الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة التاسعة عشرة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة التاسعة عشرة

يسر صفحة دراسات كوردية ان تقوم بنشر كتاب الدكتور بدرخان السندي ( المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) وذلك عبر حلقات متسلسلة.

وعلى الرغم مما لعبته الدولة العثمانية من فعل شائن في تأليب الكرد على الكرد مستخدمة الدين ورقة دامية والدين براء من دولة جعل السلطان فيها نفسه ظلاً لله على الارض ولكنه كان وراء مئات المذابح يقف منتشياً بشلالات الدم بين عنصر وعنصر ودين ودين ومذهب ومذهب، وحاشا لله ان يقبل.
ويصف ويكرام حالة القرويين في القرى التي تقع على طريق الهركية وهم في طريقهم الى المرتفعات او عند عودتهم فيها الى المناطق السهلية اذ يذكر ان القرويين يتأهبون بسلاحهم يقظين لا يغمض لهم جفن حتى يزول الخطر عنهم ويجمعون اغنامهم في حظائر قريبة منهم ولا يتركون امرأة الا واغلقوا الابواب ولا ترتفع ايديهم عن زناد بنادقهم وقد يصل بهم القلق والتوتر الى حد اطلاق النار على القريب قبل ان يسأل عن غرضه* (149).
يعرف هَيْ (1918-1920) القبيلة انها مجتمع او اتحاد مجتمعات يسبغ الحماية على الافراد المنتمين الى هذا المجتمع او الاتحاد، كما ان القبيلة تحاول الحفاظ على الاعراف القديمة وعلى معايير متفق عليها في حياتهم ويذكر هَيْ ان كل كردي تقريباً سواء كان يسكن المدينة ام القرية يعد نفسه قبلياً وان لم يكن منتمياً الى قبيلة ما (87)، فالفرد على ما نفهمه من هي في كردستان يرغب اظهار انتمائه للقبيلة واعرافها.
والحقيقة فان الاكراد غير القبليين على ما يذكر هَيْ هم في العادة من مزارعي الاغوات في المدينة (90)، لان بعض رؤساء العشائر يفضلون العيش في المدينة وهذا ما سنذكره من بعد. ومن هنا فان هذا الاغا يعمد الى الحفاظ على حقوق المزارعين على غرار رؤساء القبائل.
ان المزارعين يلجأون الى رئيس القبيلة او الاغا لحماية حقوقهم لا سيما اذا شعروا بحراجة موقف ازاء السلطة فلزعيم القبيلة واجبات عديدة بازاء مزارعيه او ابناء قبيلته واشدها خطراً عندما يصبح الناطق بلسانهم في جميع القضايا ذوات الصلة بالحكومة.
ويضيف هَيْ انه، أي زعيم القبيلة يعقب مصلحة ابن قبيلته في أي دعوى او قضية جنائية سواء كان هذا على حق ام كان على باطل فان ثبت ارتكاب رجل ما جريمة قتل او سرقة يتخذ الاجراء اللازم لاستعادة المسروق ودفع الدية لكنه لا يمكن ان يحمل الا بعسر على تسليم المجرم الى السلطات الرسمية (90).
يحدثنا هَيْ عن انطباعاته ومشاهداته للقضاء القبلي أي (الفصل) او (محكمة العشيرة) ويعرفها على انها عملية حسم القضايا على وفق الاعراف العشائرية، والفصل يشمل أي نزاع او حادث بشكل عام، والقتل والثأر الدموي بشكل خاص، ويتم الحسم هذا على يد شخص واحد، هو اما رئيس القبيلة او وجيه يتفق عليه الطرفان المعنيان او قد يحال الى (المجلس) وهو مجتمع الزعماء العشائريين المؤلف من ثلاثة او خمسة رجال عادة (96).
ان محكمة كهذه تقوم عادة بالتحكيم فقط وذلك على الرغم من ان الحكومة قد تصر على ان تقوم باصدار قرار يكون ملزماً ويحسم ثأر الدم عادة بدفع (الدية) وكل حالة متصلة برجل او امرأة لها سعرها الخاص كما ان اقسام الجسم لها قائمة اسعار خاصة بها.
ان هَيْ يخبرنا عن المدة التي قضاها في كردستان فيقول ان سعر الفلاح الكردي من الطبقة الوسطى محدد بـ (90) جنيهاً واحدى نسوته بـ (45) جنيهاً ورجله او ذراعه بسعر (20) جنيهاً تقريباً وان مثل هذا الدفع يتم في الغالب عيناً أي ببعض الماشية او بحصان او بمقدار من الحنطة تسلم الى الطرف المتضرر ومن الشائع جداً ان تعطى فتاة على سبيل الزواج تسديداً لـ (دية الدم).
ويعطينا هَيْ مثالاً طريفاً على الرغم من واقعيته (الاحتسابية)، اذ يذكر لو كان المطلوب (90) جنيهاً فقد يمكن تسديد الدين وهو : فتاة وثلاث بقرات وحمار. اما اذا كان الثأر عظيماً فقد بنتيجته اناس عديدون حياتهم فانهم يعمدون الى حساب عددهم وعدد النسوة والاطفال على الطرفين ثم يحتسبون اسعارهم وتحسم بعد احتساب الفروق، ويعمد بعض المتخاصمين الى ختم الصلح بان يعطي كل واحد فتاة على سبيل الزواج للآخر (97).
وعلى ما يبدو من ملاحظات هَيْ ان الفصل يجري في العادة بين الطبقتين الوسطى والدنيا اذ يقوم رؤساء العشائر بعملية الفصل اما اذا كانت المخاصمة بين رؤساء العشائر فعندها قد يتم الصلح بواسطة الحكومة وان كان مثل هذا الصلح مهدداً دوماً بالانهيار واحياناً لاسباب تافهة.
لقد عايش هَيْ عدداً من العشائر في منطقة اربيل على خلاف ريج وسون وادموندز فنجده يتحدث عن عشائر البارزاني والدزه ى والزيباريين. يتحدث هَيْ عن البارزانيين فيصف الشيخ احمد البارزاني (آنذاك*) شاب في العشرين من عمره وهو من اسرة روحانية وكان لها سلطان دنيوي ايضاً، ثم يذكر ان قدسية ابناء هذه الاسرة منحتهم نفوذاً بحيث اصبحواً قادرين على النهي والامر وحتى في الديار المجاورة ويصفهم ايضاً بانهم كانوا في الغالب شوكة في جنب الاتراك وعمدوا الى تعبئة اكراد اربيل وراوندوز ومهاجمتهم وقد سبق الشيخ احمد، الشيخ عبد السلام في رئاسة البارزانيين الا انه اعدم في الموصل في 3 كانون الاول 1914 (222).
ويذكر هَيْ ان البارزانيين والزيباريين ومن يجاورهم عرفوا بالضراوة بين الاكراد وفي تقويم هَيْ للعشائر الكردية وهذا تقويم خاص به وجد من خلال زيارته الثانية لهم لا الاولى، لان الزيارة الاولى احدثت انطباعاً سلبياً لدى هَيْ ازاء عشيرة الدزه ي ولا ندري لماذا، اما في زيارته الثانية فقد احبهم وشغف بهم لا بل عدهم في مذكراته افضل الاكراد في بلاد ما بين النهرين طرا وانهم اكثر رجولة من القبائل القاطنة في منطقة الزاب الاصغر جنوباً وافضل تعقلاً من سكنة التلال ذوي النزعة البدوية وأحد ذكاء (145).
يصف هَيْ باسلوب عذب كيف تحلق حوله شيوخ قرية كول تبه وهي من قرى الدزه ى وقد استقبله مختار القرية (محمود يابا) الذي لا صلة له باحد من رؤساء الدزه ى (144).
لقد اخضع هَيْ الى امتحان كما يذكر اذ انهالوا عليه بصنوف من الاسئلة بواسطة احد الاشخاص من كان يتكلم الفارسية.
لم قدم البريطانيون؟ وكيف يحكمون؟ هل يقومون بسحق الطغاة الظالمين من الرؤساء والمختارين؟ وما مقدار الضرائب التي سيقومون بجبايتها؟ وما هي التحسينات الزراعية التي سيقومون بادخالها؟ وهل يمدون السكك الحديدية؟… الخ.
هذه نماذج من الاسئلة التي سألها الشيوخ المحيطون الفرحون بضيفهم هي (145).
يذكر لنا هَيْ الوضع النفسي لرؤساء الدزه ى ازاء الشيخ محمود والمدة التي حكم فيها واصبح (حكمدار السليمانية)، فعلى الرغم من ان اربيل مدينة كردية لكنها لم تكن ضمن ولاية الشيخ محمود ونتيجة لذلك لم يتبوأ رؤساء قبيلة الـ (دزه ى) على غرار ما تبوأ جيرانهم الـ (خوشناو) من مناصب رسمية رابحة، وما كانوا ممن يشغف به (حكمدار السليمانية) حباً، وفي الحق والحديث ما زال لمستر هي – كانوا ينظرون اليه نظرة الزراية، لكنهم لم يتحملوا، بصمت، رؤية اناس يعدونهم اقل منهم اهمية ويتقاضون معاشات كبيرة ويتمتعون بالمكانة والتبجيل، ان هي يحلل موقف الدزه ى انهم بقوا ثابتين صامدين آملين بان يعود ولاؤهم عليهم بما يحسن حالهم ولكن الامل خاب (198) ونعتقد ان هي يقصد من عباراته هذه ان الدزه ى الذين لم يثيروا المشاكل للبريطانيين كانوا يأملون ان يأخذ المسؤولون البريطانيون هذا الموقف بنظر الاعتبار الا ان شيئاً من هذا لم يحدث على ما يبدو.

التآخي