الرئيسية » مقالات » بناء القوات المسلحة العراقية على أسس وطنية

بناء القوات المسلحة العراقية على أسس وطنية

كشفت طبيعة المعارك الدائرة بين القوات الحكومية ومليشيا جيش المهدي عن خلل كبير في بناء هذه القوات،وانحيازها الى جانب العصابات المسلحة ،لأن بنائها جاء على أسس خاطئة بعيدة عن المقاييس العسكرية الوطنية التي عليها جميع جيوش العالم،فالعراق الجديد كما يعلم الجميع قد أتبع آليات جديدة في قبول المتطوعين لا تخضع لأي اعتبارات وطنية أو مهنية،حيث يجري تكليف الأحزاب الطائفية باختيار المتقدمين لأشغال الوظائف العسكرية بمختلف الرتب،ورغم أن الفساد المالي هو المعيار في هذه الاختيارات ،فكل من يستطيع الدفع بالعملة الصعبة يكون له الحظ الأوفر في القبول وقد وضعت أسعار لكل رتبة أو درجة عسكرية،وأسعار وزارة الدفاع تختلف عن أسعار الداخلية فيما تكون أسعار منتسبي الأمن الوطني أكثر لطبيعة هذا العمل وما يدره من أرباح على العاملين فيه،بما لهم من امتيازات وسطوة على المواطنين،وقد قامت الجماعات الطائفية بتجنيد منتسبيها في قيادات الجيش والشرطة رغم أن هؤلاء لا يملكون أي مؤهل علمي يتيح لهم الوصول الى هذه الرتب ،وأصبح بفضل الأحزاب الدينية الأمي عقيدا في الجيش العراقي وأميرا للواء من المقاتلين،فيما منح آخرين رتبا أدنى وكلفوا بمهام حفظ الأمن ي المدن العراقية رغم أنهم مدنيون يجهلون أبسط الأجراآت القانونية ولم يعملوا سابقا في سلك الشرطة،بل أن مساومات خفية تجري بين المتقدمين من منتسبي الجيش السابق على الارتباط بهذه الجهة أو تلك رغم أن هؤلاء كانوا من ضباط العهد القديم المعروفين بتجاوزاتهم على المواطنين،ولكنهم يزكون من قبل الأحزاب السلامية التي تشتري ولائهم مقابل دخولهم في الجيش،والكثير من ضباط الجيش والشرطة في الوقت الحاضر من المزورين للشهادات المدرسية،أو البعثيين السابقين الذين دخلوا في دار أبي سفيان فأمنوا مستقبلهم في العودة الى الواجهة من جديد.
وقد كشفت معارك البصرة والمدن الوسطى والجنوبية حجم التردي الذي وصلت إليه هذه القوات ،ومدى قدرتها على أداء واجباتها ،حيث قام الكثيرون منهم بالتمرد والانضمام الى العصابات الإجرامية المرتبطين بها،وعبروا عن ولائهم الكامل لقياداتهم السياسية،ومنهم ضباط يشغلون مراكز مهمة في قيادة الوحدات العسكرية،فيما قاتل الضباط الموالين للأحزاب الأخرى لا أيمانا بأداء الواجب أو دفاعا عن الوطن،ولكن امتثالا للأوامر الصادرة من قياداتهم الدينية التي يرتبطون بها ويستلمون تعليماتهم منها،وفي الوقت الحاضر فأن أحزاب الإسلام السياسي قد تقاسمت النفوذ في الأجهزة الأمنية،وأصبح لكل حزب منها حصته المعلومة في قيادتها ومنتسبيها،وقد قام رئيس الوزراء العراقي بتجنيد عشرة آلاف عنصر دون إخضاعهم لأي اختبار أو فحص أو تحري عن ارتباطهم بهذه الجهة أو تلك أو مدى أخلاصهم لما انتدبوا له من مهام،بعد أن تخلت القوات الموالية لجيش المهدي وانحازت الى جانب المقاتلين لقوات الدولة،ويعتقد أن اختيار هؤلاء تم استنادا الى اتفاقات مسبقة مع رؤساء القبائل العراقية ،ليكون ولائهم لمن أسهم في إدخالهم في صفوف الجيش.
والآن كيف لنا بناء قوات عراقية حقيقية لا ترتبط بهذه الجهة أو تلك ويكون ولائها لوطنها ،بدلا من ولائها الطائفي أو الحزبي،ومن يضمن أن هؤلاء لا يكونون في المستقبل أداة للقمع تستخدمها هذه الجهة أو تلك في حل منازعاتها مع أعدائها من الأطراف الأخرى،وهل يمكن في ظل الجهات الحاكمة بناء جيش وطني بعيد عن الانحياز لهذا الحزب أو ذاك،أن الواقع المأساوي يبين دون أدنى شك أن الكثير من القوى الأمنية قيادات ومراتب لا تلتزم بالأوامر الصادرة من المؤسسة الحكومية وتدين بالولاء لأحزابها التي أوصلتها الى هذا المركز أو ذاك،مما يستدعي السعي لبناء جيش جديد يعتمد المهنية والحس الوطني بدلا من العناوين الجديدة التي فرضتها الهيمنة الحزبية لقوى الإسلام السياسي،وأن ما يجري من معارك الآن لا تعدو أن تكون صراعات بين الأحزاب السلامية يدفع ثمنها الشعب العراقي الذي غيب نهائيا وسلبت عنه أرادته الوطنية الحرة،وأصبح منقادا بدون شعور خلف عناوين براقة متوقعا منها الخير والرفاهة،،وإذا قيض لطرف من الأطراف الانتصار في هذه المعركة،فسينجر الجيش من جديد الى معارك جديدة لتصفية الحسابات بين القوى الدينية التي اتفقت الآن على إنهاء القوة الكبيرة لمقتدى الصدر،وأن الأيام القادمة كفيلة بإثارة صراعات جديدة بين القوى المتحالفة الآن ،مما سيجر البلاد الى أتون حرب لا ناقة له فيها ولا جمل،وهو تنفيذ لمخططات خارجية ترتبط بها هذه الجهات جميعها،ولكن لكل منها دوره المرسوم في إشاعة البلبلة وعدم الاستقرار،لتكون الأرض العراقية ميدان لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة على الهيمنة والنفوذ،وأن ما يجري في العراق الآن لا يعدو حربا قذرة لقوات الاحتلال الأمريكي مع إيران،ليكون العراق غنيمة باردة للمنتصر من هاتين القوتين.
أن معركة البصرة لم تكن ذات أهداف وطنية معروفة،بل تخفي ورائها الكثير من الأجندات الواضحة التي تهدف الى إنهاء نفوذ التيار الصدري وحزب الفضيلة ليتمكن المجلس الأعلى الإسلامي وواجهاته الأخرى من الهيمنة على مدينة البصرة الميناء العراقي المهم ورئة العراق على الخليج،لأن البصرة هي المحافظة الوحيدة التي تقع ضمن سيطرة أحزاب بعيدة عن المجلس الأعلى رغم أن المتصارعين جميعا يرتبطون بطريقة أو أخرى بسيدهم النظام الإيراني ،وأن الصراع هو لإثبات أي الأطراف هو الأقوى وهو الأحرى بتمثيل سيده الكبير،وأن إيران تحاول من خلال أثارة هذه المعركة أرغام الأمريكان على التفاوض معها وفق شروط تستطيع من خلالها تمرير برنامجها النووي والحصول على حصتها من الكعكة العراقية الدسمة.
ولكن كيف يتم بناء جيش وطني بعيدا عن الانتماء القومي والطائفي،هذا ما على القوى الوطنية السعي لتنفيذه والوقوف بوجه المخططات الشريرة للأحزاب الحاكمة في العراق التي تحاول فرض دكتاتوريتها المقيتة تحت واجهات أسلامية ظهر زيفها للجميع.