الرئيسية » مقالات » سلسلة مقالات: هل يقرأون ما نكتب؟ وهل يفهمون ماذا نُريد

سلسلة مقالات: هل يقرأون ما نكتب؟ وهل يفهمون ماذا نُريد

عندما يكون هنالك قبول مبدئي بوجود أقاليم تتمتع بإدارات ذاتية ضمن العراق الفدرالي الموحد، فلابد لنا أن نناقش بشيءٍ من التمعّن اقتصاديات هذه الأقاليم، وعلاقتها بالتخطيط الحضري والإقليمي وبالعلوم الأخرى، كعلم الاقتصاد، والنظرية الاقتصادية، وعلاقتها بالجغرافية، واستناداً إلى عنوان هذا المقال فإنني سأحاول أن أخوض في موضوع التخطيط الحضري والإقليمي وعلاقته باقتصاديات الأقاليم، وما هي التوجهات السليمة التي يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار، والتي قد تغيب عن بال بعض أصحاب القرار في العراق حالياً… خاصةً بعد الجدل الطويل الذي أُثير عن الميزانية المقسّمة إلى نسب 17 %،
و 83 % … وحيث انطلقت التساؤلات عمّا تم تنفيذه في المناطق التي كان يجب أن تتمتع بنسبة 83 % .. خاصةً وأننا نسمع عن واردات حصل عليها العراق في السنتين الأخيرتين، بلغت 200 مليار دولار! .. وليكن .. ولكننا دعنا نبدأ بشكلٍ عقلاني من جديد..
لاشك وأن عملية ترشيد الهيكل الاقتصادي للأقاليم، ترتبط بنمو علاقات الإنتاج الرأسية والأفقية، حيث أن علاقات الإنتاج الرأسية تتم على مستوى فروع النشاط المختلفة، وتعمل على تحديد التوزيع النسبي للمواد الخام (ومنها النفط)، والطاقة، وعمليات التصنيع والإنتاج ذاتها والعلاقات الفنية والتكنولوجية على فروع الإنتاج المختلفة. أما علاقات الإنتاج الأفقية، فهي تعطي الصورة الواضحة لملامح النشاط الاقتصادي إقليمياً من حيث تقسيم العمل، والتخصص الإقليمي والعلاقات التبادلية بين الأقاليم على مستوى الدولة ككل. وهي تعكس في الواقع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الأقاليم ومستوياته الأخرى مثل المحافظات أو البلديات والفرع البلدي والحي والقرية وما شابه ذلك، أو أنه تقسيمات أفقية أخرى يمكن أن تؤدي القطاعات الاقتصادية عليها دورها.
ويُساهم فهم اقتصاديات الأقاليم في رفع الاقتصاد الوطني، من خلال ترشيد استخدام الموارد الوطنية (موارد الدولة ككل). فكلما كان التنظيم الجذري مُرشّد، كلما مكّن ذلك من تحقيق أهداف التنمية على المستوى الوطني، بصورة أكثر كفاءة وفعالية. وهذا سيؤدي إلى ترشيد الهيكل الحيزي للأقاليم، الذي يعمل بدوره على اتساق اتجاهات التنمية مع أهدافها لكل وحدة إقليمية وللمجتمع ككل. من خلال التنسيق بين القطاعات الإنتاجية والخدمية بين مختلف الأقاليم (وليس على أساس التخطيط المنعزل والمتفرد للأقاليم). وذلك للعمل على تضييق الفجوة في مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بين الأقاليم، إضافةً إلى المحافظة على البيئة التي تمثّل إحدى الأهداف الرئيسية للاهتمام باقتصاديات الأقاليم.
إن التنسيق المطلوب يؤدي إلى تحقيق توازن في النمو الاقتصادي والاجتماعي ضمن الحيز الجغرافي، مع الأخذ في الاعتبار التوزيع الإقليمي للنشاطات الإنتاجية والخدمية الذي عن طريقه يمكن تحقيق الظروف المُثلى لنمو الاقتصاد الوطني.
إن فكرة التخطيط الإقليمي أو تخطيط الأقاليم جاءت كاستجابة مباشرة لمبررات موضوعية استدعت الاهتمام بهذا النوع من التخطيط، وكوسيلة لحل العديد من المشاكل التي رافقت الصناعة في مختلف مناطق العالم، وخاصةً بعد قيام الثورة الصناعية. حيث يُلاحظ أن من بين أبرز نتائج هذه الثورة اتساع الفجوة بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية. فارتفاع معدلات التصنيع ساهم في خلق المدن الجديدة وتضخم حجم المدن القائمة. إضافةً إلى أن التقدم الصناعي واستخدام التكنولوجيا الحديثة أثّر في رفع الاجور ومستويات الدخول للعاملين في هذا النشاط قياساً بغيره من الأنشطة وخاصةً الأولية منها كالزراعة والرعي وغيرها. كل ذلك أدّى إلى خلق حالة من الازدواجية في الاقتصاد Duel Economy حيث يتواجد نشاط متقدم يتركّز في مناطق حضرية محددة ونشاط يتسم بالتخلف وانخفاض مستوى العائدات للعاملين فيه وهو ينتشر في المناطق الريفية.
فضلاً عن أن التركيز على آلية السوق أدّى إلى خلق ظروف معينة ساهمت في التأثير سلباً على عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وخاصةً ارتفاع معدل الكلفة للمشاريع التي تُقام في بعض المناطق وخاصةً تلك التي يصل مستوى تركز الأنشطة الاقتصادية فيها إلى درجات عالية. وبالمقابل وجود مناطق تتصف بالتبعثر السكاني الشديد مما ينتج عنه كذلك ارتفاع في معدلات تكاليف تطوير هذه المناطق. علاوةً على أن البيئة الجغرافية غير المتوازية والتي تنشأ بسبب حالات الاعتماد الكلي على آلية السوق تؤدي إلى خلق ظروف أخرى مثل زيادة معدلات التلوث والاختناقات في شبكات البناء التحتي والخدمات والتي من شأنها خلق ظروف غير مناسبة لجهود التنمية في مثل هذه المناطق.
لذلك ظهر الاهتمام بهذا النوع من التخطيط في معظم الدول باختلاف أنظمتها السياسية والاقتصادية سواءٌ كانت رأسمالية أو اشتراكية بغض النظر عن المرحلة الإنمائية التي تمر بها سواءٌ كانت متقدمة أو نامية، وفي كثيرٍ من دول العالم وخاصةً في دول اقتصاديات السوق Free Market Economy يكون التخطيط الإقليمي أكثر وضوحاً وإلزاماً من أنواع التخطيط الأخرى كالتخطيط الاقتصادي والاجتماعي على المستوى الوطني، حيث يتخذ أشكالاً عديدة كالتخطيط التأشيري أو التوجيهي الذي يتميّز بضعف الإلزام فيه. في حين أن التخطيط الإقليمي يتضمن سياسات ملزمة التنفيذ وخاصةً مجال استعمالات الأرض Land uses. إن ضرورة التخطيط الإقليمي يمكن أن تفهم من خلال حقيقة كون تجارب معظم الدول في مجال التنمية أظهرت بأن الركون إلى آلية السوق يؤدي إلى خلق اختلالات وحالة من اللاتوازن Imbalance في البنية الجغرافية تعمل على زيادة تركيز معدلات التنمية في مناطق محدودة، في حين أن المناطق الأخرى تكون في مستويات تنمية أقل من المناطق السابقة. وبمرور الزمن تزداد الفجوة في مستويات التنمية بين المناطق المتقدمة والأقل نمواً ضمن الدولة الواحدة. وهذا مما دفع واضعي سياسات التنمية Dicission makers إلى ضرورة الأخذ بمبدأ التخطيط الإقليمي لمعالجة مثل هذه المشاكل. حيث يركّز التخطيط الإقليمي على تنمية الأقاليم الريفية والمتخلفة على اعتبار أن حل مشاكل هذه المناطق يساهم في حل مشاكل المناطق الحضرية الناجمة عن ارتفاع معدلات الهجرة وعدم استيعاب المدن لها. بالإضافة إلى أن تنمية الأقاليم المتخلفة تعني إمكانية استغلال الموارد المحلية سواءٌ كانت بشرية أو مادية وخلق أنشطة اقتصادية جديدة. وعلى هذا الأساس ازداد الاهتمام بالتخطيط الإقليمي وخاصةً منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أنشئت المؤسسات العلمية الأكاديمية المتخصصة في حقل التخطيط الإقليمي والتي ساهمت في تطوير وإغناء هذا الأسلوب من التخطيط. كما تمّ إنشاء المؤسسات التخطيطية التي تضطلع بمهمة التخطيط الإقليمي ضمن أجهزة التخطيط المركزية وأجهزة الدولة الأخرى.
يُلاحظ على التخطيط الاقتصادي والاجتماعي على المستوى الوطني أنه يهتم بوضع السياسات والتنظيمات الخاصة بتسيير النشاط الاقتصادي لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية مرسومة للمجتمع مستقبلاً للوصول به إلى حالة مثلى. لكن التخطيط الاقتصادي وكما هو واضح لا يأخذ في اعتباره عنصر المكان، بل يتم فيه التركيز على النشاط الاقتصادي ضمن عنصر الزمن، وحيث أن عملية التنمية تتم في زمنٍ معين وعلى مكانٍ معين ومحدد، فإن تجاهل التخطيط الاقتصادي لعنصر المكان يؤدي بلا شك إلى قصورٍ في تحقيق أهداف المجتمع. فالتخطيط الاقتصادي كان ولا يزال يعطي اهتماماً هامشياً للبعد المكاني عند إعداد الخطط أو تنفيذها. وبالرغم من أن خطط التنمية الاقتصادية التي تعدها أجهزة التخطيط المركزية تتضمن بالضرورة مشاريع تقع ضمن الأقاليم أو البلديات والتي تساهم في تطوير اقتصادياتها وبالتالي تنمية اقتصاد الدولة، إلا أن التركيز ينصب في هذه الحالة عموماً نحو تحقيق الكفاءة الاقتصادية وتطوير القطاعات الاقتصادية أكثر من التأكيد نحو تطوير اقتصاديات الأقاليم. وبتعبيرٍ آخر يركّز المخطط القطاعي على تنظيم نواتج القطاعات والناتج المحلي والإجمالي، بينما يهتم التخطيط الإقليمي بزيادة كفاءة اقتصاديات الأقاليم والعمل على تقليل التباين في مستويات التنمية بين الأقاليم.
وبالرغم مما ذكرناه فإن هذا الموضوع يحتاج إلى تعمقٍ أكثر واستفاضة في البحث.. وأن معالجة الأهداف الإنمائية المكانية (ذات الطابع الجغرافي) وتحويلها إلى مؤشرات كمية أو برامج قابلة للتنفيذ تتطلب جهوداً كبيرة، ولفترة طويلة نسبياً، على أن تستند على أسس علمية سليمة تأخذ بالاعتبار المعايير الذاتية للمجتمع، وعدم الاعتماد على آلية السوق لوحدها.