الرئيسية » مقالات » باليه (كوستاف الثالث) عرضٌ راق لفنٍ راق

باليه (كوستاف الثالث) عرضٌ راق لفنٍ راق

– ستوكهولم-
أفتتح ملك السويد في بناية الأوبرا الملكية في ستوكهولم باليه كوستاف الثالث، يوم 28 آذار 2008م في عرض فني راق أخاذ، ورغم أننا شاهدنا عرضا حياً أمامنا إلا أنه ومن جمال وروعة بل عبقرية الإخراج ودقة العرض تحس وكأنك تشاهد فلماً أو عرضاً سينمائيا من أفلام الخيال. وتعتبر بناية الأوبرا الملكية في ستوكهولم بذاتها تحفة فنية ومعمارية نادرة.
لقد شاهد بعضنا عروضا للباليه ولو من خلال شاشة التلفزيون، وربما يتبادر فورا للذاكرة باليه بحيرة البجع الروسية التي كانت طفرة في عالم هذا الفن الراقي، لكن من يشاهد عرض باليه (كوستاف الثالث) سيدرك مدى التطور النوعي والكبير الذي حصل لهذا الفن حيث أمتاز العرض بالتقنية العالية سواء باللوحات الرائعة التي تداخلت أو في العرض والرقص الجماعي الذي أداه حوالي خمسين راقصاً وراقصة وبالحركات الصعبة والرشيقة، والمفاجئات العديدة في الشاشات التي حواها المسرح وكأننا أمام صالات عرضٍ عديدة وليس أمام خشبة مسرح واحدة، كما تحس بعذوبة الموسيقى وتداخلها العميق مع الحركات الرشيقة.
باليه كوستاف الثالث حوى فصلين، الأول مؤلف من خمسة مشاهد والثاني من أربعة، أستغرق العرض حوالي الساعتين، عرض بشوق تسلسل الأحداث، بعرض مليء بالفتنة والسحر، فرقص الباليه هو لغة الجسد ويعتبر أرقى أنواع الرقص في العالم، لما فيه من سمو وأناقة روحية .. وخفة الحركة كالفراشة. ففي كل لوحة من لوحات العرض تجد عدة عوالم لكنها تتداخل مع بعضها البعض بصورة انسيابية رائعة لتحكي لنا قصة وأحداث فترة حكم الملك كوستاف الثالث الذي أحب الثقافة بشكل عام والباليه بشكل خاص، فتجسدت في العرض كل الأحداث والخفايا التي كانت تدور في تلك الفترة العصيبة والصعبة سواء للسويد وللعائلة الحاكمة، فكان التاريخ أمامنا بصوره الكاملة وبتداخلاته وتعقيداته ترويها حركات الفنانين المختلفة. حكايات عن التآمر الذي يجري في البلاط الملكي الذي ينتهي باغتيال الملك في حفلة تنكرية حيث تدخل مجموعة من الملثمين لتنفيذ الجريمة، عشنا صور الحب، ونبض العشق من خلال الحركة والموسيقى الخلابة، فالحركة هي التي تفصح عن الأفكار وتعبر عن الشخوص والذوات. كما تميزت الأزياء بدقة وجمال التصميم مع رشاقة الحركة رغم صعوبة العرض وطوله مما يؤكد الجهود الكبيرة التي بذلت في التدريب ومدى الإتقان الذي وصلت إليه الفرقة. أبدع الجميع في إنجاز هذا العمل الذي جسد فيه دور الملك كوستاف الثالث الراقص أولوف ويسترنك، ودور الأميرة صوفيا ماجدلينا الراقصة يوركيتا درونينا، ودور الملك كوستاف الرابع مثله سايشايس كراندن، مع نخبة من الفنانين الآخرين، الموسيقى كارل ماريا فون ويبر ويوسف مارتين كراوس، وكانت الفرقة الموسيقية بقيادة أرمانو فلوريو والمايسترو توماس كوستافسون. وتصميم المسرح وأدارته والديكور اليزابيث أوستروم، أما تنفيذ الرقص والحركات فقام به من باتريس بارت وبمساعدة كلاودة دي فولبين.


الملك السويدي كوستاف الثالث (1746-1792)

والباليه هو رقص ذو تقنيات عالية، رقص أكاديمي له قواعد ثابتة في العالم كله وتدريبات خاصة ويشمل الموسيقى والتمثيل وحتى الغناء أحياناً، وقد يمارس البالية منفردا بعروض خاصة، أو في الأعمال الأوبراليه الكبيرة ذات التقنية الدقيقة، من خلال الرقصات والحركات الجماعية الرشيقة، ويتطلب خفة الأقدام ودقة الحركة، وتتميز رقصات الباليه عن بعضها في طبيعة الحركات والأزياء المميزة، وله قواعد أساسية يتطلب إتقانها.
يعود الفضل لظهور كلمة باليه لدومنيكو دي بياشينزا (1390-1470)، عندما أستخدم كلمة بالو، بدلا عن دنسا (أي الرقص)، وأن أول عرض باليه هو ما قدمه بالتازار دي بوجويولكس، في عرضه باليه كوميك دي لا ريني (1581) في ايطاليا. ورغم أن فن الباليه الذي نشأ في عصر النهضة في البداية في إيطاليا، لكنه تطور نوعيا من خلال الباليه الفرنسي باليه دوكو، حيث أديت الرقصات بشكل راق، مصحوبة بالموسيقى، مع الحوار و الشعر و الديكور المميز والأزياء الأنيقة.
بدأت الباليه في التطور في فرنسا، أثناء حكم لويس الرابع عشر الذي كان مهتما بالرقص والفنون الأخرى، لكن الباليه واجه فترة انحدار في بداية القرن السابع عشر، رغم إنشاء الأكاديمية الملكية للرقص التي تعرف بأوبرا باريس للباليه في 1661.
تطورت تقنية الحركة و أصبح البالية فنا متطورا في القرن الثامن عشر، وكذلك فن الأوبرا. كما شهد الباليه تحولا كبيرا في القرن التاسع عشر، نتيجة التحول الاجتماعي، حيث كانت الطبقة الأرستقراطية مهتمة في جميع مظاهر الحياة، فظهرت الباليه الرومانسية ونشأت تقنيات جديدة على يد راقصات الباليه مثل ماري تاليوني وفاني إليسلير، و قام بعض الأساتذة مثل كارلوس بلاسيس بتعليم قواعد الرقص الأساسية والتي لا تزال تستخدم حتى اليوم، كما واجه فن الباليه بعد ذلك بعض التراجع إلا أنها ضلت مزدهرة في الدنمارك وروسيا بفضل اوغست برونونفالي، جوليس بيروت، وماريوس بتيبا.
وفي القرن العشرين وبعد الحرب العالمية الأولى، قامت العديد من الفرق الروسية الخاصة بتنظيم جولات في أنحاء أوربا مما ساعد على ازدهار هذا الفن مرة أخرى.
يركز الباليه الكلاسيكي كثيرا على الحركة و طريقة تنفيذها وإتقانها، فتتلقى الفتيات والفتيان منذ الصغر تدريبات صارمة في الرقص لتطويع مرونة الجسد ولتقوية الساقين ولإتقان تعابير الوجه، ولكل حركة في الباليه أسم، كما أصبحت هنالك مدارس للباليه على ضوء أسم الدولة التي تميزت مدرستها به كالباليه الروسية والباليه الفرنسية والباليه الإيطالية…الخ.
أما طرق الباليه فقد سميت على أسماء الأساتذة الذين صمموها مثل طريقة فاغنوفا، نسبة إلى أغريبينا فاغنوفا، طريقة بلانشيني، من جورج بلانشيني، و طريقة كيتاشي، من أنريكو كيتاشي. كما أن هنالك كتابا متخصصين بكتابة القصص للباليه وتصميم الرقصات والحركات على ضوئها.
وللباليه عدة أقسام منها، الباليه الرومانتيكى الذي يصور ويجسد الأساطير والخرافات بحركات الرقص. وباليه الأوبرا الشبيه بالمسرح مثل باليه الأسيرات في أوبرا عايدة. وكذلك الباليه الحديث، وهو من ابتداع الفنانين الروس الذين قاموا بأختيار الألحان والمؤلفات الموسيقية الرائعة لكبار الموسيقيين وصمموا لها رقصات تنسجم والنغمات الموسيقية.
ورغم أن الصين أهتمت بشكل متأخر بفن الباليه، هذا الفن الأكثر أناقة لكنها حاليا لديها أكثر من 300 راقص وراقصة باليه متخصصين وخمسة فرق باليه تعتمد في بقائها على الدعم الحكومي المخصص لقطاع الثقافة بالإضافة إلى الدخل الذي تحصل عليه من تقديم العروض.
ولديها معهد بكين للرقص ومعهد شانغهاي للرقص اللذان يوجد بكل منهما قسم للباليه، ويتبعهما مدرستان ثانويتان لإعداد النشء، وبعض الجامعات والمعاهد الفنية العالية الأخرى، كمدرسة رونليانغ لفن الرقص في بكين، وهي مدرسة فنية أسست في عام 1997، أشهر من اعتلى مسرح الباليه من الراقصات الصينيات تشونغ رون ليانغ.

* الصور من صفحة الباليه الملكي السويدي. www.operan.se