الرئيسية » مقالات » البصـرة … بين انهزامية البريطانيين … وتطلعات الصدريين

البصـرة … بين انهزامية البريطانيين … وتطلعات الصدريين

إنّ المتتبعين لحوادث تاريخ العراق الحديث، رغم إدانتهم للبريطانيين بوقوفهم وراء الكثير من المآسي التي شهدتها البلاد، واكتوى بنارها العراقيون، لكنهم يقرون أيضاَ بأنّ للبريطانيين فضل في بناء الجيش العراقي وفق أسس التنظيمات العسكرية الرصينة التي ابتكرتها مراكزهم العلمية والعسكرية وخصوصاً سانت هيرست.
إنّ ذلك البناء الرصين كان من أبرز عوامل صمود المؤسسة الوطنية العسكرية العراقية لما يناهز القرن من الزمان، بالرغم من كل العواصف السياسية والعسكرية التي تعرضت لها.
لكن الشيء غير المفهوم أنْ يقوم البريطانيون وقواتهم التي غزت العراق للمرة الثانية تحت علم القوات المتعددة الجنسيات، بهدم ما تبقى من ملامح التنظيم العسكري، وعرقلة بناء جيش نظامي كفوء ومهني قادر على الدفاع عن حدود البلاد ومواجهة مصاعب الزمن الراهن.
والشيء الأكثر مدعاة للحيرة والغموض طبيعة العلاقات السرية التي ربطت تلك القوات في البصرة بالميليشيات والمجاميع الإرهابية، وكأنّ هناك ميثاق عدم اعتداء بين الطرفين، بحيث تعمل القوات البريطانية على مجرد الانتشار غير الفعال في البصرة مقابل عدم اصطدامها بالميليشيات، وغض الطرف عن أعمال الجريمة المنظمة وسرقة المال العام وتهريب النفط العراقي وتصفية الكفاءات العلمية، مقابل ذلك تتعهد الميليشيات بعدم التعرض للقوات البريطانية.
لقد جاء البريطانيون بزخم قوي عندما أشركوا قرابة ( 11 ) ألف من جنودهم في عملية غزو العراق ليؤكدوا لأبناء عمومتهم الأميركيون أنهم حليفهم الصدوق، وبالتالي ضرورة الحفاظ على مصالحهم في العراق والمنطقة. ولكنهم بدأوا منذ زمن عملية تقليص تواجدهم إلى أنْ وصل عددهم إلى ما يقارب الخمسة آلاف من الجنود المذعورين القابعين في بعض الثكنات والقواعد العسكرية.
والأكثر من ذلك أنهم تورطوا في علاقات مريبة مع الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية التي تعبث بالأمن وتعيث فساداً في طول البصرة وعرضها.
وأما الصدريون … ذلك الطلسم الذي لم يعد كذلك، بعد فضيحتهم الأخيرة، يقسمون بأغلظ الأيمان أنهم يقاومون الاحتلال، ولكنهم في الحقيقة لا يقومون بأي فعل يدخل في هذا الوصف. فهم في وفاق تام مع كل رايات الاحتلال، طالما أنّ قواته المتعددة الجنسيات تتركهم يصولون ويجولون في مناطق النفوذ التي حددوها لأنفسهم، وتسكت على أفعالهم الإجرامية في الخطف والاغتيال والتهجير وعمليات السلب والنهب… هم لا يرفعون السلاح لأنّ قواتاً أجنبية تحتل الأراضي الوطنية العراقية، ولكنهم يرفعون السلاح عندما يشعرون أنّ تلك القوات تعمل على تجريدهم من مكاسبهم وسلطانهم في المناطق المختلفة. وفي حقيقة الأمر فإنّ أتباع الصدر أذل من أنْ يقاوموا… وهم يتبعون مبدأ غوبلز (( اكذب ..اكذب .. حتى يصدق الناس ما تقول ..!! ))، وقد وصلوا إلى أبعد من ذلك فقد أصبحوا هم أنفسهم يصدقون ما يطلقون من أكاذيب.
أما البريطانيون المعروفون بتقاليدهم العسكرية العريقة، فتراهم يطأطئون رؤوسهم أمام سطوة الميليشيات وأمراء الحرب، حفاظاً على أرواح جنودهم، بل أنّ الكثير من المصادر تؤكد أنّ العديد من القيادات الميدانية العسكرية البريطانية في البصرة أصبحت شريكة للميليشيات وعصابات الجريمة المنظمة.
وعندما نستذكر حادثة احتجاز البحارة البريطانيين لدى السلطات الإيرانية عام 2007 وأساليب الإذلال التي مارستها إيران ضدهم وضد حكومتهم وبلادهم، نستغرب من هذا الخنوع… فلم يعد لدى هؤلاء الشعور بالكبرياء الذي ميز رجال بريطانيا العظمى، الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها، وهاهم اليوم ينحدرون في هاوية البصرة فتجدهم يرقصون على طبول الميليشيات وعصابات الجريمة المنظمة.
العراقيون يعرفون (( أبو ناجي )) وخبثه في التعامل مع الشعوب المستضعفة، والبريطانيون حالهم كحال أبناء عمومتهم الأميركيون، يتحملون مسؤولية أخلاقية أمام شعوب العالم في إعادة الأمور إلى نصابها وإصلاح أوضاع الدولة والمجتمع ومساعدة العراقيين في النهوض من المأساة التاريخية التي خلقوها في أرض الرافدين، وخصوصاً في البصرة.