الرئيسية » مقالات » التيار الصدري وميليشيات جيش المهدي إلى أين ؟

التيار الصدري وميليشيات جيش المهدي إلى أين ؟

يقف العراق على مفترق طرق , فإما أن يتجه صوب العمل لنشر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة في العراق والتخلي عن الطائفية السياسية والمشاريع الطائفية أو مواصلة السير على طريق درب الصد ما رد الذي لا يزال العراق فيه رغم سقوط الدكتاتورية الفاشية الصدامية. فالشعب العراقي كله في أزمة والحكومة العرقية ذاتها , والولايات المتحدة في أزمة حادة في ما يخص وضعها في العراق والموت يزال يحصد الناس. فمنذ سنوات خمس والشعب في العراق ينزف دماً مستمراً على أيدي قوى إرهابية كثيرة في مقدمتها قوى القاعدة وقوى الأمن والاستخبارات السابقة وفدائيي صدام حسين , إضافة إلى الإرهاب الذي نشرته وعمقته بـ”جدارة” فائقة المليشيات الطائفية المسلحة في أحياء بغداد والمدن الجنوبية والوسط , وفي مقدمتها ميليشيا جيش المهدي. لقد كان الناس يأملون أن يصلوا على نهاية مشرفة وأمينة بعد سقوط النظام , فإذا بقوى الاحتلال تهيمن على البلاد , وإذا بالمعارضة العراقة التي وصلت للحكم ترتكب يومياً المزيد من الأخطاء الفادحة , وإذا بالشعب يواجه معاناة جديدة , رغم أهمية الخلاص من الدكتاتورية الغاشمة التي كانت سبباً في ما وصل إليه العراق حالياً.
ومنذ سنوات خمس وكثرة من الكتاب والصحفيين والسياسيين العراقيين يتحدثون عن مسألتين أساسيتين هما : التخلي عن الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية وحل المليشيات المسلحة التي شكلتها الأحزاب السياسية الإسلامية المعتدلة منها والمتطرفة و السنية منها والشيعية , والتي أدت إلى تعميق أزمة الحكم والسياسة في العراق ودفعت البلاد إلى طريق بدا وكأنه مغلق تماماً وساهمت بمد أمد وجود القوات الأجنبية في العراق. لا شك في أن الواقع يشير بأن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه بالسرعة وبالصيغة المناسبة وبضحايا بشرية أقل وخسائر مالية وحضارية أقل. وأخيراً وبعد تجارب عديدة ومريرة مع التيار الصدري وجيش المهدي , والمعركة الأخيرة التي لا تزال جارية في البصرة وبغداد ومناطق أخرى مع ميلشيات هذا الجيش المتعفن فكرياً وسياسياً وطائفياً , وبعد تحمل الشعب العراقي ضحايا هائلة , سواء أكان ذلك عبر القتل المباشر أو الاختطاف والقتل أو المعارك في الشوارع , أو السطو على الدور والقتل والنهب والسرقة للحلي الذهبية والنقود وما تقع أيديهم عليه فيها , أو التخندق في المساجد , كما حصل في صحن الأمام على ابن أبي طالب في النجف , والضحايا الكبيرة التي سقطت بسبب ذلك , أو تشكيل المحاكم غير الشرعية التي حكمت الكثير من الناس بالموت والذين نجد جثثهم مرمية في شوارع وأزقة بغداد مثلاً , تماماً كما كانت تفعل قوى القاعدة المجرمة وقوى مماثلة لها , صدر قرار مجلس الأمن الوطني السياسي العراقي بحل جميع المليشيات المسلحة بما فيها ميليشيا جيش المهدي. وأكد القرار بأن لا يجوز لأي حزب أو جهة أن يبقى في العملية السياسية أو الترشيح للانتخابات في المحافظات ما لم يقم بحل ميليشياته المسلحة وتسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة إلى الحكومة , ولا بد أن تكون الخفيفة بضمنها أيضاً , وأن السلاح ينبغي أن يبقى بيد الحكومة العراقية فقط , أي انفراد السلطة بحقها في امتلاك قوات مسلحة فقط.
إن هذا القرار مهم جداً , ولكن لا بد من أن يسري مفعوله العملي على جميع قوى الإسلام السياسية التي لها ميليشيات سواء المعلن عنها أم التي لم تعلن عنها حتى الآن رغم وجودها الفعلي في الساحة السياسية العراقية , إضافة إلى ضرورة أخراج من دخل إلى الجيش تحت لواء الطائفية السياسية ولم يتخل عن ذلك حتى الآن. وعلينا أن ننتبه بأن هناك ميلشيات انخرطت في السلك المدني وأخفت أسلحتها ويمكن أن تبرز إلى العيان مرة أخرى لأي سبب كان ثم تبدأ المجزرة البشرية , كما يحصل اليوم مع قوات جيش المهدي. إن نزع سلاح المليشيات ينبغي أن يكون تاماً ومن الجميع دون استثناء.
وافقت كل الأحزاب المشاركة في العملية السياسية على القرارات الكثيرة والمهمة التي صدرت عن مجلس الأمن الوطني , إلا حزباً واحداً أبدى تحفظه على ذلك , ثم جاء الموقف الرسمي الذي طرحه السيد مقتدى الصدر. وهذا الموقف يعبر عن عدة حقائق مهمة نشير إليها لأهميتها , وهما:
1. أن الرجل يدرك الآن ضيق الزاوية التي حشر نفسه فيها أو ضيق عنق الزجاجة التي دخل فيها وصعوبة الخروج منها دون التضحية بمليشياته المسلحة والفتاكة وبسمعته السياسية التي لضخت منذ البدء بدم الشهيد عبد المجيد الخوئي عبر أتباعه في النجف.
2. الرغبة في الخروج من الأزمة بماء الوجه من خلال رمي الكرة في ملعب المرجعيات الدينية والطلب منها بإعطاء رأي بشأن حلها.
3. وهو يريد الإشارة , كما أشار إليها وقالها بصراحة قبل سنتين أيضاً , إلى أن تشكيل جيش المهدي جاء بقرار من تلك المراجع وعليها أن تقرر , أو على الأقل , أن توافق على حلها , إذ لم يعد أمام المهلة التي حددها السيد رئيس الوزراء سوى القليل من الوقت.
4. كما أن في مقدور الإيرانيين الذين ساهموا في توريطه وتزويده بقوة كبيرة واستمرارية في تسليح ميليشياته وتسليح غيرها من قوى الإرهاب الدموي في العراق , أن ينصحوه في التخلي عن ممارسة العنف في العراق , ليكون قوة لها في المستقبل أيضاً. إن قوى الغالبية العظمى من ميليشيا جيش المهدي تعتبر حصان طروادة أما لإيران وإما لقوى البعث وأما لجماعات مسلحة أخرى ستنفصل عنه وتمارس نشاطها بطرق أخرى حال حل تلك المليشيات. وهو الأمر الذي يفترض أن ننتبه له.
لا يمكن للعراق أن ينهض على قدميه في ظل المليشيات المسلحة , سواء أكان سلاحها معروفاً ومكشوفاً أم مدفوناً في باطن الأرض إلى حين بروز الحاجة إليه , كما لا يمكن قيام وحدة وطنية فعلية , رغم التقارب الراهن بين القوى السياسية بسبب المواجهة الراهنة التي تتسبب أكثر من غيرها في المزيد من نزف الدماء الغالية , ما لم تكف بعض القوى السياسية عن مشاريعها الطائفية وسعيها البائس لتشكيل إقليم شيعي في جنوب العراق , والذي يذكرنا بمطلب السيد طالب هادي النقيب في العام 1920 حين طالب بتأسيس إقليم جنةبي في البرة ينفصل عن العراق و أو مطالب مماثلة في حينها والتي رفضت من قبل الغالبية العظمى من أهل البصرة والعراق. إن هذا التوجه يريد فرض إقليم سني في مناطق غرب بغداد والموصل , وما ينشأ عن ذلك من تجزئة فعلية لعرب العراق والعواقب الوخيمة التي ستنشأ عن ذلك على المدى المتوسط والبعيد , إضافة إلى المشكلات الراهنة. ويبدو أن المختصين الأمريكان لا زالوا يريدون توزيع العراق على أساس مشروع وقانون بايدن الطائفي اللعين وما يمكن أن يكون ينشأ عنه من انفجار صراع جديد بين أتباع الأحزاب الإسلامية السياسية , السنية منها والشيعية , التي ستؤدي إلى اشتراك قوى عربية مساندة من دول عربية مجاورة , إضافة إلى إيران التي لا تزال تشكل القوة الأجنبية الرئيسية الفاعلة في الجنوب. إن قيام إقليم شيعي في الجنوب سيتحول إلى محمية إيرانية فعلية , وعلى الجميع الانتباه إلى ذلك , حتى لو رفضت الأحزاب الشيعية ذلك. وهي إشكالية لا يمكن تجاوزها بأي حال. إن إيران الطامعة بالعراق لا يمكن أن نسمح لها بموطئ قدم في جنوب العراق , ولا لغيرها من الدول , فالعراق ينبغي أن يبقى موحداً ومستقلاً عن تأثيرات الدول الأخرى , وعلينا أن نتخلص أيضاً من أي قوة أجنبية في العراق وأن نعمل من أجل إقامة منطقة آمنة في منطقة الخليج ومنزوعة السلاح النووي والكيماوي والجرثومي أو أسلحة هجومية فتاكة.
إن المجموعة السياسية في التيار الصدري تخضع في قراراتها للسيد مقتدى الصدر , باعتباره الوسيط المباشر مع المرجعية الدينية في إيران , مع آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري وآية الله العظمى السيد علي الخامنئي , والأخير يعتبر نفسه المرشد الأعلى الإسلامي في العالم كله وليس مرشد الثورة الإسلامية أو الدولة الإسلامية الإيرانية , فإيران تأخذ بولاية الفقيه أو نائب الإمام المهدي الغائب وصاحب الزمان. ولذلك فأن التحفظ الذي أبداه ممثل التيار الصدري في اجتماع مجلس الأمن الوطني برئاسة السيد رئيس الجمهورية , ليس عبثياً , وليس سوى التعبير عن عدم وصول قرار لهم من هناك , ثم جاء القرار الذي وضع الأمر على عاتق أو في عنق المرجعيات الدينية في العراق وإيران. وعلى هذه المرجعيات أن تبرهن الآن على رفضها للعنف والقوة والقتل من خلال إعلان رأيها بحل ميليشيات جيش المهدي , إضافة إلى حل بقية المليشيات.
نحن أمام واقع مرير يفترض أن ينتهي بسرعة , وإلا فأن الكارثة قادمة لا ريب فيها والتي ستشمل العراق كله , شاء الإنسان أم أبى , إذ علينا أن ندرك بأن سياسة السيد مقتدى الصدر ليست صبيانية أو غير ناضجة و بل هي موجهة , ولكنها مدمرة , وعلى الجميع دون استثناء التصدي لها وإفشال مخططاتها في العراق , كما علينا الانتباه لمخططات مماثلة يمكن أن تنهض بها تلك القوى التي تشعر عند غياب قوى الصدر وميليشياته أن الدرب والساحة أصبحا مفتوحتين لها لممارسة سياساتها التي لا تختلف كثيراً عن مشاريع قوى مقتدى الصدر.
8/4/2008 كاظم حبيب