الرئيسية » مقالات » سقوط الدكتاتورية البعثية سقوط للفكر القومي الفاشي

سقوط الدكتاتورية البعثية سقوط للفكر القومي الفاشي

لم يكن يوم 9 نيسان 2003 يوما عاديا في تاريخ العراق الحديث، ولا تحول بسيط وفق نظرية الحتمية التاريخية ، فقد كان يوما سيسجل على مدى التاريخ عملية إسقاط الفكر الرجعي الفاشي القومي المدعوم بديماغوجية الماكنة الإعلامية العالمية والعروبية المدفوعة الثمن التي كانت تروج لفكر فاشي عنصري دكتاتوري تمثل في مقولة البعث التي تتصدر نظامه الداخلي وتعلن عن فاشيته بصورة واضحة عندما تقول ( حركة قوميـة شعبية انقلابية تناضل في سبيل الوحدة العربية والحرية والاشتراكية ) ، والتي لم تتوضح أهدافه التي كانت عبارة عن كلمات ضبابية ساهمت في تشتيت العرب والاحتراب فيما بينهم كون أزمة الحزب الداخلية تتمثل في عدم فهم واضح لقيادته نفسها لما سطرته من عبارات مبهمة وغير واضحة لذا قال مؤسسه ميشيل عفلق ( إن حزبنا رسالة لا سياسة ) ، ثم يعود ليعبر عن تشتت فكره وضياعه بقوله ( إن المأساة التي يعيشها حزبنا في السنوات الأخيرة، هي ذاتها المأساة الشخصية التي أعيشها أنا ) . بينما يقول احد مؤسسيه وهو صلاح الدين البيطار (حزبنا، يمكن أن نسميه دعوة، أكثر من أن نسميه حزباً. دعوة قائمة على التوحيد القومي، وعلى محاربة كل ما يعرقله ) . لذا عاش فكر البعث مشتتا لا اتفاق لبرنامج معين ثابت له فكلا البرنامجين مختلفين في شطري البعث السوري والعراقي ، والذي يعبر عن تشتت قادته وعدم اتفاقهم . فقد تحول تاريخ حزب البعث لتاريخ شخصي بحت يتعلق بتاريخ شخوص قادته في كل من طرفيه ولم تظهر أية بادرة لوحدته كحزب فكيف يقود ( الأمة العربية ) لوحدة شاملة كما تقول أدبياته ؟! . ولعبت الوصاية الشخصية لقادة البعث على الحزب دورا كبيرا في تشتيت قادته والتنافس فيما بينهم ووصل الأمر لحد التصفيات الجسدية كما حصل في طرفي البعث ، ففي سوريا طرد حافظ الأسد ( قيادات الحزب التاريخية ) ولاحقها فالتجأت للطرف العراقي وبضمنهم ( قائدهم المؤسس ) لاجئة ذليلة تأتمر بأمر الوصي الآخر على الحزب صدام حسين . وفي العراق تخلص صدام نفسه من قيادة الحزب بحركة انقلابية بسيطة وأعدمهم بأيدي ( رفاقهم ) ليتعظ الآخرون ويسيروا على الصراط المستقيم مؤمنين بزعامة ( القائد الضرورة) من دون منازع .

ولم تكن شعارات الحزب التي طرحها في الوحدة والحرية والاشتراكية إلا صدى لشعارات الاشتراكيين القوميين الأوربيين التي نادوا بها واقتبسها منهم ميشيل عفلق ولم تكن عصارة فكر فلاسفة عرب بل كان كتاب نضال البعث الذي اعتبره البعثيون ( توراة البعث ) هو عبارة عن خطب غير متجانسة ولا متناسقة ولم تكن سوى هذيان محموم اسمه ميشيل عفلق نقلها حرفيا عن تعاليم الديكتاتور الإيطالي الفاشي ( بنيتو موسوليني ) . ودأب قادة حزب البعث لا يؤمنون بأي بطولة للحزب سوى ببطولة قادتهم فكل قائد حاول أن يفصل الحزب على مقاسه ، ويعتبر بطولته هي بطولة الحزب ومقولة صدام حسين لا تزل غير غائبة عن الجميع عندما يقول مهمشا شعب كامل ومغيبا له وليس حزب البعث فقط ( إذا قال صدام قال العراق ) .

ولم يكن الخطأ في حزب البعث الفاشي نفسه بقدر وجود تراث تاريخي عربي إسلامي يمجد القتلة والمجرمين ويساوي بينهم وبين قاتليهم في معظم الأحيان وفق مقولة فقهية مخطوءة تقول بأن ( القاتل والمقتول من المسلمين في الجنة وكل يثاب حسب عمله ) . وهو ما دعي العروبيون لتمجيد طغاة ومجرمين على مر التاريخ ، حتى وصول حزب البعث للسلطة في العراق وتفرده بكل شئ حتى وصل الأمر لتفرد عائلة واحدة على مقاليد أمور بلد بأكمله من شماله لجنوبه ، ثم تقلص الأمر ليتفرد شخص واحد هو صدام حسين بنفسه فقط وأصبح هو الحزب والدولة من دون منازع ، وهي علة ووجود الفكر القومي الفاشي الذي قاد أمم للخراب والدمار كما حصل في الأمة الألمانية التي قادتها الشرور النازية وقيادة الفرد ( الفوهرر ) أي ( القائد ) لمآسي لا تزال البشرية تعاني منها لحد الآن .

لذا يعتبر سقوط حكم البعث في العراق يوم 9 نيسان 2003 ما هو إلا سقوط للفكر القومي الشوفيني الشمولي الذي أدى لتخريب القيم والأخلاق والعرف الاجتماعي لأرض أولى الحضارات البشرية علاوة على تخريب الاقتصاد والزراعة والصناعة وإعادة العراق لسنوات عديدة من التخلف الحضاري والصناعي والزراعي والاقتصادي . والتخلف والتحجر سمة فاشية قومية ثابتة لحاملي الفكر القومي الفاشي الذين يضعون شعوبهم داخل بوتقة لصهرهم وفق مفاهيمهم الشوفينية الخاصة بها ليتقولبوا وفق عقلية القائد ونظرياته في الحكم . وقد طبق البعث نفس المفهوم في تعامله مع شعب الحضارات وقولبه وفق أهواءه ونظريته في الهيمنة على الشعوب وتسييرها وفق مشيئته وضمن فرضيته التي يؤمن بها لذلك ردد البعث مقولة ( إذا قال صدام قال العراق ) ، ومقولة ( كل العراقيين بعثيين وإن لم ينتموا ) ، فالفكر هو فكر انقلابي يجب الانتماء إليه بالإكراه رضي الشعب أم لم يرضوا به وفق نظرية الحاكم كون الشعب رعيته وليسوا مواطنين عاديين لهم رأيهم وحقوقهم .

والمشكلة الكبرى في تسيد حكام طغاة على البلدان العربية والإسلامية هو الفكر الانتقائي الرجعي المنقول عن وعاظ السلاطين الذين سطروا مقولاتهم وتجنوا حتى على رسول رب العالمين ملصقين كل شائبة باسمه مما مكن أولئك الحكام بالاستفادة من تلك النصوص المدبجة وفق مشيئة السلطان وتجييرها للحاكم الفرد في العصر الحالي وهاكم مقولة تنقل عن عبد الله بن عمر بن الخطاب انه قال : (إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر و عليك الشكر ، و إذا كان الإمام جائراً فله الوِزر و عليك الصبر ) . أو كقولهم (إمام عادل خير من مطر وابل. و إمام غشوم خير من فتنة تدوم ) . وهو ما شجع الحكام على التفرد والتسلط والتقتيل والتدمير بطرق لا إنسانية بشعة ومنهم حكام البعث المنهار في العراق الذين لم يتركوا جريمة إلا واقترفوها . واستمد قادة البعث أيضا من قادة تاريخيين َمجدَهمْ وعاظ السلاطين تاريخهم شخوصا تقمصوها في حروبهم العبثية كحرب البعث الكارثية ضد الجارة إيران باسم القادسية الأولى وتقمص القائد الفاشي شخصية وهمية فكان تارة هو سعد بن أبي وقاص وأخرى القعقاع وهكذا ، واحتلال الكويت وتحرير فلسطين منها كما كان هدفه الأول في تحرير فلسطين من مدينة خرمشهر الإيرانية ، وحربهم في الداخل على الشعب العراقي وما قاموا به من مجازر بشرية جماعية أبادوا فيها الآفا مؤلفة من العراقيين كمجازر هلبچه والأنفال والاهوار وجنوب العراق وقمع انتفاضة الشعب العراقي بكل خسة ووحشية دأب عليها الفاشست القتلة .

والمصيبة الكبرى في نشر الفكر القومي الفاشي ان رجالا لا يمتون للعروبة بصلة كالداعية (العروبي ) ‘ ساطع الحصري ‘ الطوراني الاصل هو اول من نادى بالقومية العربية ومثله ‘ سامي شوكت ‘ وآخرين حتى وصل الدور لـ

( عروبي ) من اصل روماني قدم ابوه للشام من مدينة ( أفلك ) الرومانية واعتنق المسيحية تاركا دينه الاصلي اليهودية ليكون ابنه المولود في حاضرة الامويين دمشق الشام ( ميشيل ) داعية للقومية العربية ، وهو لا يميز بين حروفها ويكأ كأ في كلامه عند النطق بها .

من كل هذا فسوف يسجل التاريخ يوم 9 نيسان يوما عظيما يوم سقط هبل الفاشست البعثيين ومعهم كل العروبيين ، يوم سقط تمثال ( قائدهم ) الضرورة تحت اقدام الجماهير وداست عليه باحذيتها وضربته بنعالها .

* شروكي من بقايا القرامطة وحفدة ثورة الزنج