الرئيسية » مقالات » القص العراقي بعيدا عن سماواته

القص العراقي بعيدا عن سماواته

القص العراقي بعيدا عن سماواته
تأليف الدكتور علي إبراهيم
دار الرواد للطباعة/2006
عرض محمد علي محيي الدين
يضم الكتاب بين دفتيه مجموعة من المقالات والمقابلات مع قصاصين عراقيين،تناول من خلالها بالنقد والتحليل بعض القصص والروايات العراقية التي جمع بينها أنها كتبت في المنفى،وتناولت الهم العراقي عبر فضاء الوطن وفضا آت الغربة،حاول الناقد من خلالها تسليط الضوء على بعض النتاج العراقي،من خلال نظرته النقدية ،لتخصصه في النقد القصصي،ووزع اهتمامه على جوانب متعددة تناول من خلالها،الحوار في العامية في “مولود آخر”والفضاء الروائي عند غائب طعمه فرمان،وايجابية الشخصية المحورية في”مدينة من رماد”وآلية العلاقة بين الروائي وشخصياته في “تأملات سجان”والشخصية المحورية في”المسرات والأوجاع”،والرواية والموضوع السياسي،والحلم والفنتازيا في “قصتين” و”الجنائن المغلقة جنائن مفتوحة”،وجانب التجنيس اللغوي المهيمن في”ذلك الصيف في الإسكندرية”،وصورة المكان في “بصرياثا”،وموضوع القاص في الغربة وأدواته الفنية،وملامح الشخصية القصصية في”الوطن والمنفى”،والرواية والموضوع السياسي،ورسائل خليجية،والحلم والفنطازيا في القصة القصيرة،وفي ملاحق الكتاب كانت هناك لقاآت مع بعض كتاب القصة العراقية،فوأد التكرلي،برهان الخطيب،جاسم المطير،إبراهيم أحمد،وتناول آفاق النقد الأدبي في القصص والروايات،وتاريخ الأدب،وهو متابعة نقدية جادة اتخذت المنهج الواقعي،بوصفه هدفا نقديا في الأدب،وكشف من خلالها منهجه في قراءة المنتج الأدبي،وطرح أرائه النقدية الواضحة بطريقة تثير الإعجاب،ولم يكن اختياره لهذه النماذج لتفردها عن الأخريات،ولكن للخيط الرفيع الجامع بينها،وهو الجمع بين فضاء الوطن وفضاء المنفى.
وقد أورد الكثير من الأحكام النقدية الصائبة،إلا انه طرح بعض الآراء التي ماشى فيها مؤرخي الآداب السلطانية في التقسيم الطبقي للناس على أساس واقعهم الاجتماعي- الطبقي،وتقسيمهم إلى خواص وعوام،فعند حديثه عن الحوار بالعامية في روايات غائب طعمه فرمان أنساق من حيث يشعر أو لا يشعر إلى أطلاق كلمة “العامية”على اللغة الشعبية أو المحلية،وأكثر من استعمال هذه الكلمة التي هي في حقيقتها نسبة ظالمة وتكريس للتقسيم الطبقي للمجتمعات إلى سادة وعبيد،وخاصة وعامة،في وقت يسعى الجميع لإزالة الفوارق الطبقية والاجتماعية بإشاعة مبادئ العدالة والمساواة،وعلينا كمعاصرين تجنب تناول المفردات التي ثبت قصورها وعدم ملائمتها لطبيعة العصر،والاستعاضة عنها بكلمة شعبية أو محلية،أو المحكية،وهذا ما سبق أن تطرقت إليه في مناسبات سابقة،في ضرورة إزالة النظرة الأزدرائية إلى الناس من خلال هذا التقسيم الجائر،والأجدى أن يقال المحلية،لأن اللهجات الشعبية تختلف في بلد عنه في آخر، من حيث المفردات والأساليب،وحول محدودية الانتشار للروايات التي اتخذت من اللهجة المحلية لغة في حوارها،قال”ومن يستعمل العامية في الكتابة يكون كتابه محليا” في الوقت الذي كان لروايات نجيب محفوظ شعبيتها الهائلة في البلدان العربية،والكثير منا لا يجهل الكثير من المفردات المصرية،رغم ابتعادها عن الفصحى،ولكن وسائل الأعلام المرئية والمسموعة والمقروءة،استطاعت تدجين العقل العربي باللهجة المصرية،من خلال الأفلام والمسرحيات،لذلك أصبحت اللهجة المصرية معروفة للكثيرين،،ولو قيض لبلدنا أعلام يرقى لمستوى الأعلام المصري،وجهات فنية تستطيع تسويق لهجتنا،لكان لها مكانها في الذائقة العربية،لوجود الكثير من المفردات الفصيحة والمقاربة للهجات الأخرى،ويمكن أعادة كتابتها بحروفها العربية،فتلقى القبول من القارئ العربي،لذلك يكمن الخلل في الكتاب والمؤلفين والإعلاميين،وليس في اللهجة ذاتها.
وأتخذ غائب طعمه فرمان من المكان رمزا للتعبير عن التحولات الاجتماعية والسياسية،يستطيع القارئ تلمسها بوضوح،فعندما يشير إلى انتقال عائلة “عبد الواحد” في “ظلال على النافذة ” إلى حي راق،يختلف اختلافا جذريا عن حيه السابق،إلا أنه لاحظ أن عربات النفط لا زالت تجوب الحي،وأصحاب العربات وباعة السمك،مما يعني أن الحي الجديد لا زال يحتفظ بالكثير من سمات الحي القديم،رغم الاختلاف في هندسة بنائه،وسعة شوارعه عنها في أزقة المحلة القديمة،مما يعني أن المجتمع رغم ما لامس من تطور،إلا أنه لا زال يمارس ذات العادات والتقاليد السابقة،وبالتالي لا يمكن القول أنه في قمة الحضارة الحديثة،فلا زال يسير وئيدا للوصول إليها،ولن يصل إليها لأن تلك الشعوب تسير بسرعة عالية وهو يمشي مشي السلحفاة،وأستطاع توظيف المكان لإبراز الصراع المحتدم بين القوى السياسية.
أما فاضل العزاوي،فقد حاول في (مدينة من رماد) الغوص في أعماق شخصياته بإبراز الجوانب السلبية أو الايجابية منها،ودراسته لنفسية بطل قصته قاسم حسن ضابط الأمن،المنحدر من أسرة فقيرة،أستطاع في غفلة من الزمن تسلق سلم الرقي،فتنكر لطبقته،فيما يورد مثالا آخر في روايته (القلعة الخامسة) عن رجل جاء إلى بغداد يبحث عما يطفئ ظمأه الجنسي،والقي القبض عليه في مكان موبوء،وفي السجن أندمج مع السياسيين،وتحول إلى مناضل يشار له بالبنان،ويمكن المقارنة بين انحدار الأول للعمل في الأمن،بعد أن كان يحلم أن يكون قاضيا،وسمو الثاني وتحوله من صائد الغواني إلى مكافح من أجل الآخرين.
وتناول الكاتب من خلال استعراضه لنماذج عديدة من القصص والروايات العراقية،النزوع إلى الخروج إلى العالمية من خلال نماذج قصصية اكتسبت سمات أهلتها أن تأخذ مكانها اللائق بين القصص العربية والعالمية وأعطتها مدى أخرجها من طبيعتها المحلية لتكون علامة بارزة بين القصص والروايات،ورغم أن الأجواء التي كتبت فيها تلك القصص بعيدة عن الأجواء العراقية لنزوح كتابها خارج إطارهم الاجتماعي إلا أنهم كانوا أشد التصاقا بمجتمعهم القديم منهم بالمجتمعات التي أصبحت عالمهم الجديد،وان تفاوت ذلك بين كاتب وآخر،إلا أن هذه الخاصية ظاهرة في الكثير منها،وقد أورد العديد من النماذج لتأكيد رؤيته حولها،وتناول من خلال هذه الدراسة القيمة روايات عراقية شكلت علامات بارزة في الرواية العراقية والعربية،وقد أورد في كتابه لقاآت مع بعض الروائيين العراقيين،حاول من خلالها صياغة توجهاتهم واستجلاء رأيهم في المدى الذي وصلت إليه الرواية العراقية في مراحلها المختلفة،وقد كشف لنا هذا الكتاب الرؤية النقدية من خلال النظرية المادية للأشياء ودراستها من خلال النظرية الماركسية التي تميزت عن النظريات الأخرى بواقعيتها ومدرستها النقدية بخصوصيتها التي تختلف عن المدرسة القديمة التي تنح منحى مغايرا للتوجه الماركسي في النقد والدراسة الأدبية.