الرئيسية » مقالات » الايزيدية،الحجارة والتاريخ!

الايزيدية،الحجارة والتاريخ!

لا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن شعب كوردستان،يعد من أكثر شعوب العالم الذي تعرض تاريخه إلى هذا القدر من الاغتصاب و التشويه والتحريف المتعمد وبنية سيئة وعن سابق وعي وتصميم.وإذا كان هذا الكلام وبناء على الكثير من المعطيات والحقائق التاريخية صحيح ومنطقي للغاية بالنسبة لعموم الشعب الكوردستاني،ولكن نصيب أخوتنا الكورد الايزيدية كان ضعفين و حتى أكثر.
وهنا نتذكر قول المؤرخ الفرنسي العبقري جوستاف لوبون الذي قال: “لو نطقت الحجارة لكان التاريخ مجرد كذبة كبرى” ونقول بدورنا لونطقت أحجار قصر nûşê can الملكي الميدي وأعمدته المخبأة تحت مدينة همدان الحالية،فضلا عن آثار آشوكاني في سري كانيه وكري موزا،ومعبد النبي هورو في كورداغ وçiyayê şermola في عامودا واللوحات الأثرية من ضواحي بحيرة وان وجدران كهف شانيدر وأثار مدينة أميدي[ ميديا] في جنوب كردستان وقلعة ديار بكر لكان تاريخ تلك الشعوب التي تحتل وطن الكورد مجرد أسطورة لاأكثر!وعلى هذا النحو فقد تطاول بعض المؤرخين من أمثال المسعودي في مروج الذهب [ والأصح هو مروج الكذب] على ماضي الشعب الكوردستاني،حيث لجأ إلى ارجاع أصل الكورد إلى قبيلة بني ربيعة العربية تارة وإلى الجن تارة أخرى.ونافسه في ذلك بعض المؤرخين الأتراك العنصريين بوصف الكورد بأتراك الجبال،أما المؤرخ الفارسي المتعصب ياسمي فيدعي زورا ودجلا أن الكورد هم فرس أقحاح!.يتم كل هذا الإفتراء والتأويلات المغرضة للتاريخ من منطق أن المنتصر هو الذي يكتب التاريخ ويحدد سيرته!،ولكن على الرغم من أن الحجارة غير قادرة على التعبير عن مكنوناتها بواسطة النطق،بيد انها تخبرنا الكثير من الأسرار والمعلومات التي أخفاها الغزاة في مختلف الأزمنة.فهذه المحاولات الخبيثة والإعتداءات المتكررة على تاريخنا،وبحسب تعبير المؤرخ الكوردي الفذ د.أحمد الخليل: جزء من ظاهرة تاريخية طويلة الأمد،وخطيرة النتائج؛ألا وهي حرص جهات اقليمية،في غربي أسيا،وبتخطيط مسبق،على تغييب التاريخ الكوردي منذ ألفين وخمسمائة عام،رغبة منها في طمس وجود هذا الشعب،والرمي به خارج التاريخ البشري،بل خارج الكرة الأرضية.وبعد هذه المقدمة المقتضبة ليس من الغرابة أن نجد بعض الكتبة والمتطفلين على التاريخ،الذين يدعون زورا بأن الايزيديين طائفة ضالة،ذات جذور عربية أموية وبالتحديد يزيد بن معاوية،عبدة الإبليس،ملحدين،وأن الشيخ آدي هو من أصل أموي [بينما الحقائق تقول انه كردي أبا عن جد ومن منطقة هكاري في شمال كردستان بالذات]وغيرها من الأباطيل والخرافات البعيدة كل البعد عن الموضوعية والعلمية في تدوين التاريخ.لسنا بصدد الخوض والدراسة التحليلية في الماضي الغابر للديانة الايزيدية وبداياتها الأولى،فهي مهمة المؤرخين والمتخصصين في نشأة الأديان وتكوينها،بل سوف نتطرق إلى بعض الأمور الجوهرية من وجهة نظرنا،التي من شأنها شرح بعض جوانب هذه الديانة الكردية الأصيلة.
بعض خصائص الديانة الايزيدية العريقة.
1- يرجع أصل الكورد الايزيديين وجذور هذه الديانة التي خرجت من رحم المجتمع الكوردستاني وحسب وجهة نظرنا[ وهي تحتمل الخطأ والصواب] إلى العهد الميتاني وقيام الإمبراطورية الميتانية في العام 1500 ق.م وعاصمتها كانت آشوكاني aşûkanî ونجد ترجمتها في اللغة الكردية فقط وليس غيرها وتعني: المطحنة والنبع. ومدينة سري كانيه في غربي كردستان بينابيعها الغزيرة شاهدة حيةعلى ذلك. فالوثائق التاريخية تحدثنا أن اسم الإمبراطورية كان ميتاني،بينما الشعب كان يسمى ب الهوري.وحقيقة أن الهوريين هم أجداد الكورد لايحتمل الشك،فهاهي منطقة هورامان في كردستان الجنوبية مازال يحمل نفس الأسم،وقبائل Gelhor أي شعب الهور[ و بعضهم يكتبها خطأ كلهور] مازالت تعيش بين ظهرانينا،ومن يريد زيارة جبل الكورد،كرداغ[عفرين] وزيارة معبد النبي هورو سوف يتأكد من ذلك بأم عينيه.وأسماء متين ومتيني[ سلالة متيني الكردية الشهيرة] شائعة في كافة أجزاء كردستان ولاسيما في الأجزاء الشمالية والغربية منها.
2- ربما اعتقد البعض أن جبل شينكال،سنجار Chingal أوShingal، مجرد اسم اطلق على تلك المنطقة الجبلية المسكونة بالكرد الايزيديين! وهذا خطأ كبير ومعصية بحق هذه الشريحة الكبيرة من شعبنا الكوردي.وهنا لابد لنا من الاستشهاد بدراسة المؤرخ النرويجي القدير هارالد هآرمان:معجم الشعوب التي بادت، حيث يقول: أن مملكة الميتانيين كانت تسمى أيضا ب Chanigal bat ،أي بلاد الهوريين وأول حاكم لهم حمل اسم باراتارنا وبدأ حكمه في سنة 1480ق.م الذي وسع حدود امبراطوريته حتى مدينة حلب الحالية.ويضيف قائلا: كان الملك توشراتا الذي حكم في القرن الرابع عشر ق.م من أشهر ملوكهم.وأكثر النساء الميتانيات جمالا وشهرة كانت نفرتيتي [هاهي الجميلة قادمة] وهي ابنة الملك توشراتا( 1).
3- فهذه المرأة الميتانية الرشيقة والذكية جدا،دخلت التاريخ البشري [ تمثالها النصفي مازال موجود في المتحف المصري في برلين] ليس من باب الجمال والأناقة أو بصفتها زوجة الفرعون أمينوفيس الثالث [ملك الشمس] وبعد وفاته انتقلت بصفة زوجة إلى ابنه أمينوفيس الرابع والذي اتخذ فيما بعد لنفسه لقب أخناتون فقط،بل انها أثرت على زوجها واقنعته بجعل الديانة التوحيدية أي عبادة إله واحد ديانة رسمية وترك عادة تعدد الألهة. وابنة نفرتيتي أنخيسين باتون التي تزوجت فرعون توت عنخ آتون لعبت أيضا دورها في الحفاظ على الديانة التوحيدية لفترة طويلة،حتى قيام الفرعون توت عنخ آتون بإلغاءها وغير اسمه إلى توت عنخ آمون.
4- إذا الكرد الايزيديين اليوم هم أحفاد الهوريين أحد أجداد أو أفخاذ الكورد القدماء ويعود لهم الفضل وبدون وساطة الرسل الأهتداء إلى وجود الخالق الأوحد وعبادته بدلا من تعدد الألهة[ومن هنا تسمية أيزدية]. أزدا Ezda,yezdanأي الإله الخالق.
5- سمى الفرعون أمينوفيس نفسه بملك الشمس،تقديرا واحتفاء بزوجته الميتانية[ الهورية] نفرتيتي والتي كانت تؤمن بديانة توحيدية وللشمس كرمز للإله،بل انها روح الإله والحياة والدفءوالمحبة مكانة كبيرة في عقيدتها الروحية،كما نجدها إلى يومنا هذا لدى أخوتنا الايزيديين.ومن يدعي أن الايزيديين يعبدون الشمس،يجانبون الصواب،فالشمس وكما عبر عن ذلك وبكل صدق د. زهيركاظم عبود: تعني عندهم شيء مقدس يستمد قدسيته من القدرة الالهية في ديمومتها وعطائها للطبيعة والبشرية والوجود بشكل عام(2).
6- دون شك هناك تأثيرات وملامح بابلية و سومرية في الديانة الايزيدية،بحكم التجاور،ولكن إذا عرفنا أن السومريين هاجروا من جبال كردستان إلى جنوب العراق وهم شعب آري وليس سامي والكلمات السومرية مثل:Kal أوP î r التي نجدها لديهم بصفة مرتبة تطلق على رجال الدين القائمين على الطقوس والشعائر الدينية،هي كردية صرفة ولا تنتمي إلى لغة أخرى.
7- الايزيدية والزردشتية ديانتين كرديتين دون شك،حيث ظهرت الأولى في العصر الميتاني أما الثانية في العصر الميدي.ولكن حسب المعطيات والمعلومات التاريخية تعد الايزيدية أقدم من الزردشتية التي ظهرت مابين القرن السابع والسادس قبل الميلاد.
8-بعد مؤامرة كورش –هارباك [Gûhreş-Harpak] ضد آخر ملوك الميديين أستياك في العام 549ق.م وانتقال السلطة إلى الفرس عن طريق الغدر والخديعة افرغت الديانة الميدية من جوهرها القومي وتحولت إلى أداة لتكريس هيمنة الفرس وتبرير حروبهم التوسعية ضد الشعوب المجاورة.بينما احتفظت الديانة الايزيدية بطابعها القومي الكوردي سواء من حيث لغة الصلوات أو الطقوس والعادات والتقاليد.
-9تحولت الديانة الايزيدية وعلى مر التاريخ الكوردي العاصف والدموي إلى حاضنة للغة والتراث الكرديين، فلغة الصلاة والطقوس وكافة الأعياد والمناسبات هي لغة كردية خالصة تستمد جذورها من العصر الهوري-الميتاني وإلى يومناهذا. هناك حقيقة ذات دلالة بالغة،الا وهي أن البعض من هذه المناسبات تعد حصيلة أو ثمرة نتاج الأساطير والأعياد الكردية-التراثية القديمة،ولكن الايزيدي ظل متمسكاً بها بالرغم من عدم علاقتها بالمعتقدات الروحية الايزيدية،الا انها بقيت كجزء مهم للغاية من تراث وطقوس الايزيدية عموما، والبعض منها مايتعلق بديانتهم وتراثهم والجزء الآخر له صلة بأعرافهم الاجتماعية الخاصة بمجتمعهم حيث حرصوا على أستمرارها وتطويرها وجعلها تنسجم مع روح العصر والتكيف معه.وقد صدق الباحث الكوردي الايزيدي السيد أبو آذاد عندما قال: تراثنا مرتبط بوطننا لانستطيع عمل أي شيء بدون الوطن، فلا قيمة لنا من دون تراثنا ووطننا(3).
10- هناك بعض الأمثلةالتي تدل وبكل وضوح على الطابع القومي- الكوردي للديانة الايزيدية ودورها في صيانة وحماية تراثنا من الضياع والتلف.دعونا نقتبس بعض المقاطع من صلاة الفجر لدى أخوتنا الايزيدية:
Bi navê yezdanê pak yê dilovan û Mêhreban
…………………………..
Tu hem derdê, hem dermanê, hakimê şah û gedayî!
Ya Rebî tu padîşahê,ers û kursî, xaliqê ga û masî!
Ya Rebî bi xatirê navê xwe ke, halê kurdistanê û êzîdyên, rojhelat û rojava bi Pirse!(4)
فالفرق كبير جدا وواضح بين الانسان الكوردي الذي يصلي ويمارس الطقوس باللغة الأم والذي يمارسها باللغة العربية ولايحتاج إلى مزيد من الذكاء والدهاء للخروج بنتائج معينة.
11- ارتكب المؤرخون والكتاب الكورد [ بما فيهم كاتب هذه الأسطر]، ماعدا استثناءات قليلة جدا خطأ جسيما وفادحا من جراء عدم اهتمامهم ولأسباب معروفة لدينا بالموروث الديني-الثقافي للايزيدية وكتابة دراسات وابحاث عن عاداتهم وطقوسهم الأصيلة التي تعد جزء لا يتجزأ من تراث شعب كردستان.
12-كافة المذابح والإبادات الجماعية بحق الكورد الايزيدية بعد سقوط صدام الفاشي والتي حدثت في جبل شينكال وضواحي الموصل ارتكبتها عصابات استخبارات النظام الديكتاتوري السوري العفلقي بالتعاون مع العناصر الصدامية،الحاقدة في الحكومة العراقية المركزية،بهدف اخلاء الجانب العراقي من الكورد،أما الجانب السوري فمذابح قامشلو المتكررة في 2004 و2008وإقامة مستعمرات جديدة في منطقة ديريك الكوردية، كفيلة بتطهير واخلاء المنطقة من أحفاد الهوريين والميديين وفقا لمخطط عراب النازية السورية طلب هلال.
الخلاصة.
وبناء على ماقيل أعلاه تعد الديانة الايزيدية ديانة كوردية بلا جدال وهي من الديانات التوحيدية الأولى في المنطقة ولا علاقة لها مطلقا بتلك الخرافات والخزعبلات التي ينشرها أعداء حرية الكورد وكوردستان عن هذه الديانة السمحاء ومحاولاتهم العقيمة في سلخ الايزيدية عن جسم الأمة الكوردية وربط الايزيديين بشعوب وديانات أخرى.لدينا صلوات الايزيدية بالكوردية والعربية ولم نعثر فيها على أي شيء يدل على عبادة الايزيديين لغير خالق السموات والأرض.والديانة الايزيدية لعبت بلا جدال وما تزال دورا كبيرا في الحفاظ على الهوية القومية والثقافية الكوردية وتطويرها،ومن هنا يجب أن تكون مبعث فخر واعتزاز لدى كافة المثقفين والكتاب الكورد الوطنيين والبدء بالبحث في بطون الكتب،وماأكثرها في المكتبات الأوربية والأمريكية، بهدف كتابة دراسات علمية موضوعية ومن وجهة نظر كوردية عن الايزيدية والايزيديين وتاريخهم الحافل بالمآثر والبطولات و على كافة الأصعدة وفي مختلف المحطات التاريخية في سبيل الوجود الكوردي والدفاع عن وطنه كوردستان.
*د. آلان قادر حقوقي وكاتب كوردستاني.نيسان 2008
1-Harald Haarman, Lexikon der untergegangenen Völke. Von Akkaden bis Zimbern.München2005
-2د.زهير كاظم عبود مقالة نشرت في موقع:مكتب شؤون الايزيدية في 2005
3- مقابلة للصحفي السيد نادر دوغاتي مع الباحث الكوردي أبو آزاد، نشرت في موقع حكومةاقليم كوردستان بتاريخ 15.11.2007
4-Nivêjin êzîdiyan
Ktêbxane Hawarê Nr.5,şam 1933

تهنئة: بمناسبة قدوم رأس السنة الايزيدية çarşema sor في الأسبوع القادم أقدم أحر التهاني وأسمى التبريكات لشعب كوردستان عامة والأخوة الايزيديين خاصة،متمنيا لهم وحدة الصف والكلمة،الخير والسعادة والسلام وتحقيق مطالبهم العادلة في الإنضمام إلى أقليم كوردستان.