الرئيسية » بيستون » جملة حول حملة

جملة حول حملة

تمر هذه الأيام ذكرى مأساة التهجير، تلك المأساة التي كانت دوافعها سياسية وإجرائتها بعيدة عن الإنسانية وخالفت كل الأسس القانونية، ففي عام 1980 حشد النظام الدكتاتوري كل أجهزته الأمنية والحزبية لتنفيذ حملة تهجير لا معنى لها سوى الإنتقام من شريحة إجتماعية لا تمنح الولاء لقتلة أبنائها، كما كشفت تلك الحملة عن جوهر النظام لمن لم يدرك آنذاك طبيعة النظام.
ولم يكن في خلدنا الكتابة عن هذه المأساة التي كتبنا عنها جوانبها القانونية والسياسية أكثر من مرة، وللأسف لم تجد حلاً جدياً لحد الآن، بسبب من حدة مرارتها وحجم أثارها، حيث تشكل حالة عدم معالجتها الشاملة عنوان للإحباط وإنعدام للأفاق بشكل عام، فهي من القضايا الواضحة من حيث طبيعتها وكيفية حلها، وهذا ليس يأس فينا بل تأكيد على إن مصدر القرار لم يحدد أولوياته بالشكل الذي يساهم في بناء عراق جديد يقوم على نبذ كل ما يسبب خدش وليس طعن لكرامة الإنسان وبالتالي إهدار حقوقه الأساسية في وطنه، وفي أي مكان.
ولكن قرأنا النداء الذي أعلن يوم 10 آذار / مارس 2008 في مواقع ألكترونية متعددة عن حملة لجمع التواقيع ( نداء لدعم نضال الكُرد الفيلية من أجل حل قضاياهم المُعلقة وإنصافهم )، فكان نص النداء حافزاً لنا للكتابة، خصوصاً وقد تذكرنا الحديث مع الأستاذ العزيز زهير كاظم عبود، قبل أكثر من شهرين على وجه التقريب، حول أوضاع العراق، وكان معنا الدكتور مؤيد عبد الستار والدكتور عدنان عباس من بولندا، وبعد إنتهى الحديث، وكل منا قرر الذهاب، قال لي الأستاذ زهير ( أبو سومر يعني أحنه أمساهمين بهذا الوضع الصعب )، هذا القول الذي لن أنساه أبداً، فأجبته نعم أبا علي، لأن وصف الحال على عكس ما يعيشه الناس، لا يعد معالجة بل مساهمة في ترسيخ واقع الحال. وكانت هذه الـ يعني مؤثرة، وتشكل لنا في حقيقة الأمر إستدراك جاد، فقد حفزتنا لكتابة هذا الموضوع بالذات؟؟؟
نعتقد بأن قضية الكرد الفيلية من القضايا التي تم إهمالها بشكل واضح ولم تعالج بشكل يتناسب مع طبيعة القضية وحجمها، ناهيك عن أثارها الفعلية على عموم شعب العراق، بإعتبارها قضية وطنية بإمتياز، وبالتالي نزعم بأن إهمال هذه القضية وبهذا الشكل يجعلها مؤشر كافي لتيئيس أصحاب الحق من إمكانية تحقيق العدل والإنصاف في التعامل مع جملة القضايا التي تحتاج إلى معالجة وتساعد على زج طاقات بنات وأبناء العراق في عملية البناء على أسس تعتمد على إرادة العراقيات والعراقيين، وذلك لا يعني سوى إهمال لطاقات أبناء البلاد. وهنا لسنا بصدد التوقف عند جدوى الحملات وجمع التوقيع من دون مناسبة أو بوجود مناسبة، خصوصاً ما يتعلق بالكرد الفيلية وبعد إنتهاء مؤتمر( صرخة الكرد الفيلية ) في غرفة البرلمان / موقع صوت العراق، وتناول العديد من الكـتّاب في مقالات عديدة لهذه القضية مع بدأ عملية التحضير للمؤتمر المذكور، وكان من بينهم بعض المبادرين لهذه الحملة، لأن موضوع الحملة وإعلانها وجدوها هو شأن المبادرين والموقعين، والجملة التي لدينا تتمحور حول نص الحملة / النداء كصيغة تكشف عن القضية وتحدد حلول لها، من باب الإشارة لا أكثر، كما يقول أبو المثل( الحر تكفيه الإشارة )، وهذه الإشارة نبتغي منها التأكيد على تلك الحقوق وضرورة تحديدها بشكل ملموس وليس بصغية لم تحرك جذراً واحداً من جذور المشكلة حتى الآن.
لقد قرأنا النداء المذكور، مرات ومرات، فوجدناه لا يختلف عن الكثير من الكتابات الخاصة بشأن الكرد الفليلية التي تهتم بالجانب الشكلي والتركيز على وصف الحال وطرح الأمر بتكرار لا طائل منه بعيداً عن حقيقة القضية، والمطالبة بما لا يمكن تلبيته، والبقاء في فلك العواطف، في حين أبناء البلاد يتأرجحون وسط العواصف.
ولذلك لم يثير فينا نص النداء حالة الإستغراب بقدر ما دفعنا لمناقشة النص حرصاً على قضية عوائل الكرد الفيلية التي لا تحتمل المزيد من الإهمال أو العلاج بالأوهام، على الرغم من توقيع النداء من قبل عدد من الأسماء المعروفة في الساحة الأعلامية وبعضها يحمل شهادات أكاديمية ومن بينهم قانونيين.
يبدأ النداء بـ ( نحن الموقعين أدناه نضع أمام كافة الجهات المسئولة في العراق الملف الكردي الفيلي بما يحمل من مطالب عادلة ومشروعة بات تأجيل أو تأخير حلها يؤرق المزيد من المواطنات والمواطنين والعائلات الكردية الفيلية , ومن يماثلهم في قضيته من العرب المهجرين قسراً ) وهنا يسأل الكثير من أبناء شعبنا ونحن معهم، هل عدالة مطالب الكرد الفيليّة ومشروعيتها كانت خافية والآن يضعها المبادورن والموقعون على النداء كملف أمام الجهات المسؤولة ؟؟؟ فعندما سؤلنا قلنا ونقول الآن، لا نعرف ماذا نجيب !!! علماً إن سؤال كان يؤشر على إن هذا الأمر عجيب !!!
إن مأساة من طراز عملية التهجير والتقتيل والتسليب وخلال 23 عام، أي منذ عام 1980 حتى 2003 ، ولا نتحدث عن العماليات السابقة، كانت مادة كل البيانات والتصريحات والندوات التي تتحدث عن الدكتاتورية وسياسيتها اللاإنسانية، ليس فقط في صحف الأحزاب والحركات ووثائقها بل كتب حولها المختص وغير المختص، وعلم بها القاصي والداني، إلى درجة إن تلك الأحزاب والحركات والأفراد هم في مركز القرار السياسي أو قريبين منه بهذا الشكل أو ذاك، منذ التغيير في 9 نيسان / أبريل 2003، نعم تغيير المشكلة من حيث الحجم والشكل والمسبب، خمس سنوات والقضية لم تعالج بإقرار السادة المبادرين لإصدار النداء والموقعين عليه. وسؤالنا الأخر … هل الـ تأجيل أو الـ تأخير … يؤرق المزيد من المواطنات … فقط، أم يكشف عدم أهلية الجهات المسؤولة التي بيدها الحل، وعدم قدرتهم على علاج هذه القضية الوطنية ذات الجوهر السيادي كما هو حال بقية القضايا الوطنية؟؟؟ وهل يعقل إن مأساة من هذا الطراز وخلال هذه المدة الطويلة توصف بأنها مؤجلة ؟؟؟ فماذا نقول عن القضايا الأخرى التي لها علاقة بحاجات الناس اليومية وضماناتهم الإجتماعية ؟؟؟
وإذا كان تأجيل أو تأخير ( ولا نعرف الفرق بين التأخير والتأجيل !!! ) الحل يؤرق … فماذا فعلت السنين منذ مأساة التهجير عام 1980 على أقل تقدير حتى تاريخ التأجيل او التأخير بـ المواطنات والمواطنين والعائلات الكردية الفيلية ؟؟؟!!! ، إن هذه القضية ليست عملية تهجير مجرد، إنما كانت عملية عدوانية وحربية بالوسائل والنتائج، وفيها أروح أزهقت وحياة دمرت، وأحياء وجدوا أنفسهم أمام المجهول، ولا يزالون أمام المجهول، فلن تنفعهم الوعود ولا الكلام المعسول ودماء أبنائهم وكل أبناء العراق من مختلف القوميات والأديان والإتجاهات السياسية كانت سيول.
كان المطلب رقم 1 في النداء ينص على ( إلغاء القوانين والمراسيم والقرارات والإجراءات التي صدرت عن النظام الاستبدادي السابق والتي أدت إلى مصادرة حق الكُرد الفيلية في المواطنة ومصادرة جنسيتهم العراقية وأموالهم المنقولة وغير المنقولة ) .
حقاً لا نعرف ماذا نقول إزاء هذا النص، الذي يطالب بإلغاء ما هو ملغي، فنص الفقرة ( د) من المادة 11 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الإنتقالية يقول ( يحق للعراقي ممـّن أُسقطت عنه الجنسية العراقية لأسباب سياسية أو دينية او عنصرية أو طائفية ان يستعيدها ). ونص الفقرة (هـ) من ذات المادة يقول ( يُلغى قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 666 لسنة 1980 ويعد كل من اسقطت عنه الجنسية العراقية بموجبه عراقياً )، وهذا القانون قد صدر في 8 / 3 / 2008 ، والنداء أعلاه صدر في 10 / 3 / 2008 ، ألا يكفي هذا كدليل على الإهمال وليس التأخير والتأجيل من جهة وعدم جدوى المطالبة بإلغاء ما هو ملغي، لأن ما تم إلغائه لا يعالج هذه القضية، ونزعم إنها مْغلقة وليست مْعلقة، فـ ( دولة القانون ) التي نتجت عن ” العملية السياسية ” قد شرعت قانون للجنسية جديد برقم 26 لسنة 2006 نشر في الجريدة الرسمية / الوقائع العراقية بالعدد 4019 بتاريخ 7 / 3 / 2006 ، حيث نصت المادة 17 ( يلغى قرار مجلس قيادة الثورة (المنحل) رقم (666) لسنة 1980 وتعاد الجنسية العراقية لكل عراقي اسقطت عنه الجنسية العراقية بموجب القرار المذكور وجميع القرارات الجائرة الصادرة من مجلس قيادة الثورة (المنحل) بهذا الخصوص )، فما المطلوب إلغائه حسب النداء ؟؟؟؟؟ نستعين بالقراء قبل أصحاب النداء لمعرفة مغزى هذا النص ؟؟؟؟؟ !!!!!
أما المطلب رقم 4 في النداء ينص على ( استعادة كامل حقوقهم التي سلبت منهم , سواء أكانت أموالاً منقولة أم غير منقولة وتوفير مستلزمات العيش الكريم لهم بعد عناء وعذاب طويلين ). ولا خلاف لدينا حول إستعادة الحقوق، ولكن جملتنا تتعلق بكيفية إستعادة تلك الحقوق خصوصاً الأموال المنقولة؟؟؟ كيف يتم حصرها والتوثق من صحة ملكيتها وبالتالي إعادتها؟؟؟ عسى أن يفيدنا كْـتّاب النداء حول تلك الكيفيات، فالناس تقرأ الأصطلاح ولا تعرف مغزاه، ولنا ثقة بإستجابة الكتّاب ومساعدتهم للقراء في هذا المجال.
أما نحن، فنشير إلى ضرورة توخي الواقعية والإمكانية الفعلية في مثل هذه الأمور التي تخص أوجاع العراقيين، وليس المطالبة المجردة وكأن المطالبين يؤدي عملاً يراد منه نيل الوجاهة وليس حل الطلابة، ومن أجل الحل الجدي لابد من المطالبة بالتعويض كواجب وطني أمام أية جهة أو حكومة، وتوفير مستلزمات السكن وفرص العمل بإعتبار ذلك ضمانات لعودتهم لوطنهم وأساس يشجع على زج طاقاتهم في عملية بناء الحياة الكريمة، أما القول بإستعادة الأموال المنقولة كما ورد في نص النداء فهذه عملية مستحلية بالإرتباط من إستحالة حصر المال المنقول والتوثق من حجمه سيما، ومنفذي حملة التهجير سلبوا الكثير من ممتلكات المواطنين لحسابهم الخاص من دون تدوين الوقائع وحصر الممتلكات و… و… و … ، والحريق إلتهم الكثير من المؤسسات الحكومية والتزوير عبث بالكثير من الحقائق، وهذا الأمر يتطلب موقف جدي منذ الأيام الأولى لهزيمة النظام السابق، أما الأموال المنقول وخصوصاً المساكن والمحلات والمعامل، فيكون الأصل إعادتها لإصحابها والتعويض للأخرين ممن أشترى من الدولة أو من بائع ثاني، وعدم ترك المعالجة للجهود الفردية، والتي نتائجها الضارة لبست خافية، علماً إن الأضرار تلك شملت الأفراد الذي تعرضوا للقتل أو التهديد أو دفع مبالغ مقابل تسليم العقار، وفي ذات الوقت الأضرار التي شملت المجتمع بشكل عام وتجسدت في ضعف ثقت المواطن بمؤسسات الدولة، وهذا أمر خطير يتطلب العمل بجدية لمنع إنتشاره.
إن المطلب رقم 7 ينص على ( إصدار قرار من الحكومة العراقية تؤكد فيه حرصها على تسريع حل هذه الإشكاليات دون عمليات بيروقراطية محبطة للجهود المبذولة لحل المشكلات الراهنة ). وبعد كل ما تقدم، يزداد الإستغراب من هذا النص الذي لا محل له من الإعراب، أي قرار هذا الذي ينتظره أصحاب النداء بعد بعد صدور ” قرار مجلس الحكم ” بشأن إلغاء قرارات التهجير وإعتماد حق الجنسية المزدوجة، وصدور ” قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الإنتقالية ” ومن ثم صدور ” قانون الجنسية العراقية رقم 26 لسنة 2006 ” وأخيراً إقرار ” دستور جمهورية العراق الدائم “، فمن لا ينتبه لهذه النصوص، وخصوصاً الدستور، حول قضية أساسية يمكن أن نطالبه بإصدار قرار يؤكد حرصه على حل الأشكاليات ؟؟؟ أي حرص هذا الذي تؤكده الحكومة العراقية بهذا الشأن، شأن الكرد الفيلية؟؟؟ لقد كان أما القوى المشاركة والحكومات المتعاقبة ما يقرب من 1820 يوم ولم يلمس أصحاب الحق حرصاً على قضيتهم، ولا نعرف قد يكون أصحاب النداء لهم القدرة على إستصدار ذلك القرار الذي تعبر فيه الحكومة عن حرصها، فنقول بعد هذه المدة عملاً جميلاً وشكراً جزيلاً !!! ولكن في ذات الوقت نتسائل، هل حل قضية الكرد الفيلية متوقف على قرار من هذا الطراز؟؟؟ أرحمونا يرحمك من يبده القرار، وأتركوا لإصحاب القضية المرار. هذا وقد أختتم النداء بهذه الأسطر( نحن الموقعين أدناه إذ ننطلق من قناعتنا بأن الحكومة العراقية مقتنعة بصحة هذه المطالب ومشروعيتها وعدالتها , فأن المطلب يتركز في وضع آليات سليمة تسرع معالجة تلك المشكلات وتمنع محاولة إعاقة ذلك لأي سبب كان ). لا تعليق لدينا على هذه الأسطر سوى كلمة ما شاء الله !!!!!! خمسة سنوات والحكومة حسب قناعة أصحاب النداء مقتنعة بأن المطالب مشروعة وعادلة، ومطلب أصحاب النداء يتركز على وضع الآليات … ساعدكم الله أيها الكرد الفيلية فقضيكتم ليست كبيرة وهي لا تحتاج لجهودكم ومواصلة النضال الجاد، فكل الأمر يتعلق بالألية، لا إهمال ولا تقصير ولا عدم إدراك ولا هم يحزنون !!! نعم أيها الأعزاء، تعتبر عملية الكشف عن مواطن التقصير أعظم خدمة تقدم للمجتمع، فالكشف عبارة عن نصحية، والنصيحة لا يأخذ بها سوى العامل بالحق، أما إعتماد لغة غير منحازة لإصحاب الحق، فهو التقصير بعينه، لا بل إن هذا التقصير يتعاظم عندما يتم التستر على واقع الحال والمجاملة في وصفه، كما تتعاظم قيمة الخدمة الوطنية عندما نضع العلاج العملي لأية قضية وعدم الإكتفاء بموضوعية وصف الحال، فالمجاملة في القضايا التي يواجهها العراق خلل يؤدي إلى الإغراق مهما قيل ويقال وسيقال.
20 آذار / مارس 2008