الرئيسية » مقالات » المالكي انتصر ومقتدى لم يهزم

المالكي انتصر ومقتدى لم يهزم


ثمة بعد وقف الاشتباكات في حروب البصرة ومدينة الصدر الاخيرة كلام كثير عمّن كسب، ومن خسر، ولا يخطئ المراقبون هنا في مهمة رصد مناسيب الكسب والخسارة لدى كل معسكر، إذا ما سلمنا بان الاشتباكات جرت بين الدولة والجماعات المدنية المسلحة.. بين القانون والخارجين عليه.. لكن المهمة ستزداد تعقيدا عندما يتطلب الامر تسمية الجهات السياسية التي خاضت الصراع بالنيابة عن الدولة من جانب والمتمردين عليها من جانب آخر، وبكلمة، لا يسع احد ان لا يأخذ بالاعتبار خلفيات هذه الحرب في الصراع بين التيار الصدري وانصاره والمتعاطفين معه وبين القوى المتنفذة في كتلة الائتلاف، إذ وصلت سلسلة المخاشنات والاصطدامات في المحافظات الوسطى والجنوبية الى ما يشبه الحرب المفتوحة بين الجانبين.

لقد ارادت الدولة فرض استتباب الامن في الحدود المتاحة وإنهاء ‘حكم المليشيات’ على مقاليد مدينة البصرة وسحب مفاتيح المصالح واعمال التهريب والعنف من يد المسلحين وتخفيف عسكرة الشارع البصري الذي ارهق السكان، ولم تكن هذه العناوين سرية، او بمثابة فرضيات، فقد طرحها رئيس الوزراء علنا خلال وجوده في البصرة، في حين خاض الصدريون المواجهة تحت شعارات درء التعديات والمداهمات والاعتقالات التي تقوم بها القوات الامنية، ومنع بغداد من فرض وصايتها وارادتها على البصرة التي تملك قيادات منتخبة وحصانة دستورية، ثم اضاف الصدريون، في حمية المجابهة، طلبا بوجوب انسحاب القوات الامريكية والبريطانية من المدينة، ثم تطور الى ‘انهاء الاحتلال في العراق’.

ومن هذه الزاوية فان’معسكر’ الحكومة ربح، في نهاية الامر، معركة تثبيت مرجعية القانون والدولة على الرغم من ان هذه المرجعية كان يمكن ان تتحقق باسلوب يوفر الدماء والخراب في اكبر مدن العراق بعد العاصمة بغداد، في حين لم يهزم معسكر المعارضة الذي حاول(عبر بيان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر) ترسيم الحدود بين مسلحين متمردين على الدولة، يستحقون العقاب القانوني، وجمهور موال لزعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر من حقه التعبير عن موقف معارض للحكومة واحزابها المتنفذة، ويجب الاستدراك هنا بان الكثير من الحروب الاهلية تنتهي الى ما انتهت اليه حروبنا العجيبة، بلا منتصر ولا مهزوم.. لا غالب ولا مغلوب، لكن خبراء الحروب الاهلية يعتقدون بان هذه النتيجة البلاغية ليست في صالح السلام الاهلي احيانا إذ انها تعني التحضير لجولات اخرى اكثر ضراوة.

باختصار، الحكومة انتصرت في اكثر من جبهة، وهزمت في نقطة حسم المعادلات القلقة، في حين هزم معارضوها في اضفاء صفة الشرعية على العصيان على القوانين، واخلوا مواقع مهمة في الساحة، فيما انتصروا، مقابل ذلك، في جبهة التفاوض بالظهور في مظهر المسؤولية الوطنية كرقم لا يمكن العبور من فوقه.

على ان كيمياء الهزيمة والانتصار لا تظهر، عادة، في عدد قتلى المحاربين فقط بل وايضا في النتائج النهائية، السياسية والعسكرية بوجه خاص للمعارك، اخذا بالاعتبار ان قتلى الجانبين هم ضحايا خسرهما الشعب العراقي قبل غيره، وان فداحة الخسارة يمكن قراءتها في حقيقة ان هؤلاء الضحايا ينحدرون من قطاع الشبيبة، في سن الانتاج والعطاء.. في وقت احوج ما يكون العراق الى سواعدهم.
ــــــــــــــــــــــ
كلام مفيد:

‘إذا ابتسم المهزوم فقد المنتصر لذة النصر’…
وليم شكسبير