الرئيسية » التراث » قدسية النار في الديانات الكوردية القديمة و إنعكاسها في الديانات السماوية الأخرى (3 – 4)

قدسية النار في الديانات الكوردية القديمة و إنعكاسها في الديانات السماوية الأخرى (3 – 4)

كيف تنظر الديانة المسيحية إلى النار وتتعامل معها

في العدد الأول تكلمنا عن النار الكوردية و دورها في المجتمع الكوردي في العصور القديمة و في العصر الحديث. في العدد الثاني كشفنا عن أوجه النار في الكتاب المقدس، (التورات) العهد القديم، وهو كتاب خاص في الدياتة اليهودية. في هذا العدد نتحدث عن النار في الديانة المسيحية وما يقوله الكتاب المقدس،(الإنجيل)، العهد الجديد، بصدد هذا الموضوع الآية، التي ذكرت في انجيل يوحنا 8 = 12، أنا هو (نور) العالم، مَن يتبعني، فلا يمشي في الظُلمة، بل يكون له (نور) الحياة،ترسم مسار دعوة السيد المسيح، لخلاص البشرية من الخطايا. الأرثوذكس الشرقيون يحتفلون بمناسبة سبت النور الذي يصادف قبل حلول يوم ( أحد الفصح). كلمة ( النورية) هي تأنيث كلمة ( النوري) والتي هي لقب مريم العذراء عند بعض المسيحيين. بعيداً عن الرمزية و التأويل، فأن النار، كما جاءت في قواميس اللغة العربية هي عنصر طبيعي فعال، تمثله النور و الحرارة المحرقة.

جاء في لسان العرب المَنارة (الأصل “مَنْوَرَة”)هي موضع النور، من الأمثلة على تلك هي منارة المراكب. والمسرجة والمِئْذنة. يذكر محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، أبو عبد الله، (المتولد في سنة 691) ( والمتوفي في سنة 751 ه) نص العهدة العمرية في كتابه المعنون( أحكام أهل الذمة) في صفحة(1162) والذي يتألف من ثلاث أجزاء. نحن هنا لسنا بصدد ذكر النص الكامل للعهدة، بل نذكرالنقطة التي هي موضع إهتمامنا. كتب نصارى الشام إلى الخليفة عمر( رض) عهدةً، جاءت فيها مجموعة شروط وجب عليهم الإلتزام بها و التي تقول: لا يظهروا (النيران) معهم. يتضح من هذه الوثيقة أن النصارى كانوا يرفعون النيران أثناء إداء طقوسهم. يتبين لنا مما تقدم أن رفع النيران قد تم إستبداله في العصور الحديثة وذلك بإحلال الشموع والقناديل محلها.

جاء في إنجيل متى ص 4 عن يوحنا المعمدان: ( أنا أٌعمدكم بالماء لأَجل التوبة، ولكن الآتي بعدي هو سيعمدكم بالروحِ القدسِ، و بالنارِ. فهو يحمل المذرى بيده و سينقي بيدره تماماً: فيجمع قمحه إلى المخزنِ، و أَما التبن فيحرقه بنارٍ لاتُطفأُ!). تحدّث يسوع عن النار التي لا تنطفئ (مت 5 :22؛ 18 :8؛ 25 :41). قوّة النار التي تدخل في كل مكان، تستطيع أن تنقّي كل شيء. في هذا المعنى يمتلك العماد المسيحيّ أن يفعل ما تفعله النار (مت 3 :10). (ج) النار صورة. تُستعمل صورة النار للكلام عن خطر كبير (مز 66 :12؛ إش 43 :2)، عن ألم وعذاب (مز 39 :4)، عن كلمة الله التي لا نستطيع أن نحيط بها (إش 50 :19)، عن قوّة الحبّ (نش 8 :6، عن لسان الله (إرعن حضوره (مز 68 :3)، عن التسوّل (سي 40 9:30 )،عن (مز 68 : 3 )، عن الشًر (إش 9 : 17). ويُقال في ملا 3 :20 أن شمس البرّ ستطلع في يوم الربّ. وتؤكّد الأناجيل (مت 27 :45-56) أن الشمس أظلمت ساعة الصلب، ممّا حدا ببعض الأيقونوغرافيا المسيحيّة إلى أن تجعل منذ القرن السادس الشمس والقمر مع صليب يسوع. إبان سيطرة الكنيسة في أوروبا وتشكيلها محاكم التفتيش، كان المدان في هذه المحاكم يحكم عليه حرقاً بالنار. كوكب الصبح (2 بط 1: 19) أنه رمز لمجيء المسيح الثاني الذي يبدد الظلمة، يستعمله كاتب سفر الرؤيا (رؤ 2: 28) بمعنى الزمن الذي ينير كالنجوم في عالم البشر المظلم. ثم أنه استعمله في رؤ 22: 16 رمزاً للمسيح الذي هو النور الهادي إلى الحياة الصالحة.

جاء في (إنجيل متى) أنه عند ولادة المسيح ظهر كوكب دري في السماء ليكون دليلاً للزرادشتيين ليساعدهم في السفر من إيران (1) الى البيت المقدس لزيارة المولود. النجم الذي ظهر للمجوس (مت 2: 1-21). و إعتقاد معظم الناس بأنه كان ظاهرة خارقة، فوق الطبيعة المألوفة، قصد الله منها إرشاد المجوس إلى مزود المسيح الطفل، تتمة لنبوءة بلعام التي كانوا يعرفونها (عد 24: 17). لقد أدى النجم مهمته و قاد المجوس من موطنهم إلى القدس، إلى بيت لحم. قبل عيد رأس السنة الميلادية بشهر، يبدأ المسيحيون بإيقاد الشموع إبتهاجاً بميلاد السيد المسيح. في الوقت الراهن تمّ إستبدال الشموع بالمصابيح. كما أنّه في الثالث عشر من ديسمبر تصادف ذكرى القديسة (سانتا لوسيا)، حيث تحمل الفتيات الشموع على رؤوسهن التي ترمز للنور و تكريماً لهذه المناسبة. إسم يوم الأحد في اللغات الأوروبية ( سونداي)، يعني (يوم الشمس)، الذي تمت تسميته بسبب تقديس الناس للشمس قبل إعتناقهم الدين المسيحي. عاش هذا الإسم منذ ذلك الوقت الى يومنا هذا و هكذا إستمر وجوده عند المسيحيين بعد إعتناقهم الديانة المسيحية. عند الدخول إلى الكنيسة يُشاهد الصليب وحوله أربعة مصابيح، و في وسط الكنيسة قنديل معلق، فيه شمعة أو نار. عندما يقرء القس أو رجل الدين المسيحي التراتيل، توضع أمامه شمعتان، واحدة على يساره و الأخرى على يمينه و اللتان ترمزان إلى البشارة والقدسية . عند تشييع الجنائز، يوقدون النار في قنديل صغير، يحرقون فيه البخور و يحملونه أمام المتوفي إلى مثواه الأخير. عندما تقع حادثة تؤدي إلى وفاة شخص أو أشخاص في الدول الغربية، يقوم الناس بإشعال الشموع في المكان الذي وقع فيه الحادث، في مناسبات أخرى مفرحة أو محزنة يوقدون الشموع أيضاً أمام المحلات أو موقع الأحتفال تيمناً بتلك المناسبة. هذه الطقوس لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا.

في الديانة المسيحية فأنّ النار هي رمز لروح القدس حيث يقول يوحنا المعمدان: هو الذي يعمدكم بروح القدس و بالنار، والتعميد هو حفل يقام للطفل في الكنيسة: تنصير الطفل ليصير مسيحياً و ذلك بغسله بالماء المطهرعلى يد القس أوالراهب. كما جاء في سياق المقال، كيف أنّ النار في الكنيسة تكون معلقة في وسطها لأنها دليل البشارة والنور، ثم وضعها حول الصليب و إيقاد النار أو الشموع في المناسبات العديدة.


(1) كانت (إيران) في زمن ولادة السيد المسيح أوسع كثيراً مما عليها اليوم، حيث كانت تشمل كلاً من (أفغانستان) و ما ُتسمى اليوم ب (تركيا) و (أرمينيا) و مناطق واسعة من (آسيا الوسطى) و جمهورية (العراق) الحالية و كانت تسمى ب (آريان) أي أرض الشعوب الآرية والتي كانت تتألف من الكورد و الفرس و الأرمن و البلوش و الپشتو و الدري . الشعب الكوردي كان أول هذه الشعوب الذي أسس إمبراطورية في مملكة آريان الذي أسس في البداية دولة (إيلام) التي كانت تصل حدودها إلى مضيق هرمز شرقاً و نهر دجلة غرباً، بينما كانت الإمبراطورية (الميدية) أراضيها أوسع رقعةً من دولة (إيلام).