الرئيسية » مقالات » في ميلاد الحزب، رفاق يستذكرون الأيام الصعبة

في ميلاد الحزب، رفاق يستذكرون الأيام الصعبة

أجرى اللقاء، محمد الكحط – ستوكهولم –

في ذكرى الميلاد تتجدد الأماني وتنشط الذاكرة وتعود الذكريات بحلوها ومرها لتكون شاهدة لتلك الأيام النضالية التي لا تنسى، رفاق عظام جسدوا معاني التضحية والتحمل لأقسى الظروف، واليوم يحدثنا الرفيق توفيق جاني الناشي – أبو ميساء- مستذكرا بعض اللمحات تلك، والرفيق من مواليد 1937 محافظة ميسان – العمارة-.
حيث توجهنا له بالعديد من الأسئلة أجابنا عنها مشكوراً.

الرفيق الناشي: قبل الإجابة عن هذه الأسئلة أحب أن أقول أن أغلب محطات حياتي ارتبطت مع الحزب الشيوعي العراقي. فقد شدتني برامجه وشعاراته وأهدافه منذ سنوات حياتي المبكرة، وعلى مر السنين وجدت أن الذين حملوا أهداف الحزب النبيلة هم من وهبتهم الحياة القدرة على التضحية بالنفس من أجل سعادة الآخرين.
ولدت في 31 آذار سنة 1937، في يوم ميلاد الحزب الشيوعي العراقي وفي كل سنة عندما أحتفل بعيد ميلاد الحزب أجدني أحتفل بعيد ميلادي أيضا وكأن الأقدار قد جمعتني بالحزب منذ يوم مولدي. ومن غرائب الصدف أن ابنتي الصغرى لينا ولدت أيضا في نفس اليوم، أقصد 31 آذار.
س- ماهي الظروف التي كانت تحيط بمدينتك في فترة الطفولة…؟.
كانت ولادتي في قضاء قلعة صالح التابع لمدينة العمارة، في عائلة متوسطة الحال انتقلت إلى بغداد في سنة 1940 بسبب ضنك العيش في فترة اشتعال الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي لم يدخل العراق فيها كدولة فاعلة، لكن مآسيها طالت جميع البلدان تقريبا.
في سنة 1944 دخلت المدرسة الابتدائية فشد إنتباهي وأنا في ذلك العمر اليافع كثرة الحديث عن الألمان والروس والشيوعية وفهد الذي كان اسمه يتردد على كل لسان بين أفراد عائلتي بعد أن وضع الابن البكر للعائلة أولى خطواته في طريق النضال الوطني.
ومع مرور الأيام كانت الأحاديث تتزايد بين أفراد العائلة والعوائل القريبة منا عن فهد والشيوعية حتى حل يوم الحكم على أخي سميع بالسجن سنتين وسنتين مراقبة وذلك في سنة 1946، وقد كنت مع العشرات من الأطفال نعجب بكل من يدخل السجن كسياسي.
في سنة 1948 نهض الشعب العراقي في وثبته ضد معاهدة بورتسموث التي أراد حكام العراق ربط الوطن من خلالها بقيد جديد مع الاستعمار الإنكليزي وقد ترافق ذلك مع اختفاء الخبز من حياة الناس اليومية إضافة إلى تردي حياة الشعب الاقتصادية ووصولها إلى أوطأ المستويات. ورغم صغر سني لكنني كنت أخرج في المظاهرات مع عدد من أطفال المحلة ليس للنضال بل للعبث الطفولي في حين إن أمي كانت تأخذنا كل يوم للمظاهرات، فقد كانت تأمل من ذلك إطلاق سراح أبنها.

س- كيف تعرفت على الحزب الشيوعي ومتى…؟
إنتهيت من مرحلة الدراسة الابتدائية سنة 1950 وكان الحزب قد تلقى ضربة قاسية جدا أدت إلى تصفية أغلب منظماته وكوادره لكن أفكاره استمرت تغزو عقول الناس وخصوصا الشباب منهم. منذ اليوم الأول لدخولي مرحلة الدراسة المتوسطة تلقفنا عدد من الطلبة الثوريين ومنهم صفاء العاني وأكرم المهداوي والشاعر صادق الصايغ وتمكنوا من ربطنا بإتحاد الطلبة ثم بمنظمة أنصار السلام التي كانت قيد النشوء.

س- من هو أول من أطلعك على أهداف الحزب…؟
منتصف سنة 1950 أطلق سراح أخي الذي وجد فينا، نحن عددا من الشباب، تقبلا كبيرا للأفكار التقدمية إضافة إلى انبهارنا بالسوفيت والشيوعية. وبعد عدة أشهر من إطلاق سراحه كون صفا مني ومن شابين آخرين وقام بتدريسنا المبادئ الأولية للشيوعية، فدرسنا على يده كراس سيغال وبعض فصول من رأس المال والبيان الشيوعي وبرنامج الحزب الشيوعي العراقي الذي أقر في المؤتمر الأول لسنة 1945.

س- كيف سارت الأمور بعد ذلك لتشق طريقك إلى صفوف الحزب…؟
في سنة 1951 أصبحت عضوا بسيطا في اتحاد الطلبة وكانت تصلني جريدة وبيانات اتحاد الطلبة. وفي سنة 1952 انتفض الشعب العراقي على الحكام العملاء للاستعمار وكنت مع العديد من الشباب نساهم في الانتفاضة بوعي وطني وثوري. ثم أخذت تصلنا بعض بيانات الحزب الشيوعي ولم نتشرف بحصولنا على جريدة الحزب، القاعدة، رغم سماعنا الكثير عنها.
بعد ذلك التاريخ زاد ارتباطنا مع اتحاد الطلبة وأنصار السلام وتم تنظيمي في الحلقات السرية لإتحاد الطلبة وفي حقيقة الأمر فقد كانت تلك المنظمة هي الواسطة لفتح الطريق أمام الطلاب نحو الحزب الشيوعي. بعد ذلك بفترة قليلة أصبحت عضوا فاعلا في اتحاد الطلبة وقد تمكنت من تشكيل عدة حلقات سرية من الطلاب وكنت أنا مسؤلا عنهم.

س- تحدث عن المصاعب والمشاكل وكيف كنتم تواجهونها…؟
اندفع رعيل الطلاب الوطنيين لإسناد مرشحي الجبهة الوطنية في انتخابات مجلس النواب لسنة 1954 وهنا تعلمنا الحياة الصدامية مع القوى الرجعية فضربنا وضربنا وتعاركنا وطاردونا وطاردناهم حتى أسفرت الانتخابات عن دخول 11 نائبا مجلس النواب من الجبهة الوطنية.
في تلك الفترة كان الحزب الشيوعي قد نهض بجبروت على الساحة السياسية، لكن انشقاق الحزب الذي قاده فريق راية الشغيلة أضعف مكانة الحزب بين أوساط الجماهير علما إن بداية الانشقاق كانت في منتصف سنة 1953 وثم القبض على قيادة الحزب الفتية التي تمثلت ببهاء الدين نوري ورفاقه أعضاء اللجنة المركزية. تلك الأوضاع شدتني إلى الحزب الشيوعي فحملنا راية النضال ضد راية الشغيلة. في بداية سنة 1955 اشتدت الهجمة من قبل السلطة على القوى الوطنية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي وذلك من أجل ربط العراق بالحلف التركي الباكستاني الذي أصبح اسمه حلف بغداد فيما بعد، وحمل الحزب الشيوعي راية النضال ضد الأحلاف العسكرية الاستعمارية ونظم الحزب العديد من المظاهرات وأصدر البيانات وقام الرفاق بالكتابة على الجدران، كل ذلك من أجل تحفيز جماهير الشعب للنضال ضد تلك الأحلاف التي اعتبرها الحزب آنذاك أحلاف العبودية الاستعمارية. في شهر شباط من تلك السنة اعتقلت لأول مرة في حياتي على أثر فشل مظاهرة ضد الأحلاف العسكرية.
بعد اعتقال دام 21 يوما ثم فصلي من الدراسة وقد كنت في مرحلة الصف الرابع العلمي تم ترشيحي لعضوية الحزب الشيوعي العراقي. وبعد ثلاثة أشهر من ترشيحي نلت عضوية الحزب موقعة من الرفيق سلام عادل ما أثار فخري واعتزازي آنذاك. وقد أصبحت لي خليتان للمرشحين وعدد من حلقات الأصدقاء الحزبية التي ضمت الطلاب والعمال.

س- هل من الممكن أن تحدثنا عن الظروف النضالية التي مررت بها باختصار، واهم المراحل التي تراها مهمة.
طيلة عمري ومنذ حداثتي ارتبطت حياتي بالنضال المستمر والشاق من أجل الشعب والوطن في صفوف الحزب ولكن أهم المراحل والتي اعتبرها من المحطات المهمة هي انتفاضة 1956 والتي على أثرها نفيت إلى راوندوز كجندي مكلف ومن ثم أصبحت من المناضلين التي تطاردهم التحقيقات الجنائية، فعرفت حياة الاختفاء ومواصلة النضال دون توقف. في سنوات 52 53 و54 و55 و56 و57 التهمنا عشرات الكتب للتثقيف الذاتي إضافة للصحف والمجلات والمنشورات والكراريس التي يصدرها الحزب. ولم نتوقف عن المطالعة حتى يومنا هذا.
ومن ثم الهزة الكبرى للمجتمع العراقي ثورة 14 تموز.

7- أهم الذكريات مع الرفاق القدامى والمناضلين والشهداء.
لا تتسع هذه السطور للحديث عن المناضلين والشهداء منهم والذين التقيت بهم في مسيرتي وعملي في الحزب فهم من الكثرة ربما تعجز ذاكرتي عن الاحتفاظ بهم. إنني لا أبالغ إن قلت المئات بدءا من أخي سميع وفالح عبد الجبار ورضا الشوك وهادي أحمد المرزه وعلاء العاني وعبد علوان وباسم طالب مشتاق وأنيس نعمان وصاحب الحميري وجبار حسين وعطشان الإزيرجاوي وعبد الأمير شلال وفوزي عباس والعشرات غيرهم في فترة ما قبل ثورة 14 تموز. أما بعد ثورة تموز فقد كان لكل من ستار خضير ومحمد حسين أبو العيس وعمر حسون وصاحب الحميري وسلام عادل والمربي عبد الجبار وهبي، الذي دربني على العمل الصحفي، وعبد القادر إسماعيل وكريم الحكيم والمئات من مناضلي الحزب الذين عملت وإياهم في مختلف المجالات الحزبية والجماهيرية والديمقراطية. إلا أن استشهاد أخي سميع واستشهاد سلام عادل ومحمد حسين أبو العيس وستار خضير ترك في قلبي جرحا لا زال ينزف حتى هذا اليوم ومما زاد في عمق هذا الجرح وفاة كريم الحكيم وعلاء العاني وهادي أحمد المرزة.

8- وماذا تحدثنا عن السجون والمعتقلات.
قبل ثورة 14 تموز لم يبق معتقل في بغداد لم أزره وكذلك معتقل أربيل. أما بعد الثورة فقد أمضيت اغلب تلك الفترة متخفيا لإنجاز واجباتي الحزبية. بعد انقلاب 8 شباط سنة 63 هربت إلى إيران وهناك دخلت معتقل أمن المحمرة ومن ثم سجن الأهواز ثم سجن باغ مهران في طهران مع أكثر من مائة وخمسين مناضلا عراقيا، وفي ذلك السجن أمضيت خمسة شهور منها ثلاثة شهور في السجن الإنفرادي. تم تسليمنا للحكومة العراقية في 30 كانون الثاني من سنة 1964 ورحت متنقلا بين سجون ومعتقلات بغداد والبصرة والحلة حتى إطلاق سراحي منتصف سنة 1966. أما فترة ما بعد خروجي من السجن وسنوات السبعينيات والثمانينيات فلها حديث خاص، ولم أكن فيها بعيدا عن الحزب خصوصا فترة السبعينيات التي كلفت فيها بأخطر الواجبات الحزبية.

س- وماذا عن أيام انتصارات الشعب في الوثبات وثورة 14 تموز وغيرها.
كما أعتقد لا توجد سعادة تضاهي سعادة المناضل الشيوعي في كفاحه ضد الظلم والطغيان ولا يمكنني أن أنسى وثبة كانون 1948 وانتفاضة 1952 وانتفاضة 1956 وثورة 14 تموز وآجرها سقوط نظام صدام الدكتاتوري الذي لم يسعفني الحظ لأرى وأشارك الشعب فرحة سقوط نظام البعث العفلقي الفاشي. كانت ثورة 14 تموز حدث غير مجرى حياة ليس الشيوعيين فقط، بل العديد من فئات الشعب العراقي. والشيء المهم الذي يجب أن نستفيده من تلك التجربة هو مدى تعلق جماهير الشعب العراقي بالحرية والممارسة الديمقراطية التي غاص في غمارها مئات الألوف من الجماهير دفاعا عن حرياتهم. وقد تأكد لي أن الشعب العراقي لا يمكن أن يخضع للإرهاب والدكتاتورية. هذا جانب أما الشيء الآخر الذي يتصف به الشعب العراقي فهو حبه للحزب الشيوعي والشيوعيين، فالشعب دائما يرفد الحزب الشيوعي بخيرة أبنائه متعلقا بأمل واحد أن العدالة الاجتماعية والديموقراطية لابد أن تتحققا على أرض العراق.

س- ما هو دور المرأة في حياتك النضالية…؟
قد تتراجع الذكريات أمام مشاعر الامتنان والشكر لأقرب امرأتين في حياتي، أمي وزوجتي. وربما أرادت الحياة أن تنصفني بعد معاناتي الكبيرة في طريق النضال الشاق فوضعت في طريقي الأم الحقيقية والزوجة المخلصة. إستمرت أمي ثم زوجتي بملاحقتي من معتقل إلى معتقل ومن سجن إلى سجن ولم يتخليا عني ولا يوما واحدا. وقد نالت زوجتي-أم ميساء- الكثير والكثير من ملاحقة واضطهاد الأنظمة الرجعية والفاشية ولم تتخل عن أفكارها، إضافة إلى العبء الذي وضعته على كاهلها عندما كنت أقوم بإنجاز واجباتي الحزبية في أكثر الظروف صعوبة وعندما أكون ملاحقا ومطاردا من الأنظمة السابقة. إن إخلاص زوجتي وتفانيها كان له الأثر الكبير في مواصلتي طريق النضال. وفي المهجر كان لزوجتي الفضل الكبير في دفعي وتشجيعي على الكتابة إضافة إلى وضع كل إمكانياتها كمتخصصة في مجال اللغة العربية، والجزء الكبير من وقتها في خدمة ما ألفته وأحاول إنجازه.

س- ما العبرة والدروس التي يمكن أن تقدمها للجيل الجديد من الشباب في صفوف الحزب…؟
من مجمل حياتي الطويلة والتي قضيت أغلبها في العمل ضمن صفوف الحزب الشيوعي العراقي وجدت أن ليست هناك لذة تضاهي لذة النضال الثوري ومعظم من ناضل في صفوف الحزب سواء من استمر أو من تخلف عن المسيرة لأي سبب من الأسباب يرى أن السنين التي ناضل فيها هي السنين الحقيقية في حياته. ونصحيتي للشباب الذين وضعوا أقدامهم على طريق النضال في صفوف الحزب أن يواصلوا الطريق فسعادة الشعب ودماء الشهداء أمانة في رقابهم.

س- ما هي آخر إنجازاتك وأنت ما زلت في صفوف الحزب الشيوعي…؟
في المهجر فتحت أمامي إمكانية جديدة لممارسة هوايتي في الكتابة والتأليف. نشرت روايتين طويلتين (حارة في بغداد) و (طوارق الظلام) تناولت في الأولى فترة الخمسينات وفي الثانية تجربة 1963 السوداء. وأنا الآن بصدد إنجاز روايتين أخريين.
الرفيق أبو ميساء، شكرا متمنين لك الصحة والسعادة ومزيداً من العطاء خدمة لحزبك وشعبك، وكل عام وأنتم بخير.