الرئيسية » مقالات » ما لم تقله وفاء سلطان .. 2..

ما لم تقله وفاء سلطان .. 2..

يا امة أرهبت بجهلها الأمم!!.. عذرا للمتنبي، فكانت الأمم تفرح في زمانه، قبل ألف عام، عندما كانت ترى أمة غبية من السهل استغلالها ماديا و معنويا، و لكن عالم اليوم مختلف تماما عما كان في القرون الوسطى، و قبلها أيضا في الأزمان الغابرة حيث أجدادنا (العظام) الذين بنو القصور بجماجم العبيد و الفقراء و الفلاحين الأميين البسطاء التي نفتخر بعظمة تلك الآثار صباح مساء!.

نحن اليوم ندري ما كان يجول في تلك العقول، و ما كان القصد من وراء ( حضارتهم) التي اعتمدت على إنقاذ شعب من الفناء على حساب بقية الشعوب، و حالما كان الشعب المنتصر يستقر في المكان المحتل و ينتعش اقتصاده قليلا، يقوم شعب جائع آخر بمهاجمة الدخيل و هكذا دواليك، و مع تلك الإجرام و المذابح البشرية كانت لكل قوم ميثولوجيا دينية يدعي بأنه تسلمها من ألهته لكي تكون بمثابة قانون في أدنى صوره، لتنظيم أمور البلاد و (العباد)، و قبل هذه المرحلة التاريخية كانت الآلهة آدميين!، و قبلها كانت ((المرحلة المشاعيّة البدائية)) التي يعتبر بلاد ما بين النهرين ((ميزوبوتاميا)) من أهم ساحاتها، حين حكمت المرأة فيها الرجال و نظمت أمورهم و بعكس اليوم.

سوف تأن البشرية تحت كابوس ميثولوجيا الأديان طالما بقي تأثير تفاعل أفكار شيخ كالشعراوي أو القرضاوي أو بن لادن أو غيرهم من شيوخ الإرهاب تخرّب عقول النشء الجديد، لان عالم اليوم أصبح مختلفا و صغيرا جدا.

لا جنس أو عنصر أو دين أو مذهب أو حزب سيستطيع الادعاء بعد الآن على أنه الأحسن ، فالجميع متساوون كأسنان المشط، و لا يستطيع أحدا أن يدعي غير ذلك، إلا المصابون بلوثات عقلية من جراء مواعظ رجال الدين الذين تتقطر البغض و الكراهية و الحقد الأعمى من كلماتهم كالسم الزعاف، لتسمم نسلهم أولا و بقية خلق الله ثانيا.

و الواجب علينا هو مراجعة أفكارنا، و التواصل المستمر لشحذها و تجديدها و إصلاحها و كنس الأدران التي تعلقت بأذهاننا، و هذا ما فعله و تفعله المتحضرون أفرادا و جماعات، و يعترفون بمذابح الماضي، فتراهم يقرّون بالجرائم التي كانت أجدادهم (أبطالها)، و بعدها يقدمون الاعتذار تلو الاعتذار للضحايا، مراعاة لمشاعرهم الإنسانية و لكي لا يشعرون بالدونية مستقبلا.

بتلك الاعتذارات المقدسة ينزلون من أبراج الاستعلاء بمحض إرادتهم، لأنهم بشر أسوياء و هدفهم المبارك هو معانقة ضحايا أسلافهم و تشجيعهم على التعاون المشترك لتخليص كوكبنا من الآفات الاجتماعية، التي تبلغ جسامة خطورة فيروساتها حدا تفوق القنابل الهدروجينية مجتمعة، و التي ما زال الإسلاميون يمتلكونها عن غباء.

إن العقول التي قامت بالثورة التكنولوجية الحديثة، لا يمكن مقارنتها بأدمغة أجدادنا أصحاب محمد، علما أنهم كانوا أذكياء زمانهم، لأنهم وحدوا العرب على كلمة واحدة لكي يكفّوا عن مقاتلة بعضهم البعض و وجهوهم لغزو و احتلال أراضي الشعوب المجاورة، و لولا ذلك لانقرضت الأعراب في متاهات هضاب الحجاز و صحاري الربع الخالي من الجزيرة العربية، فبمقاييس تلك الأزمنة و وفق عقولهم آنذاك، إضافة إلى مستوى تطور البشرية حينها، لا تعتبر تلك الفتوحات شيئا استثنائيا قاموا بها لوحدهم، فجميع المجاميع البشرية، و كما قلت سابقا كانت تفعل ذلك مع الاختلاف في درجات الإجرام، و ذلك حسب التراث القديم للمجموعة و البيئة التي كانت تعيش فيها و درجة تحضرها و مدى حاجتها الاقتصادية لامتلاك أراضي الغير.

بما إن بدو الصحاري كانوا من أجهل شعوب الأرض، و اقلهم حظا في استعمال أدمغتم و ذلك لموانع بيئية و مناخية و حضارية و اقتصادية، ففصّلوا إلههم حسب طريقة تفكيرهم و استيعابهم لمعاني الخير و الشر، و لكن على الرغم من ذلك لا اتهم فكر محمد بالتقصير في الإبداع و قدرة خلق إنسان جديد، لأنه تمكن بحنكته و عبقريته قراءة أحداث زمانه بفطنة و ذكاء متناهي و استطاع السيطرة على معظم الجزيرة العربية و يعتبر ذلك الانجاز لرجل أمي كان فقيرا، و لا يمتلك أية حضارة و مدنية و مؤسسات دولة و غيرها، من خوارق ذلك الزمان.

إن أهم الأسباب التي شوهت رسالته كثيرا فيما بعد، و حرّفها عن مسارها التاريخي الصحيح، و شرذم المؤمنون بها، هو نفاق غالبية أتباعه المقربين و خاصة القرشيين منهم، فبنوا أميّة تحديدا كانوا من اشد تلك المنافقين مكرا و جحودا، فتحدوا نبيهم في حياته، و خانوا رسالته بعد مماته، ليقضوا بشكل شبه تام على الجزء الإنساني من الرسالة المحمدية!، و أول صحابي جليل فطن إلى هذا الأمر الرهيب و أدرك بسعة عقله المتوارث من بيت النبوة، هو الإمام على بن أبي طالب، لذلك أصبح هدفا لأشراف قريش و لم يهدا لهم بالا إلا بالقضاء عليه و أهل بيته، بقتلهم و ذبحهم و سبي نسائهم و أطفالهم و مصادرة أموالهم و أرزاقهم و التمثيل المخزي بأجسادهم و الاعتداء على شرفهم و تدنيسها!، و كلها بموجب الشرع و قانون ذلك الزمان الغابر و حسب تفسير آيات من القران بعد التخلص حرقا من مخطوطات كثيرة لذلك الكتاب المقدس!، و لكونها لا تكفي لتبرير كافة جرائمهم، قاموا بالتحدث على لسان رسول قد مضى نصف قرن على وفاته حينذاك، و استرسلوا في صناعة الحديث! بعد ذلك أيضا!، بفضل وعاظ تجردوا من كافة مكارم الأخلاق لحساب جيوبهم المترهلة و بطونهم المتكورة و وجوههم المكتنزة شحما و لحما على حساب فقراء الأمة العربية و الإسلامية الذين كانوا لا حول و لا قوة لهم بعد تحميرهم و تسفيهم و جعل حياتهم في رعب و خوف و ترهيب دائم لكي يتحكموا بالسيطرة المطلقة عليهم، بالتعاون مع سلطات مدنية فاجرة جائرة تبيح حتى اللواط مع غلمان مخصيين ملئت بها قصور خلفائهم! بالإضافة إلى آلاف مؤلفة من الجواري الحسان من كل جنس و لون. أما الطبقة (المثقفة) من غير الوعاظ، فكانت من أحط الطبقات إلا من ندر، لذا تصعب عليها و إلى الآن الاعتراف بأي فكر متنور، و إن دل هذا على شيء يدل على مدى خستهم الموروثة من ذلك الإرث (الثقافي) الذي أدى إلى الانحطاط الذي نعيشه اليوم، و الإفلاس المعرفي و الأخلاقي و التربوي الذي نشعر بها قبل غيرنا، فكيف يا ترى بان باقي أمم الأرض سوف تحترمنا؟.

و يجب أن لا ننسى ذكر علماء من رجال الدين قد ضحوا بحياتهم و حياة أسرهم من اجل إنقاذ دينهم من الانحراف و التزوير، و من اجل تبصير الشعوب الإسلامية و إرشادها لبر الأمان، و ما الزنادقة إلا أمثلة لهؤلاء الضحايا…. يتبع…

هشيار بنافي