الرئيسية » مقالات » الروزخونية والمؤسسة الدينية المسيحية في العراق

الروزخونية والمؤسسة الدينية المسيحية في العراق

فجع الشعب العراقي باعمال الاغتيال الاخيرة التي طالت بعض الرموز المسيحية في بلادنا ونخص بالذكر:
1. اختطاف واغتيال رئيس اساقفة الكلدان في الموصل المطران بولص فرج رحو 29/2/2008.
2. اغتيال القس يوسف عادل عبودي راعي كنيسة مار بطرس وبولص امام منزله في الكرادة ببغداد 5/4/2008.
لا يمكن فصل اعمال الاغتيال هذه عن الارهاب الذي يرتكب الفظائع في المدن العراقية المدفوع بآيديولوجية شريرة لا علاقة لها بالظلم او القضايا المسببة للسخط ،وانما استندت الى اعتقاد متعصب غير قابل للاعتدال او العلاج ويجب مقاومته.ومن غرائب الامور ان لا تتمكن القوات الاميركية والحرس الوطني والذي يستنزف ميزانية الدولة من السيطرة على مناطق في قلب مراكز المحافظات بعد مرور 5 اعوام على سقوط الدكتاتورية وقرابة العام على المباشرة بخطة فرض او حفظ القانون!ان اعمال الاغتيال هذه هي امتداد للعوامل التالية:
• مشكلة التمييز الطائفي التي تحولت الى جزء من النظام القائم في العراق اثر تشكيل الدولة العراقية الحديثة اوائل العشرينات والثغرات الشوفينية والتمييزية التي احتوتها صيغ اول قانون للجنسية العراقية رقم(42)لسنة 1924 وقانون الجنسية رقم(243) لسنة 1963.تضررت الاقلية الآشورية باجراءات السلطات الحاكمة عبر القرارات الكيفية ومصادرة الأموال والممتلكات،وذهب ضحية التهجير القسري مئات العوائل الآشورية العراقية.كسب الانكليز الآثوريين في سياستهم بالتوطين والترحيل القسري للكرد،وما لبثوا ان تنكروا للقضية الآثورية القومية بعد ان طالبت القيادة الآثورية بالحد الأدنى من حقوقها القومية في العمادية عام 1932،وافتعلوا مذبحة(سميل)عام 1933 بحجة حماية الوطن.وبلغ عدد المهاجرين العراقيين من أصحاب الكفاءات خلال ثلاثة أعوام فقط بين(1966 – 1969)4192 شخصا الى الولايات المتحدة و254 شخصا الى كندا،وان عدد الذين نالوا الجنسية الأمريكية من هؤلاء خلال الفترة المذكورة 975 عراقيا(كانت نسبة المسيحيين هي الغالبة).
• اتساع انتهاكات حقوق الانسان والحريات الديمقراطية في عهد نظام صدام حسين الذي بات زاخرا بالجريمة والارهاب.وتحول التهجير القسري الشامل للقرى والمدن،واسقاط الجنسية عن عشرات الألوف من العوائل العراقية،وارغام البقية المتبقية الى عبور الحدود هربا من آثار استخدام الأسلحة الكيماوية والقصف الوحشي ومن بطش النظام،تحول كل ذلك الى حجر زاوية في سياسة غدر الطغمة الحاكمة واجراءاتها الانتقامية العقابية ضد خيرة ابناء الشعب العراقي.اصدرت السلطات العراقية في حينها قرارات عنصرية – تعسفية جائرة ضد مسيحيي وكلدان العراق ومعادية للدين المسيحي،باشراف مباشر من صدام حسين،لاذلال وتقليص نشاط الكنائس المسيحية في العراق ودعم سياسة التعريب التعسفي.ومن هذه القرارات:
1. مرسوم اجبار جميع ادارات وقساوسة الكنائس العراقية الارتباط مباشرة بوزارة الاوقاف.ويشمل المرسوم كنيسة المشرق بفرعيها الكلداني والآثوري،الكنيسة السريانية بفرعيها الارثوذكسي والكاثوليكي،والكنيسة الارمنية،وغيرها من المنابر الكنسية.واستهدف المرسوم القضاء على استقلالية كنيسة المشرق التي تتولى مسؤولية 90% من مسيحيي العراق،والسيطرة على جميع الاموال والممتلكات التابعة للكنائس.وردت السلطات العراقية على مطالب المطارنة بالغاء المرسوم”خيروا ما بين المصادرة الكاملة للاموال او ان توضع تحت تصرف ورعاية وزارة الاوقاف مباشرة”.
2. مرسوم وزاري يرفض ان يتم بموجبه تدريس الديانة المسيحية اذا لم يكن المدرس حاصلا على درجة الماجستير فما فوق،وهذا يشمل المدارس ذات الغالبية المسيحية،بمعنى آخر الغاء الدروس بالكامل لأن هناك عدد قليل جدا من المدرسين تتوفر فيهم هذه المؤهلات.
3. قرار يجبر الابناء على اعتناق الاسلام حال زواج احد الوالدين من الديانة الاسلامية.
4. قرار رئاسي منع بموجبه الآباء من تسمية اطفالهم الجدد باية اسماء غير عربية او اسلامية.
5. اغلاق الاذاعة الناطقة بالسريانية في بغداد والتي كانت تبث برامجها مدة 2 ساعة / يوم فقط!
6. اجبار البطرياركية الكلدانية وبقية الكنائس على اضافة مقتطفات من اقوال صدام حسين بجانب اقوال المسيح يسوع(ع)في التقاويم الكنسية لعام 2002.
7. تهجم صحيفة بابل في مقالات خالية من التوقيع على الديانة المسيحية واظهار افضلية الاسلام على المسيحية!
• الطائفية السياسية وعصاباتها الميليشياتية المسلحة والاعمال الارهابية المستمرة ضد المؤسسة الدينية المسيحية السمحاء.ليس غريبا اليوم ان تجد شعارا سياسيا لجيش المهدي ويتوعد بظهور المهدي المنتظر مثلا معلقا على جدران احدى الكنائس!تعاني المنظمات غير الحكومية والمؤسساتية المدنية والدوائر الحكومية من اللغو الخطاباتي للمسؤولين والتدخلات الحكومية والميليشياتية بكافة اشكالها،وعلى الأخص استخدام سلاح التشريع لفرض وصاية الاستبداد الحكومي عليها.
تقود ديمقراطية الطوائف والاعراق الى انهيار العقيدة الوطنية الحافظة لمصالح البلاد السياسية- الاقتصادية اي تواصل تفكك التشكيلة الوطنية وابقاءها في حدود العجز عن بناء دولة ديمقراطية مستقلة،واعتماد ديمقراطية منبثقة من التوازن الأهلي المرتكز على الحماية الخارجية وابقاء المشاركة الاجنبية في صياغة المستقبل السياسي – الاقتصادي للعراق.لم تتبع السياسة الوطنية العقلانية الحضارية ولم تتخذ الاجراءات الحازمة لملاحقة الصدامية في الاجهزة القمعية الامر الذي تسبب في خلق الاحتقان الكبير في الشارع وتفجر الارهاب ليلجأ الناس للاحتماء بالمكونات الاولية لهم وهي المرجعيات الطائفية والاثنية!كل ذلك عطل ثقافة المعارضة والثقافة الاحتجاجية والانتقادية والمطلبية التي تقتضي(المحاسبة والمراقبة والمساءلة).
يعيش الشعب العراقي،وتعيش المؤسسة الدينية المسيحية في جحيم حرب طاحنة،بين تفخيخ السيارات وانفجار العبوات الناسفة،وقتل وخطف الابرياء واغتيال المثقفين والتهجير القسري،في هجمة بربرية لم يشهدها العراق منذ عصر هولاكو،وبين الانقسامات التي استشرت في اعضاء الجسد العراقي المتعب.علت الاصوات تزرع الشقاق بين مواطني البلد الواحد،منادين ومتوعدين باسم الاسلام والتمذهب الطائفي،محتضنين الموت بدل الحياة،محاولين اعادة عجلة التاريخ الى العصر البدائي،والضحية هو المواطن العراقي الذي اختلطت عليه الأوراق والمسميات.ان الطائفية والتخلف والجهل هي الد اعداء الديمقراطية فليس بالامكان بناء بلد متعدد القوميات والاديان والطوائف على اساس طائفي،وليس من مصلحة الوحدة الوطنية للشعب العراقي انتهاج السياسة الروزخونية”الغاية تبرر الوسيلة”لان هذا النهج هو الذي سيدمر البلاد ويمزق وحدة الشعب.
ان غالبية الشعب العراقي من المسحوقين ماديا والمطحونين معنويا والمكمومي الأفواه،وهم من المسلمين وغير المسلمين،كما ان النخب القامعة والناهبة والقاهرة هي ايضا من المسلمين وغير المسلمين،والجميع بحاجة فعلا الى التغيير الديمقراطي والدولة الحديثة التي يحكمها القانون المدني وليس الديني(كان ما كان)،وهذه الدولة الشرط الأول والأساسي لوجودها هو فصل الاديان قاطبة عن السياسة فصلا تاما وحاسما،ووضع الاديان جميعا ومعا في الإطار الفردي والشخصي،ورفعها كليا عن الأرض وحصرها كليا بالسماء،اي جعلها بين الانسان وربه،لتحل محلها ثقافة المواطنة،ولا يمكن ان تقوم توليفة بين دين ودولة الا لصالح القمع والاغتراب وبعيدا جدا من الديمقراطية.لسنا ضد اي دين في العالم مادام في اطار الحرية الشخصية،وضد جميع الاديان في العالم حين يتم اقحامها في السياسة والمدرسة والتهريج والضوضائية وبالتالي نشر المظاهر الروزخونية.
ثقافة السلام او قيم السلام فعل تراكمي من البناء المادي والمعنوي وخلاصة الوعي بالحقوق والحريات وتطور الانسانية.وشرط بناء ثقافة السلم وجوب التعاون بين الشعوب والمصالحة الوطنية في البلد المعني وهذا يتطلب ارساء المؤسساتية المدنية والاعتراف بالآخر هوية وطنية مستقلة وكيانا ثقافيا متميزا ووجودا كاملا.الحرية فهم الضرورة وتقوم الحياة على روح التعايش والخضوع لمبدأ الضرورة،وتنتصر الانسانية في النهاية بالتسامح والغفران والقدرة على النسيان.ينبه تعطش الشعوب الى الديمقراطية وصحوة احترام الرأي الآخر ونقد الفكرة بالفكرة لا طعنها بحربة غادرة او خنجر مسموم،ينبه الى ضرورة اعادة النظر في الممارسات الخاطئة التي ابتلت بها الحياة السياسية في بلادنا.والحرية ليست هبة تهبط من الاعلى بضربة ساحر،والحديث عن الحرية هو الحديث عن الديمقراطية وعملة واحدة.الحوار الموضوعي اصل الحياة وليس برنامجا قدريا يهبط من السماء،وهو نقيض حلقات دبكة وتراقص الألسن والتراشق بالكلمات!
الحكومة العراقية والمؤسسات الرسمية،مطالبة بتقديم كل اشكال الدعم والمساعدة والرعاية لضمان الحقوق القومية والادارية والثقافية للتركمان والكلدان – الآشوريين- السريان والارمن وتطويرها وتوسيعها،واحترام المعتقدات والشعائر الدينية للايزيديين والصابئة المندائيين،والغاء جميع مظاهر التمييز والاضطهاد ضدهم،وازالة كل ما يسمم اجواء التنوع القومي والديني والفكري لشعبنا،ومعالجة مظاهر التقوقع والانعزال القومي ومحاولات دق اسفين في العلاقات بين القوميات المتآخية في العراق،وان تستمع الى اراء ومقترحات حركاتهم وممثليهم،وتعمل على اشراكهم في صنع القرارات التي تمس بشكل مباشر حقوقهم ومصالحهم،ودورهم في بناء حاضر العراق ومستقبله.الحكومة العراقية والمؤسسات الرسمية،مطالبة بالتشديد على احترام حقوق الانسان والمتابعة الجادة لمشكلة المهاجرين والمهجرين وتداعياتها الانسانية والاجتماعية الجسيمة،واعادة اعمار ما خلفه النظام الدكتاتوري البائد في مختلف الميادين،والنهوض بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في جميع انحاء البلاد واعادة التوزيع الجغرافي للمؤسسات الصناعية والخدمية بما يقلص التفاوتات في هذه المجالات!

راجع للكاتب:

• الهجرة والتهجير في عراق التنمية البشرية المستدامة.
• مراسيم محاربة المسيحية في العراق.
• الطائفية السياسية والردة الحضارية وانهيار الخدمات العامة.
• الروزخونية في العراق.
• انقلاب 8 شباط الاسود وشق الطرق الى الكوارث الصدامية والروزخونية.
• جامعة بغداد والتأرجح الاكاديمي بين العمل الحر المستقل والظاهرة الروزخونية.
• روزخونية نصف عقد من الزمن..الى اين تقود العراق؟
• اقتصاد السوق والمزاعم الروزخونية في العراق.
• القاعدة الروزخونية للعملية التربوية والتعليمية في العراق.
• المهندسون العراقيون والأزمة الروزخونية.

يمكن مراجعة دراساتنا في المواقع الالكترونية التالية :

1. http://www.rezgar.com/m.asp?i=570
2. http://www.afka.org/Salam%20Kuba/SalamKuba.htm
3. http://www.al-nnas.com/ARTICLE/SKuba/index.htm

8/4/2008