الرئيسية » مقالات » عن المثليين جنسيا !

عن المثليين جنسيا !

أنا شخصيا نشأت في أسرة أبوية , و لا أستطيع أن أفهم صراحة مشاعر المثليين جنسيا بشكل ميئوس منه.. كان الوسط الذي عشت فيه يقدس الاستبداد الأبوي المبني على النسخة الأخلاقية السائدة , هذا جعل من المستحيل بالنسبة لي أن أفهم المثليين جنسيا حتى اليوم..يوما ما كانت المثلية الجنسية بالنسبة لي كابن مطيع لهذه الأنساق المتتالية الهرمية من القهر و الاستبداد مجرد شذوذ جنسي..لكن قصص الحب بين المثليين جنسيا خلقت عندي , أنا ابن الأسرة الأبوية التي تحول كل ما هو خارج السائد الأخلاقي إلى تابو محرم محظور , الكثير من التشوش غير المفهوم..أنا أعترف أنني غير قادر ربما حتى نهاية حياتي أن أتصور هذا الحب الذي يخالف النموذج الوحيد السائد “للحب المشروع” , لكن ما أنا متأكد منه هو أن هذه القصص , و بالتالي هذا الحب , يحمل شيئا ما إنساني بعمق , شيئا ما أكثر صدقا من هذا الهراء الأخلاقي المنافق الذي ينصب نفسه قاضيا و حكما على المثليين جنسيا و سواهم لمجرد أنهم يمارسون الحب خلافا لتابوهاته الشاذة في حقيقة الأمر..هذه الأخلاق التي تقوم على النفاق المحض الذي يجمع بين القهر و الاستباحة , قهر الغرائز و المشاعر الإنسانية الطبيعية بل و العميقة , و على استباحة الجسد و الروح الإنسانيتين من قبل الطغم التي تملك السلطة و المال بأشنع الطرق فحشا و قذارة , هذه الاستباحة التي تقرها بل و تعمدها الوصفات الأخلاقية السائدة بزيتها المقدس المزيف ( لا تجرم الوصفات الأخلاقية السائدة استباحة الجسد و الروح الإنسانيين بشكل فظ و غير إنساني من قبل أصحاب المال و السلطة , إن ما تجرمه هو خروج المقهورين المضطهدين على هذا النمط الأخلاقي السائد بغض النظر عن رغبتهم الحرة بممارسة نمط مختلف للعلاقات بين الأفراد و مقاومتهم لاستباحة أصحاب المال و السلطة باسم إنسانيتهم و حريتهم ) , هذه الاستباحة تستمد مشروعيتها سواء الدينية أو الأرضية الوضعية من قانون الحاجة الذي يمثل القانون الوحيد الفعلي على الأرض التي ينقسم فيها الناس بين جياع و شبعانين , بين سادة و أتباع , بين عسس أو جلادين و بين مقهورين…هذه الاستباحة و هذا الزيف و كل هذا النفاق المثير للاشمئزاز هو الشذوذ الفعلي على هذه الأرض , و خلافا لكل الهذيان الأبوي الاستبدادي عن الحرية الذي يريد فقط إفراغها من مضمونها و تعليبها كسلعة في مجال الترويج السياسي و الفكري , فإن الحرية الحقيقية تكتسب شرعيتها من الإنسان فقط و ليس من أية قوة خارجة عنه..طبعا الإنسان ليس بإله , على العكس إنه ضعيف فيزيولوجيا و ربما عقليا بحيث أنه حتى اليوم ما يزال يتعلق بهذا الكائن الخرافي المقدس “السماوي” الذي يمثل نقيضه و امتداده في نفس الوقت , الذي يمثل حلمه الأزلي بالحرية و في نفس الوقت أكبر القيود المفروضة على عقله و على روحه , أنه ما يزال غير قادر على أن يتحدى تابوهات المحرم التي تسيطر على حياته و تجعل من أي حديث عن حريته مجرد كلام فارغ لا قيمة له و لينسب إلى قوى القهر و قيم القهر كل هذا “المغزى” الأخلاقي الفارغ , أي أنه باختصار ما يزال عاجزا عن أن يعيش حريته أو أن يمارسها..في العالم الواقعي نجد أن الحاجة إلى الطعام و النور و الدفء , و الخوف من الحاجة هي قيده الفعلي..لذلك مثلا ستجد النمط السائد من الأسرة , الأسرة الأبوية البطريركية , يقوم على تحديد شكل اقتصادي ضروري للعلاقة بين الجنسين , يكون فيه الجنس المسيطر الفعال , الذكر – الأب , هو مركز الأسرة , السيد , رمز السلطة , فيما الجنس المقهور , المرأة – الأنثى , هو التابع , الخاضع , الذي يحتاج إلى تقديم الطعام و بقية الضرورات اليومية الإنسانية في مقابل الإذعان و التسليم بحالة التبعية للجنس المسيطر و الالتزام بعلاقة “أخلاقية” تكرس سيطرة الذكر السيد و خضوع التابع الأنثى..هذا يحول الحب , أو يمسخه إلى الأبد أو إلى ما شاء الله , إلى علاقة عابرة “غبية” لا تملك أية قدرة على التعبير الجدي أو الاستمرار..لا يوجد شيء يرتبط بشكل صميمي و حتمي بالحرية الحقيقية و بالمساواة الحقيقية بين البشر و لا يوجد شيء يقتله , بل و يسحقه , القهر و الاستبداد و وجود امتيازات اجتماعية أو جنسية أو عرقية أو طبقية “مقدسة” مثل الحب بين الجنسين ( و في حالتنا هنا بين المثليين جنسيا أيضا )..و بالمثل لا يوجد إحساس إنساني أو قيمة إنسانية أو شكل للعلاقات بين البشر كان يمثل عبر العصور مثل هذا الدافع القوي و المؤثر للثورة على الظلم و القهر و استباحة إنسانية الإنسان مثل الحب..هنا نشاهد تداخل الإنساني الفردي بالكلي , الفردي بما يخص الجنس البشري ككل , هنا ما هو واضح وضوح الشمس أنه لا يمكن تحرير الإنسان دون إلغاء انقسام البشر إلى أناس تجوع و أخرى تشبع حتى الثمالة , إلى جلادين و مقهورين ( أن لا يكون تحت تصرف أية فئة مهما ادعت و نسبت إلى نفسها امتياز و وظيفة قهر الآخرين و إكراههم , لا باسم الأمر بالمعروف و لا النهي عن المنكر و لا باسم “إرشاد” الناس “التي لا تعرف” إلى جادة الصواب أو قيادة “ديكتاتورية” البروليتاريا أو أية صفة أخرى نخبوية قهرية )..ما أعتقده أنا ابن المجتمع الأبوي القائم على الاستبداد و قمع حرية الإنسان الذي ينظر إلى الحرية كهدف عزيز , بل و وحيد , للحياة الإنسانية , أن المثليين جنسيا أصبحوا مثليين بمجرد إطلاق العنان لمشاعرهم الصادقة غير المنافقة بكل حرية متجردة , أي بغرض ممارسة ما يشعرون به أو يعتقدون به , دون أن يكون هذا لصالح من يملك المال أو السلطة ككل هذا العري و العهر المخصص للترويح عن أصحاب الملايين و كبار رجال السلطة في العالم و في كل دولة عربية و إسلامية بالضرورة , ما أعتقده هو أنه بقدر ما لا يمكن تجزئة القهر و تصنيفه , تماما كما لا يمكن تجزئة الحرية و تقسيمها , فإن المثليين هم ببساطة بشر يمارسون حريتهم , هذه جريمة لا تغتفر بالنسبة لمجتمع يقوم على القهر و لكن ليس بالنسبة لبشر يمجدون الحرية كقيمة أساسية , إن لم تكن الوحيدة للحياة البشرية , و يبحثون عن حريتهم هم وسط هذا العالم المليء بالسجون و القيود….