الرئيسية » مقالات » اطلاق عنان الغرائز

اطلاق عنان الغرائز

إن الاشباع المطلق للرغبات والميول الغريزية يولد نوعا ً من اللذة ، لكنها غالبا ً ما تكون مصحوبة بالآم سببها العالم الخارجي المعارض .
ولا يمكن أن ننكر أن المدنية قد أساءت التعامل مع الدوافع الغريزية ، ولكن هل يعتبر هذا سببا ً كافيا ً لأن ندين المدنية ؟
يجيب( فرويد ) ..
إن من يتمنى إلغاء المدنية ليس سوى إنسان ناكر للحق جاهل ، لأن ما يبقى لنا بعد زوال المدنية هو الطبيعة ، وتحمل الطبيعة أصعب بكثير من المدنية .
وبديهي أن الطبيعة لا تطالبنا بالحد من غرائزنا ، بل تترك لها كامل الحرية ، ولكن لها أسلوبها الخاص في تحديدنا .
فالطبيعة تسهم في فناء الإنسان عن طريق الظلم والقسوة والعنف الذي يمارسه بحق نفسه وبحق الآخرين وأحيانا ً تكون هذه الممارسات إرضاء ً لغريزته.
إذن ، بسبب هذه الإخطار اقتربنا من بعضنا البعض وساهمنا في بناء المدنية .
لقد ساهم الإنسان تدريجيا ً في إيجاد المدنية وذلك هربا ً من مخاطر الطبيعة وويلاتها التي لا تعد ولا تحصى ، لكنه غير مقتنع بها ، لأنه يتألم ويقاسي بسببها ، وأحيانا ً يسأل نفسه، أليس من الأفضل أن أهجر المدنية وأعود إلى حياتي البدائية ؟ ، وهنا يرى نفسه عاجزا ً عن العودة ، حتى وإن استطاع فإنه من المحتمل لا بل من المؤكد أنه سيفكر يوما ً بالهرب ثانية من الطبيعة وقساوتها وسيشتاق إلى تشكيل مجتمع متحضر كالذي شكله إسلافه قبل آلاف السنين .
لم يناهض أنصار الحرية المطلقة أساس المدنية وقوانينها التي تقمع جزءا ً من غرائزهم وميولهم الطبيعية فقط ، وإنما يناهضون أيضا ً كل نظام ديني أو وضعي يعتمد قوانين المدنية ، ويعتبرونه أساس شقائهم وتعاستهم .
فهؤلاء يعتقدون أن قوانين المدنية إذا ما ألغيت تماما ً وتم حل الحكومات والأنظمة ، يمكن لطبيعة الإنسان أن تحل محلها معتمدة على قوة العقل وتوجيهاته في ضبط الأوضاع وتسيير الأمور ، بيد أن أصحاب النظرة الثاقبة ، من العلماء يعتبرون أن هذا الاعتقاد ليس سوى سراب ، لأن القوانين الاجتماعية إذا ما ألغيت فإن الغرائز والرغبات الجامحة ستمسك بزمام الأمور سالبة العقل أي قدرة على التفكير .
ومن هذا المنطلق تراجع الكثير من أصحاب هذه العقيدة الخاطئة عن تصوراتهم الوهمية وعادوا وأكدوا ضرورة المدنيية وقوانينها .
يقول (ويل ديورانت ) كان غودوين واثقا ً من أن طبيعة الإنسان التي تتغلب عليها الفضيلة بالفطرة قادرة على ضبط الأوضاع دون حاجة لمساعدة القانون ، وأن القدرة العقلية والخلقية للإنسان ستنمو وتتفتح بشكل مذهل لم يسبق له مثيل إذا ألغيت كل القوانين .
أن المجتمع يقوم على حقيقة الإنسان وطبيعته وليس على تصوراتنا وأوهامنا التي لن تؤثر سوى إخفاء طبيعة الإنسان عن الإنسان نفسه وعن العالم .
إن الإنسان بطبيعته أشبه ما يكون بالحيوان مهاجم معتد ٍ مستعد للقيام بأ ي عدوان أو ظلم بحق الآخرين إشباعا ً لغرائزه وميوله .
فالإنسان ومن أجل بلوغ مبتغاه يرغب في استخدام كل قواه بحرية كاملة ، يهاجم الضعيف ليقتله أو يجعله عبدا ً ذليلا ً مطيعا ً له .
أن فلسفة الحرية لا تخلو من المساوئ ، لأنها على الأقل لا تأخذ بعين الاعتبار عدوان القوي على الضعيف .
وهذا الظلم الذي نتهم الحكومات بارتكابه لبان لنا أضعافا ً مضاعفة لو لم يكن هناك حكومات ، ولزاد الهرج والمرج ، ولتضاعفت الآلام والمعانات .
إن المدنية جاءت على الأقل بنظم وقوانين تحد من سلطة القوي على الضعيف . والضعف الذي يسود القوانين الدولية مردَه
استمرار الاعتداءات والتجاوزات بين البلدان القوية ، أما البلدان الضعيفة فهي من أنصار الفضيلة .
قال (سقراط) إذا كنت تظن وأنت تعيش بين الناس أنه من الأفضل أن لا يكون هناك حاكم أو محكوم في المجتمع ، فإنني أرى أن القوي في مثل هذا المجتمع سرعان ما يتعلم كيف يستعبد الضعيف . 

امريكا . ميشغن