الرئيسية » مقالات » نتاج الاحتلال الاسرائيلى ، والانقلاب على الوطن!!!

نتاج الاحتلال الاسرائيلى ، والانقلاب على الوطن!!!

طوابير من السيارات تقف بلا حركة كأبي الهول تنتظر الحياة.. تحولت المركبات والشاحنات إلى قطع من الحديد ( الخردة) تقف كجنازة تنتظر تشييع جنازة شهيد سقط جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ، أو نتاج خطأ أعمى لأحد الصواريخ محلية الصنع ، أو قتيل بفعل الصراع الدامي بين الأشقاءِ، وأبناء الوطن الواحد .. مركبات تنتظر لساعات طويلة أمام محطات الوقود التي أحاطت محيطها بقطع من الكتل الإسمنتية والجنازير لتنبئ السائقين أن المحطة مغلقة وخالية من الوقود ، وعليهم انتظار الفرج … لا يعرف المواطن من أين سيأتي الفرج من الاحتلال الاسرائيلى أم من الشرعية الفلسطينية ، أو من الانقلابيين أم من أصحاب محطات الوقود الذين تساوقوا في هد حيل المواطنين والسائقين ؟؟؟
تعطلت الحياة ، وفقد المجتمع شرايينه الحيوية ، وصمت البحر الهائج من هول الكارثة التي ألمت بمواطنيه ، ولم يشهد أهالي محافظات غزة مرارة وظلما كما يشهده هذه الأيام ، وخصوصا منذ الانقلاب الدامي على الوطن والشعب ، حصار اقتصادي اسرائيلى خانق ، وإغلاق للمعابر ، وفقدان للعمل والبطالة تجاوزت 70% ، والفقر 80% والأغلبية الساحقة من المواطنين عدا موظفي السلطة الشرعية ، والحكومة المقالة ، ومليشياتها المسلحة ، والمنظمات غير الحكومية ، وموظفي وكالة الغوث ،أما الجماهير الشعبية ، والمسحوقين والفقراء فأنهم يعيشون على الكوبونات وربطات الخبز والمساعدات من المؤسسات الخيرية والإنسانية التي لم تسلم من المصادرة ، ووكالة غوث اللاجئين التي تعرضت للتهديد بالقصف والتصفية وتعطيل خدماتها ، ليزداد البؤس والفقر ، وكأنهم بتفريخاتهم الأصولية يريدون أن يوصلوا شعبهم لمرحلة الاستسلام ، والقبول حتى على الترانسفير الارادى إلى خارج الوطن هروبا من الكابوس والجحيم الذي يدفن الوطن أبنائه دون دمعة أو آسى .
هذا الاحتلال الاسرائيلى الذي فرض معادلته بالقوة على الشعب الفلسطيني ، ومارس عقابا جماعيا لم يرحم أحدا طفلا أو عجوزا ، مريضا أو معاقا فالكل في نظر الإسرائيليين إرهابيين.. ولم يستثن من هذه المعادلة إلا أولئك الذين تكرشت بطونهم ، وتاجروا بالوطن، وأصحاب الخطوات الاضطرارية الذين يعيشون في بحبوحة من العيش ، فتحسنت مداخليهم بسبب عمليات التهريب المنظمة عبر الإنفاق ،وراجت تجارة السجائر والمعسل والمواد الغذائية ، والوقود ، وتجارة السلاح ، والجوالات ، والأدوية ، وتحصيل الضرائب بالقوة من المواطنين الغلابا ، فارتبطت مصالحهم بالانقلاب ، السيارات من كل لون وحجم وموديل ، والمرافقون المدججون بالسلاح ، دون أن تهتز للحظة شعرة من أجسادهم لمعاناة الناس ,كأنهم لا ينتمون لهذا الشعب ،وكأن الشعب لم ينتخبهم من أجل التغيير والإصلاح ، بل ليستبدل الدلف بالمزراب .
أزمة الوقود ، وحياة السائقين ، والمواطنون الذين يضطرون لاستخدام وسائل النقل للذهاب إلى أعمالهم وإشغالهم ومصالحهم ، والدوامة التي يعيشونها بسبب نقص الوقود وتوقف المركبات إنها تعكس الأزمة السياسية والاقتصادية وألاخلاقية الحقيقية التي يمر بها شعبنا الفلسطيني ، يكتشف المواطن العادي كل يوم من خلال الممارسات والمسلكيات زيف التهريج والدعاية السوداء بالحرص على الشعب ، والدعوات الكاذبات عن الصمود والبطولة ، واستتباب الأمن ، والرفاهية التي يعيشها المواطنون ، والادعاء أن أحدا لم يمت من الجوع ، وكأن من مات عليه أن يثبت لهم انه قد مات من الغل والقهر والمعاناة والجوع والمرض ، فمن المسئول عن موت المئات من المرضى بسبب منعهم من السفر للعلاج جراء إغلاق المعابر والحصار ؟؟انه الاحتلال الاسرائيلى العدو الحقيقي لشعبنا ، وأيضا كل من لا يفكر في البحث وسيلة لتخفيف المعاناة عن هذا الشعب ، ويضرب بعرض الحائط كل الدعوات لإنقاذ شعبنا من الدمار والخراب .
صم ، بكم ، عمي فهم لا يعقلون .. الشعب الفلسطيني يتعرض لأبشع احتلال اسرائيلى عنصري ارهابى يميني، متطرف ورجعى ، ربط نفسه بعجلة بالنظام الراسمالى العالمي وبزعيمة الامبريالية والعدوان في العالم الولايات المتحدة الأمريكية ، هذا الاحتلال وجد من يعينه على تنفيذ برنامجه ، وفي تبديد المشروع الوطني التحرري الفلسطيني ، فمن قرار التقسيم الذي رفضوه واتهموا الشيوعيين بأنهم فرطوا بالوطن ، ولم يستمعوا جيدا لعصبة التحرر الوطني ، ولا لاهالى المجدل وهم ينطقون ياريتهم قسموا… إلى قرارات الشرعية الدولية ، إلى قرار 242، 338 ،إلى خارطة الطريق ، إلى حرف النضال الفلسطيني تجاه معبر رفح ، إلى الاهتمام الآن فقط بالسولار والبنزين والغاز وربطة الخبز .. لقد اختزل الانقلابيون المعركة الحقيقية من معركة التحرر الوطني والتمسك بالثوابت الوطنية إلى معركة حاكميه غزة ، وما يهمهم فقط البحث عن شرعية حكمهم على غزة من الحكومة المصرية ، أو الأردنية اللتان رفضتا التعاطي مع مشروع إمارة غزة لأسباب شتى ، وليذهب الشعب كله إلى الجحيم ، ساهموا بحرف النضال عن المعركة الأساسية في الضفة الغربية ، ومحاولات ابتلاعها ،وتهويد القدس وزرع المستوطنات وبناء الوحدات السكنية بالمئات ،والاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري ، وبدلا من أن يحولوا غزة إلى جبهة إسناد ، ودعم لأهلنا وشعبنا في الضفة الغربية ، يأتي الانقلاب ويكرس الانفصال السياسي والجغرافي والنفسي عنهم ، بحثا عن الذات وبعيدا عن المصلحة الوطنية .
من هذا الذي يتحدث في غزة عن الوطن ، والثوابت ، والقدس ، واللاجئين. والدولة .؟؟ لقد حولوا المسار ليخدم بوعي أو بدون وعى المخطط الاسرائيلى ، فهل بعد هذا نشهد أن شارون لم يكن غبيا بخطته الانسحاب الاحادى الجانب من غزة ؟؟ إن الساسة الإسرائيليين أدركوا منذ سبعينات القرن الماضي ضرورة وجود من يحمل البرنامج الاسرائيلى من الفلسطينيين ، ويتساوق معهم فهل العلمانيون ومنظمة التحرير الفلسطينية ؟؟ أم الأصوليون والإسلام السياسي ، لقد أجاب الواقع والممارسة من ينفذ المخطط الاسرائيلى ويتساوق مع قذف الشعب الفلسطيني إلى خارج حدود الوطن، ومن يتمسك بالثوابت الوطنية والمشروع الوطني..
شاحنة كبيرة ، مسرعة تقف أمام محطة الوقود ينزل سائقها بسرعة البرق ، يفتح خزان شاحنته ( التنك ) لتتسرب إليه كميات كبيرة من الوقود ليمتلئ ، فتدب فيها الحياة وتسير ليس ببعيد عن المحطة لتتوقف وتفتح خزانها لتدخلها مجموعة من الأنابيب لتفرغ حمولتها من السولار في جالونات خضراء تباع بأكثر من 170 شيكلا في السوق السوداء ، لتعود مرة أخرى إلى المحطة لتمتلئ من جديد ، وهكذا على عينك ، ولم تنفع كل احتجاجات السائقين الواقفين على الدور منذ ساعات طويلة ،أما أصحاب سيارات البنزين فحدث ولا حرج ..
فجأة ودون سبق إنذار تسمع أصوات زعيق سيارة كبيرة تقتحم المحطة وورائها مقطورات تابعة للمليشيات المسلحة بغزة ، ورجال مدججون بالسلاح ـ وتفتح لها الطريق دون أن ينبس احد ببنت شفه لتمتلئ بالوقود من كافة الأصناف ثم تغادر، ويكثر الهمس ، ويتطاير الشرر من عيون السائقين ، ويزداد التوتر والغضب والسب واللعن على هذا اليوم الأسود في تاريخ الشعب الفلسطيني ، ويفقد البعض أعصابه لعدم نجاحه في الحصول على الوقود لمركبته ، ولمن ليس لهم واسطة أو محسوبية أو ظهر كما يقولون ،ويترك البعض مركبته لليوم الثاني إن كان له حظا ، أو ربما للأسبوع القادم على أمل أن تشفى سيارته غليلها من السولار أو البنزين، الاستغلال والاحتكار على قدم وساق ومن لا يعجبه عليه أن يشتكى ,.. لمن يشتكى لا يعرف المواطن جهة محترمة يشتكى إليها.. التمييز صارخ وفاضح ،، وعند فقدان الأمل يغادر السائقون وأصحاب السيارات محطة الوقود ، وهم يهمسون هل يتحرك بحر غزة ويبتلعها ؟؟
الأسعار في ازدياد مع قلة ما باليد ، أجرة السيارات ترتفع والبطالة في تصاعد والأطفال ينتظرون من ينقط في حلوقهم. المرضى بحاجة للعلاج والأدوية، طلاب الجامعات لا يملك أولياء أمورهم دفع رسوم الجامعة والكتب والمواصلات ، بعضهم استنكف عن الدراسة وبدا يبحث عن عمل وهو يعرف صعوبة الحصول عليه .. يقول البعض أن المعتقل والسجن ارحم من كابوس الانقلاب والحصار.. ففي السجون الإسرائيلية ومعتقل النقب الصحراوي يجد ما يأكله . رغم انه يحمل هم الوطن ، ولا يستطيع أن تغفو عينيه عن هذا الواقع المأساوي ،يفكر في والده الذي فقد عمله ، ووالدته المريضة التي تحتاج لعلاج ، وزوجته وأبنائه ، وهل يصلهم مستحقاتهم الشهرية ، ويخاف أن يترك أبنه أو أخيه المدرسة للشارع ليقع فريسة الحقد والتطرف وتكفير الآخرين وتخوينهم .
هذا هو نتاج الاحتلال الاسرائيلى ، والانقلاب الدموي على الأرض والوطن والشعب ؟؟ فالي أين يقودنا هذا ؟؟ إلى الجحيم .. أم إلى الجحيم؟؟؟ وهل المسئولون لا يرون ويسمعون ، لا يحسون ويفقهون المأساة حتى يتحركوا لإنقاذ الإنسان الفلسطيني من الضياع فهو اغلي قيمة في الوجود ، هل يمكن إنقاذه من الدمار والهلاك ، ولو بالتنازل والعودة إلى الشعب ،وإنهاء حالة الانقسام وتبنى المبادرة اليمنية دون تعديل وفقط للتطبيق والتنفيذ ، فالتنازل من أجل الشعب والقضية الوطنية لا يعتبر تراجعا أو هزيمة. 

غزة – فلسطين