الرئيسية » مقالات » ماهي حقيقة العلاقة بين الشعب العراقي والنظام الملكي ؟

ماهي حقيقة العلاقة بين الشعب العراقي والنظام الملكي ؟

لقد قيل وكتب الكثير حول أسباب ودوافع ماجرى صبيحة 14 تموز 1958 المشؤومة وقد نتفق مع بعضه ونختلف مع البعض الآخر ولكن بين هذا وذاك نلاحظ وجود فكرة يُصِر مؤيدو ماحدث في ذلك التأريخ الأسود على ترديدها دوماً لجعلها أمراً واقعاً ومن المسلمات التي لاتقبل النقاش وهي أن هنالك فجوة كبيرة وحالة نفور وسخط شعبي واسع كانت موجودة بين أبناء الشعب العراقي من جهة والعائلة المالكة ونخبتها السياسية من جهة أخرى هي التي مَهّدت وكانت السبب وراء كل ماحدث مما يسمونها وثبات وحركات وإنتفاضات وثورات أثناء تلك الفترة ضد النظام الملكي والتي قادت في نهاية المطاف الى ماجرى في 14 تموز 1958.. من بين هذه الإنتفاضات والثورات على سبيل المثال تلك الحركة التآمرية التي قام بها أحد السياسيين العراقيين الذي كان متأثراً بأفكار هتلر النازية طمعاً بالسلطة بالتعاون والتنسيق والتآمر مع مجموعة من الضباط المغامرين في مايس1941 والتي لايزال البعض يصفها حتى اللحظة بـ(ثورة مايس) فيما يُسمّيها أهلنا الطيبين البسطاء حتى اللحظة بـ(دكّة رشيد عالي) لطبيعتها التآمرية ولِما جرّته على البلاد والعباد من ويلات ودمار من دون أي سبب يذكر.. وكلنا نعلم بأن كلمة (دكّة) هي كلمة من اللهجة العامية العراقية تعني التصرف الأعوج والعمل السيء والمعيب وغير المقبول لذا لو كان الشعب العراقي ساخطاً على النظام الملكي الذي قامت ضده هذه الثورة ومتعاطفاً مع مُخطِّطِيها ومُنفِّذيها ومؤمناً بأهدافها لما أطلَق عليها شعبياً وفِطرياً هذه التسمية التي أصبحت جزئاً من التراث الشعبي العراقي لم يستطيع كائن من كان تغييرها حتى هذا اليوم

إن من الغريب أن يتحدث البعض عن وجود فجوة ونفور بين الشعب العراقي وعائلته المالكة في الوقت الذي لاتزال ذاكرة العراقيين تحتفظ حتى هذه اللحظة بالإهزوجة الشعبية التي أطلقوها يوم ساروا بالألوف في تشييع جثمان مليكهم المحبوب وباني دولتهم الحديثة فيصل الأول في موكب مهيب الى المقبرة الملكية حيث رددوا يومها بتوجع وألم :

ياسفينة التايهة وطَرها الفَلَك مات فيصل ياغريب إذكر هَلَك

أما حب الشعب العراقي لمليكه الراحل غازي فليس بحاجة الى دليل إذ يَذكُر لنا التأريخ كيف تجمهر أبناء الشعب العراقي قبالة البوابة الحديدية للبلاط الملكي لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الملك الفقيد الذي كان مسجى في ساحة البلاط الملكي وهم يصرخون بملء حناجرهم :

الله أكبر ياعرب غازي إنفكد من دارة

وإرتجت أركان السِمة من صدمتة السيارة

وعندما خرج الموكب المهيب لنعش الملك الفقيد ضجت جموع العراقيين رجالاً ونساءً بالعيول والبكاء ولما رأى أحدهم حصان الملك غازي (أشكر) يسير وحيداً بخطى رتيبة مفتقداُ فارسه وخياله صرخ وسط الجموع بصوت متهدج يُناشد الحصان ” وين خيّالك يا أشكر ” مما أهاج مشاعر الجماهير فتعالى نشيجها وبقيت جموع العراقيين تسير خلف جثمان مليكها الراحل حتى أوري الثرى في المقبرة الملكية الى جانب أبيه وأب العراقيين جميعاً فيصل الأول .

ولو كانت هنالك فعلاً فجوة ونفور بين الشعب العراقي والعائلة المالكة لما بكت جداتنا وأمهاتنا بدل الدموع دماً وضربن على رؤوسهن حزناً على الملك الشاب فيصل الثاني عندما سمعوا بخبر إغتياله غيلة وغدراً على يد إنقلابيي (ثورة 14 تموزالمباركة) وهي لحظات حزينة ومؤلمة عاشها أغلب العراقيين ولاتزال حاضرة بذاكرة من بقي منهم على قيد الحياة كما ولازالت بعض بيوت العراقيين تحتفظ بصحون وأباريق شاي كانت منتشرة في ذلك الزمان إقتناها أغلبهم نُقِشت عليها صورة الملك الشهيد وكانت لها قصة غريبة تناقلها أجدادنا وأبائنا حتى وصلت إلينا تقول بأن بعض هذه الصحون والأباريق التي كان العراقيون يضعونها على الرفوف ليشبعوا عيونهم في كل لحظة برؤية مليكهم الوسيم الحبيب قد سقطت من تلقاء نفسها على الأرض صبيحة ذلك اليوم مما دفع بأصحابها للتشاؤم والشعور بحصول أمر سيء للملك قبل أن يسمعوا بخبر إستشهاده وعائلته بمجزرة قصر الرحاب من الإذاعة وأخيراً لا داعي لأن نذكر مارددته جداتنا وأمهاتنا من كلام طوال السنين الماضية حول الربط بين ماحدث في ذلك الصباح المشؤوم وماتلاه من مصائب وويلات مرت بالعراق منذ ذلك اليوم وحتى الآن.. لذا لا أعلم كيف إن أهلنا كانوا يبكون على رحيل الملك وأفراد عائلته ويحتفظون حتى الآن بصحون وأباريق نُقِشت عليها صورته الجميلة وفي نفس الوقت خرجوا فرحين مرحبين بالثورة التي قام بها الرجال الذين قتلوه كما تدعي وتروج البروباغندا الآيديولوجية لبعض الأحزاب والتيارات العراقية !.. أليس في هذا تناقضاً فاضحاً بين ماحصل بالفعل في ذلك الصباح وبين مايُدّعى اليوم بأنه قد حصل ؟