الرئيسية » بيستون » رسالة الى الشهيد عبد الهادي

رسالة الى الشهيد عبد الهادي


كان صديقي عبد الهادي
ابنُ علي بن محمدْ
نخرجُ، نضحكُ، نشربُ، نتسامرُ،
نتقاسمُ لقمتنا
وننامُ على دفء صداقتنا
عصفورين ماغابا يوماً عن بعضْ .

عبدُ الهادي كانَ غنياً بالنفسِ
كنزاً من حبٍ لا ينفدْ
كان لطيفاً
كانَ أليفاً
مثلَ حمامةِ موسى الكاظمْ
كانَ وفياً وشجاعاً
صُلباً ورقيقاً وشعاعاً
أحدَ شبابِ الكرد الفيلي
في باب الشيخ في الصدريه
في حي جميلةَ في الثوره
في الحريه
في كل مكانٍ في الدنيا
يبحثُ عن نور الحريه.

في حملةِ تلك الأيامِ الكبرى
أخذوهُ فغابْ
هو وألوفُ الأحبابْ
مثلَ سحابْ
مرَ سريعاً ما آبْ ؟!

عبدَ الهادي،
تلك النجمةُ في برجِ سماءِ الليلةِ
في قلبي
تبحثُ عنك
عن عينيكَ
عن وجهكَ
عن ضحكتكَ
تسألني
أينَ الرجلُ الشامخُ طوداً ؟
أينَ القلبُ الغامرُ حباً ؟
أينَ الثائرُ من أجلِ جبالٍ ببلادي
منْ أجل نشيدٍ لبلادي
منْ أجلِ القريةِ والوادي؟
اينَ الآنَ عبدُ الهادي ؟

عبدَ الهادي،
ينهشُ هذا الجرحُ فؤادي ،
ساعة أضحكُ، أشربُ، آكلُ،
أمشي ….. أبكي
أذكرُ أصفى ضحكاتِ الأيامْ
قضيناها نحلمُ أحلى الأحلامْ
ونغني أشجى الأنغامْ
من أجل الانسانِ العادي
في عالمنا هذا الشادي!*
لكنَ الانسانَ السـادي
مشحوناً بصدى الأحقادِ
وحشٌ كاسرْ
ذئبٌ ماكرْ
في مخلبهِ دمنا الطاهرْ
لا يعرفُ للحبِ طريقا
يُتقنُ فنَ الذبحِ رفيقا
يملأ أرضَ الوادي حريقا

عبد الهادي،
أتراني الآنَ ، أتراني..؟
هلْ تقرأ ما أكتبُ عنكَ
أحكي عنكَِ
للخلانِ؟
مع إني أحسكَ بجواري
طيفاً ساري
تهمسُ بقصائدِ أشعاري
توقدُ ناري
كي أكتبَ ما يطوي قراري
عن أيامِ العمرِ الجاري

هلْ تقرأ ما أكتبُ ؟
أروي قصصَ شبابٍ مرَ
عمرٍ فرَ
لم يستقرَ.

عبد الهادي،
هذا زمنٌ صارَ الغلمانُ قيادتهُ
صارَ المأبونُ ريادته
صارَ السراقُ سيادتهُ
كم يؤلمني
كم يجرحني
كم يسقيني مرَ المحنِ
دف ُْ صداقتكَ الكبرى كم تنقصني
دفءُ نزارٍ، دفءُ فلاحٍ ، دفءُ جمالٍ ،
دفءُ عباسٍ ، دفءُ غازي ، دفءُ أكرمْ
دفئكمو جميعاً أحبابي!

قفُ !
أنتَ الباحثُ في التربةِ،
قفْ!
انظرْ في الأفق الممتدِ
في عمقِ الأرضْ
كلُ الأرضِ مقابرُ ومقابرْ
كمْ ألفٍ في ألف ِ شبابٍ هاجرْ
في محرقةٍ
في مجزرةٍ
في مقبرةٍ!

قفْ !
أيةُ أشلاء عظامِ تحملها ؟
هل تعرفها ؟
اختلطَ عظامُ الأحبابْ
بالأحبابْ
حتى ما عاد نزارٌ نعرفهُ
عن عبد الهادي
إيهٍ يا جرحاً بفؤادي !
إيهٍ يا حزناً يغمرني
إيهٍ يا ترباً في الوادي
أينَ رفاتُ الأولادِ
كي نغسلها
كي نكفنها
كي ندفنها
كي نقرأ صلواتِ الهادي؟

عبد الهادي !
إنَ زمانُ الظلمِ الماضي
يجري في أركانِ الوادي
صارَ الحكامُ زبانيةً
في سوقِ جديدِ الأصفادِ
أصحابَ قصورٍ عامرةٍ
دولاراً بالذهبِِ الشادي
وبلادي ما زالتْ تغلي
بالفقرِ وبالموتِ بلادي

أما أنتمْ
أصبحتمْ نسياً يا هادي
بينَ الأخذِ وبينَ الردِ
هلْ نحسبهمْ في التعدادِ ؟
شهداءٌ همْ أم همْ قتلى
سقطوا في أثناءِ حصادِ ؟

خسئتْ ألسنةٌ وأعادي
أنتم خيرُ شبابِ الوادي
أنتمْ أصداءُ الأجدادِ
أنتم منْ أغلى الأحفادِ
أنتم نورٌ
أنتم أعيانُ الأولادِ
تبقون وتبقونَ نجوماً
تتلألأ في ليلِ بلادي
لنْ نسكتَ عن ضيمٍ يجري
أو عنْ أذنابِ الجلادِ

عبد الهادي،
لا وداعٌ في لساني أبدا
نلتقي في الجنةِ العظمى غدا
أنتَ في القلبِ سراجٌ أبدا
ومقيمٌ في العيونِ ابدا
ومضيءٌ مثلَ ما كنتمْ نجوماً سرمدا
أنتمو خيرَ شبابِ الكردِ كنتم أبدا
ذكركمْ بينَ حكايا الأهلِ يبقى ابدا
أنتمو تاريخنا المظلومُ
والمشرقُ في الكونِ بدا
وغدا
يدفعُ القاتلُ حتماً ثمنَ القتلِ غدا


* عبد الهادي علي محمد رحيم: واحد من شباب الكرد الفيليين الذين تم حجزهم ولم يظهر لهم أثر حتى اليوم في حملة التهجير بالعراق عام 1980 . كان صديقاً وأكثر من أخ لي.
* الشادي هنا بمعنى القرد بلهجة أهل العراق

الأثنين 10 مارس 2008