الخ.

الى هذه الحكمة ربما استند عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي حينما قال بان الحقيقة اشبه بتمثال ذي نصفين، الاول لونه ابيض والآخر اسود حسبما يراها الناس ووفقاً لزاوية نظرهم.

على العموم كانت هذه مقدّمة بسيطة لمعرفة ان يوم التاسع من نيسان (يوم سقوط صنم العوجة صدام) ليست حقيقة ثابتة ومطلقة لكل العراقيين بل هي نسبية شأنها شأن الحقائق الاخرى التي يختلف عليها الناس تبعاً لما يفكرون به او ما قد يحصلون عليه من مكاسب بل ربما ما يخسروه من مصالح واشياء اخرى ذات قيمة، بالنتيجة تكون النظرة لهذا اليوم مختلفة كذلك .. فعلى سبيل المثال، شهد هذا اليوم سقوط النظام البعثي في العراق على يد القوات الامريكية عام 2003 وهو بلا شك اعظم انجاز وارقى محصلة تنتهي لها الامور في بلد استبيحت فيه كل المقدسات والاعراض على يد زمرة التخلف والعبثية الصدامية، فكان بحق عيداً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى بجانب العيدين الآخرين بالنسبة لاغلب العراقيين المضطهدين من ذلك النظام والمتضررين من سياساته رغم ان الحزن يعتريهم بسبب وقوع البلد تحت الاحتلال الاجنبي. اما من زاوية نظر البعض الآخر فكان اتعس يوم يشهده تاريخ العراق على الاطلاق لان هذا البعض قد خسر مكاسبه ومصالحه وامور اخرى كانت ضرورية لاستعباد الآخرين تحت شعارات القومية وحماية البوابة الشرقية للوطن العربي وغيرها من لافتات الفشل والضحك على الذقون.

على الرغم من التغيير الذي حصل في العراق يوم التاسع من نيسان 2003 وهو بلا شك تغيير جوهري وكبير انتقل فيه الحكم والسلطة من الاعوجاج الصدامي الى الاعتدال العراقي بكل اطيافه من خلال النظام الديمقراطي الانتخابي المُشرعن في دستور البلد الدائم وقوانينه، الا ان حجم الدمار والعنف والتخريب كان قد بلغ الذروة ووصل الى حد لم يعد باستطاعة احد تحمّله، فقد شهدت البلاد حرباً شبه اهلية انجرف فيها الطائفيون المختلون من كلا الطائفتين وللاسف الشديد، وهجّروا بعضهم البعض لا لشيء الاّ لانهم لا يرغبون بالآخر ان يعيش بينهم كما كان في السابق .. فكانوا بحق خير ادوات لتنفيذ اجندات الدول المجاورة التي ليس لها هم سوى تخريب البلد وتهديم ما وصلت اليه العملية السياسية تجنبّاً لما قد يحمله القدر الامريكي لبلدانهم في القريب العاجل.

لكن .. في النهاية لا يصح الاّ الصحيح، فقد احسّ العراقيون جميعاً بمن فيهم هؤلاء الذين انجرفوا في اعمال العنف بان البلد لا يُبنى الا بسواعد ابناءه جميعهم وان العنف والقتل لا ينتج الاّ المزيد من العنف والقتل. لذا لابد ان يُعاد النظر في ما انتجه العنف من تخريب ودمار لكل شيء جميل في العراق وان يُصار الامر الى التحاور والتفاوض والمصالحة لانها هي من سيخرج البلاد من عنق الزجاجة ويؤسس لمرحلة جديدة مغايرة تماماً للمرحلة السابقة المشؤومة.

كي يكون التاسع من نيسان عيداً حقيقياً لكل العراقيين، يجب على المؤمنين بالوضع العراقي الجديد واقصد بهم المتحمّسين للتغيير مراعاة احاسيس المتضررين من هذا اليوم ولا اعني بهم البعثيين والصداميين اطلاقاً فهؤلاء لا يستحقون اي تعاطف ابداً، بل اعني الذين رفضوا التغيير بدوافع طائفية وقومية للاسف الشديد او الذين فقدوا اعزاء لهم في الحرب الاخيرة واحداث العنف التي تلتها .. لان من فقد عزيزاً في هذه الفترة له كل الحق ان يكره التغيير ويكون متشائماً من تبعاته بل شاتماً لكل محطاته واحداثه لدرجة يصعب التفريق معها بينه وبين اي صدامي ٍ آخر .. بالمقابل يجب على هؤلاء ايضاً ان يُراعوا ويُحسّوا بما حصل لاخوانهم الآخرين وما لحق بهم من ظلم في السابق اي في ظل نظام صدام المجرم كي يستطيعوا سوية ً تجاوز الصعاب وتأسيس دولة ٍ يكون فيها الجميع لا طالباً ولا مطلوب. فالعيد هو عيد سقوط البعث وليس عيد الاحتلال كما سيتّهمني به بعض المخرفّين بالتأكيد ويُهرّج ليُسمّيني مؤيداً للاحتلال.

سليم سوزه