الرئيسية » شخصيات كوردية » حوار مع كرم اليوسف، شهيد مجزرة نوروز 2008

حوار مع كرم اليوسف، شهيد مجزرة نوروز 2008








   









لم يكن الصحفي كرم اليوسف، ابن الأربع والعشرين عاما يدرك أن العيد في هذه السنة سيحمل له في حقائبه دما ورصاصا بدلا من القبلات والتهاني والورد. وكعادته في كل عام يمارس عمله الصحفي في تغطية الأحداث وتصوير ما يقع أمام عينيه.. وفي تلك الليلة الجميلة والمؤلمة معا، حين كان يصور الشموع وأضواءها وفرحة الابتسامات على وجوه الشباب الكوردي، تحول المشهد أمامه إلى عويل وقتل ومأساة إنسانية مجردة.. بدأ يغطي كل شيء بجنون ورهبة، وحينما ذهب إلى البيت لأجل أن يعود بعدئذ من جديد لمتابعة التصوير، كانت بندقية جلاد تسطر جمجمته بلغة بليغة من الحقد والطغيان، وليكون هو من شخوص الحدث والجريمة، ولتنشر صور الضحايا وصورته معا على صفحات النت والإعلام.

بقيت الخيمة التي جهزها للعيد لكي يخرج مع عائلته لأحضان الطبيعة والسكاكر والأطعمة في مكانها كما هي، وليخيم على المكان حزن لبس أثواب الحداد.

– كرم اليوسف هل لك أن تصّور لنا الأحداث ليلة نوروز، ولماذا إشعال الشموع؟

ثمة تقليد لدى الكرد، هو إشعال النار ليلة عيد نوروز من كل عام، وإعلان مظاهر الفرح، استمراراً لإعلان سقوط الشر وانتصار إرادة الخير، بل انتصار “كاوا الحداد” على الطاغية المتجبر أزدهاك، إلا أن الكرد، وحرصاً منهم على سلامة البيئة، وعدم إزعاج أحد، لجؤوا في المدن ذات الأكثرية الكردية في سوريا ـ أو أينما وجدوا إلى إشعال الشموع التي هي في المحصلة مظهر حضاري ورمزي، يعبر عن شعلة كاوا الخالدة التي تتناقلها الأجيال، عاماً بعد عام، والتي لم، ولن تنطفىء أبداً.

وما حدث في ليلة العشرين من آذار، هو أن الحاقدين على الكرد استكثروا على الشباب الكردي أن يعقدوا حفلات الرقص حول نار نوروز، بل لجؤوا إلى استقدام الإطفائيات، عن سابق تصميم، وقبل بدء الاحتفالات، لأنها كانت حاضرة، حيث أطفأوا بوساطتها هذه الشموع، كي تدوسها فيما بعد أحذية بعض الأنفار الحاقدين المستفزين بأكثريتهم، كي يتم رمي القنابل الغازية عليهم. بيد أن كل ذلك لم يشف حقدهم، فراحوا يطلقون رصاصهم الحاقد في كل جهة من الشارع العام، بل والشوارع الفرعية المؤدية إليه، كي تكون هناك بلغة محمود درويش، ومع شيء من التحوير” وليمة كردية” ذهب ضحيتها ثلاثة شبان كرد بـ “عمر الورد”، أصبحوا درايا لحقد هؤلاء القتلة.

– هل كانت هناك مسيرة أو مظاهرة، أو رمي حجارة على البوليس وقوات الأمن استدعت إطلاق الرصاص عليكم؟

ما قام به الشباب الكردي كان مجرد احتفال عادي، حيث تم عقد دبكة عادية حول النار، على الرصيف، وفي الساحات العامة، وبشكل حضاري، استمراراً للتقليد الكردي المتبع منذ ألف وستمئة وعشرين عاماً، وكان الأجدى بكل من يحب سوريا، والحياة والحرية والفرح أن يقدم الورود لهؤلاء الشبان والشابات الجميلين، ومشاركتهم فرحتهم لا مباغتتهم بإطلاق الرصاص دون أي مسوغ….

– ماذا كان يفعل المواطنون الكورد حين حدوث المجزرة؟

طبعاً، إن الدورية التي قامت بإطلاق الرصاص، وكما يتضح من اللقطات التي وثقتها كاميرا أحد الشبان الشجعان، رشت النار في اللحظة التي تفرق فيها المحتفلون، وكان الشارع شبه خال، بعد إطلاق القنابل الغازية، وإلا لذهب ضحية هذه المجزرة أعداد أكبر من المحتفلين أنفسهم، ولعل الطلقات قد أصابت -في الأغلب- المارة الاعتياديين الذين كانوا متواجدين في شارع يضج عادة بالحركة اليومية.

– كنت في مكان الجريمة، حدّثنا عن حيثياتها؟

طبعاً، كنت على بعد حوالي ثلاثمئة متر من مكان الحادثة، حين مرت سيارة بيك آب سريعة، تبعتها سيارة جيب، وأطلقت النار على جانبي الطريق بشكل هستيري، كي تصيبني إحدى تلك الطلقات اللئيمة التي يجب أن تخصص لحماية الوطن لا لقتل المواطن؛ كما جرت عليه العادة منذ2004 وحتى الآن.

– سمعنا أنك أصبت وبشكل متعّمد ومقصود حين خرجت من البيت للعودة إلى مكان الحدث للاستمرار في التغطية الصحفية؟

كل من أصيب بتلك الطلقات أصيب بشكل متعمّد، لسبب واحد هو “أنه كردي”. أقولها بلا مواربة، لم أكن المقصود تحديداً، بل كل كردي كان مقصوداً في تلك اللحظة، وهنا اتحفظ على كلمة “عشوائية” ، التي اعتدنا على قولها في مثل هكذا حالات، لأن الرامي كان يقصد أياً كان-أعني أي كردي- ليكون هدفا ً له، وهناك أكثر من حالة قصدها الرماة، حيث سدد البندقية على طريقة أفلام الكابوي، وربما أكون أحد هؤلاء….

– برأيك لماذا الرصاص والعنف رغم أن الناس كانوا في احتفال سلمي وتعبيري فقط؟

هو بالتأكيد نتاج حقد بعضهم على الكرد، هؤلاء الذين لا يريدون الخير لسوريا، وأن من رمى الرصاص المحرم دوليا على المدنيين العزل، فهو بالتأكيد قد حاول إطلاق الرصاص على رأس الوطن.

كان على المعنيين أن يجعلوا العيد رسمياً باسم “عيد نوروز” ويهيئوا كل الأجواء للاحتفال، وهودليل قوة، وليس دليل ضعف، كما تتوهم ذلك عقلية الاستعراض. أؤكد، أن اللجوء إلى العنف هو تعبير عن لحظة ضعف ممن يمارس ذلك بحق سواه من البشر، كاملي الجنسية والحقوق من الله والطبيعة والشرائع.

– هل من الممكن أن يكون هناك تحقيق عادل في عملية القتل العمد، وخاصة أن الأحزاب الكردية طالبت بهذا الشيء، في ظل لا دولة ولا ديمقراطية ولا حريات ولا قضاء مستقل وعادل؟

لعل أمنيتنا جميعاً هي إجراء تحقيق عادل، نزيه، وطني شفاف، بعكس ما تم أثناء الثاني عشر من آذار و 2-11-2007 حيث تم إطلاق النارعلى المدنيين العزل، ولم نسمع بمحاسبة مقرري ومنفذي تلك الجريمة النكراء، بل تمت ترقية مسؤوليها.

لم أسمع حتى الآن أن من أطلق النار علينا قد اعتقل، كما يتم عادة في أية جريمة مهما صغرت، فكيف ونحن أمام جريمة كبرى بحق وطن كامل لا مواطن بريء، مسالم، احتفل بعيده بطريقة حضارية.

لقد مضى أسبوعان تماما على ما تم، ولم نسمع أن أحداً من الجناة يواجه السجن.

– أنت كصحفي انتهكت حقوقه وحياته، من تتهم بما حدث لك ولغيرك؟ وكيف ستحصل على حقك واعتبارك وأنت تعيش في مجتمع يفتقد أدنى حقوق المواطنة؟

طبعاً، ليس من مسؤوليتي أن أحدد بالضبط من هم الأشخاص الذين قاموا بهذا العمل الجبان. المسؤولية أولاً وأخيراً هي مسؤولية السلطة، لأن من قام بإطلاق النار هم جهة أمنية، بلا منازع. أما تحديد اسمها وبقية التفاصيل هي ليست من شأننا، بل على من يريد أن يبرىء ذمته أن يفعل ذلك، لا أن يلجأ إلى الشائعات! كل مسؤول محلي أو مركزي هو مسؤول عما تم إلى أن تنجلي الأمور عبر المحاكمة، ناهيك عن أن القرار في هكذا حالات لا بد وأن يكون مركزياً، وإن لم يكن كذلك، فليؤكد من شاء براءته، وليحاكم ميدانياً هؤلاء المجرمون، وآمروهم، لئلا يتكرر مثل ذلك بحق مواطننا، من أقصى بلدنا سوريا، حتى أقصاه.

– أنتم كصحفيين.. أو بالأساس صحفيو الإ نترنت، هل تستطيعون إيصال المأساة الكوردية والانتهاكات التي تمارس بحق الشعب الكوردي في سوريا إلى العالم في ظل الرقابات البوليسية والحجب المتواصل على النت والمواقع السورية؟

طبيعي أن الصحفي السوري بشكل عام، يتعرض لمزيد من المعوقات التي تحول دون أداء واجبه بالشكل المطلوب، ولا سيما أن سياسة حجب المواقع لم تبق للصحفي والقارىء ذلك الفضاء المطلوب للتواصل، ناهيك عن الضغوط التي تتم على كتابنا، بل وحتى متصفحي الإنترنت على حد سواء.

– كصحفي كاد يفقد حياته في سبيل حرية التعبير والكلمة والصورة الشفافة والجريئة، ماذا تقول للسلطات السورية، وللإعلام العربي ودوره السلبي في تغطية الأحداث؟

لكم كان جميلاً لو أن الإعلام الوطني تنطح للجريمة النكراء، وأدانها، واعتذر من ذوي الضحايا، ووعدهم بمحاسبة المجرمين، لا اللجوء إلى بعض الشخصيات التي فقدت مصداقيتها، وتشكك بما تم، ومحاولة تقزيمه وتحويله ربما إلى مجرد حادث سير، أو خلاف اجتماعي، بطريقة غوبلزية، مضحكة ومثيرة للأسف.

أجل، إن الإعلام العربي كان مقصراً جداً في تغطية ما تم بالشكل المطلوب، ولعل ذلك كان من ثمار قرارات وزراء الإعلام العرب، في اجتماعهم الأخير، رغم أن الكثير من وسائل الإعلام تشوه صورة الكردي، بدلاً من إنصافه، وأن مشوهي صورة الكردي شركاء في إطلاق الرصاص علينا، ولعلهم السبب الرئيس في كل بلاء ضد الكرد.

– حين أصبت بطلقة في رأسك ماذا تراءى أمامك لحظة ذلك؟

طبعاً، كنت على بعد ثلاثمئة متر من مسرح الحدث، كنت اتوجه صوبه، بينما الناس كانوا تفرقوا، وعادو إلى بيوتهم. ربما فعلت ذلك بدافع فضول الصحفي، وحب المهنة الذي لم يجعلني أصدق أن ما أسمعه من إطلاق رصاص، قد يعرضني للأذى، كنت أسير بلهفة بل وبثقة تامة صوب الشارع العام، كأني لا أصدق أن رصاص الوطن سيصيب المواطن، إلى أن أحسست بسائل لزج ينهمر من أنفي ووجهي، وكانت سيكارتي في فمي، لقد عرفت أنه الدم، وأنني مصاب. غيرت اتجاهي صوب البيت لأودع البيت الذي تربيت، وحلمت وأحببت فيه الناس ألقي عليه النظرة الأخيرة، وليس اتجاه أي مشفى، لأنني عشت حالة أن عمري الباقي ليس إلا مجرد دقائق، لم أفكر بنفسي، لم أخف آنئذ، كنت وجهاً لوجه أمام ما اخترته أصلاً، فقط فكرت بأمّ وأب وأخوة وأخوات سيحزنون وصديقة، وأصدقاء- كلّ ذلك تمّ خلال ثوان، بل ربما لثانية- كم في إمكان الثانية الواحدة أن تتحمل لو أردنا ألا نضيع الزمان هدرا؟ من سيكمل عني مشاريعي الكثيرة؟ من سيردّ على هواتف صديقتي من بعدي؟ من سيبحث عن أرشيفي؟ من سيجمع ما كتبت؟ كان قميصي الجديد لا يزال في يدي، قميصي الذي اشتريته ليوم العيد، ولم ألبسه، وهو ما سيعيده إلي الجيران مع نظارتي بعد أيام، حين علموا بشفائي، ولم يريدوا إيلام أمي المريضة به، وأنا في حالة الغيبوبة التي تشبه الموت الذي نسبني إليه الناس وهم يسعفونني. لا أدري بعد أن غيرت اتجاهي أين وكيف سقطت؟ عموماً، لقد كانت طلقة غادرة، اخترقت رأسي وتركت فتحتين، وسامين ،إلا أنها لم تصب الدماغ بأذى مباشر، بيد أنني لا زلت أسأل: أين بقايا سيكارتي تلك؟ رأسي يابس؛ اعترف، لكني أحب العالم كله، أحب الحياة.

– إصابتك هل ستمنعك من متابعة مسيرتك الصحفية؟

الكتابة عندي ليست نزوة، وليست زواجاً سياحياً.

حين أفرح بأن الله منَّ علي، ورأف بأسرتي، وكتب لي الحياة، وأن أبوي رزقا بمولود عمره أربعة وعشرون عاماً، فذلك لأنني أحلم بأنني سأكتب، وأنني سأقوم بطباعة مخطوطاتي، وأكمل مشاريعي التي أواصل الليل بالنهار من أجلهاـ ولا يبقى من يومي إلا مجرد ثلاث ساعات للنوم منذ سنوات، ناهيك عن أنني أدرس في الجامعة، وأقوم بتدريس مادة اللغة العربية، والتقي الناس، وأحب الرقص، وسماع الموسيقا والغناء، اطمئن، وأنا على فراشي في الساعات الأولى واصلت بعضاً مما كان علي من واجب إعلامي، متحدياً ذلك الخدر اللذيذ الذي جعلني أشبع من النوم، والذي لا يزال يرافقني، ولم اتخلص منه، لأن آلام الجرح تستفحل بين حين وآخر، وستبقى الآثار – عميقة- في داخلي، بل لا يمكن أن أنسى هؤلاء الشهداء، الذين نالوا شرف الوسام من الدرجة الأولى، كي يبقوا لنا أوسمة الدرجة الثانية، على حد قول شاعر كردي لأبي، على أن أكون وفياً لدماء هؤلاء، بل ديون أصدقاء الشعب الكردي وأبناء شعبنا الكردي في كل مكان ممن تجشموا عناء السفر من كل المدن السورية للاطمئنان علي، أو ممن اتصلوا هاتفياً أو عبر البريد الإلكتروني، من داخل سوريا، ومن كردستان، ومن كل أنحاء العالم، وهو ما يجعلني طوال عمري أشعر بعقدة “الدين” تجاه هؤلاء، واستمر في الحب الذي تعلمته في مدرستي الأولى: بيتي، كي نفتح الصدر دوما للناس.

لعل من الجمل الأولى التي قلتها لأبي ومن حوله في غرفة المشفى فور فتح عيني، هو إنني سـأعد يوم21 آذار عيد ميلادي، ولا أدري أيجوز ذلك قانونياً…..؟

– ما بين الظلمة والنور كلمة، تبدد السواد وتوضح كل شيء بشفافية، كلمة أخيرة تقولها، ولمن توجهها بعد رحلتك مع الموت وعودتك للحياة؟

حقاً، ما أزال غير مصدق أنني أعيش، وهو ما تكرر معي قبل الآن، لأنني واجهت الموت- ثماني مرات- منذ الطفولة إلى الآن، وساتحدث عن المرات الثماني، إن كتبت لي الحياة….

أجرى الحوار: جهاد صالح.