الرئيسية » مقالات » أكيتو البابلي الكلداني لماذا لا يكون عيداً رسمياً للدولة العراقية ؟

أكيتو البابلي الكلداني لماذا لا يكون عيداً رسمياً للدولة العراقية ؟

الروزنامة العراقية زاخرة بالأعياد الدينية الأسلامية والمسيحية ، وفي ظروف سياسية معينة كانت تظهر المناسبات والأعياد الوطنية كذكرى ثورة 14 تموز ومن ثم 17 تموز ، ويوم تحرير الفاو ويوم انتهاء الحرب مع أيران وغيرها . لكن الملفت هو غياب الأحتفال بالأعياد الوطنية العراقية والتي تتأثل جذورها الى اعماق التاريخ في بلاد ما بين النهرين ، وفي التاريخ المعاصر نلاحظ صدى لتلك الأعياد في سري صال ( رأس السنة ) اليزيدية والنوروز الفارسي والكردي .
في الميثولوجيا العراقية القديمة كانت الطبيعة تلعب دوراً كبيراً في معتقداتهم الدينية . هناك الحزن على موت النبات والحيوان في الخريف ويليه الفرح الذي يعم الجميع حينما ينبث النبات ويولد الحيوان لبداية حياة جديدة مزدهرة ، إنها دورة الحياة والتفاؤل بعد الممات . ويرمز الأنقلاب الربيعي الى هذه الولادة ويرمز الى بداية الحياة وتجددها والأول من نيسان هو عيد رأس السنة في المعتقدات البينهرينية .
من استقراء التاريخ لبلاد ما بين النهرين تبرز السلالات والدول التي توالت على حكم العراق وساهمت في بناء حضاراته . وعن السلالات البابلية يقول المؤرخ طه باقر انها 11 سلالة وكانت سلالة بابل الكلدانيـــة آخر هذه السلالات ومع افولها انتهى الحكم العراقي واصبح العراق تحت حكم الغرباء الى يوم 14 تموز 1958 م .
وتشير موسوعة الخليج العربي ان الكلـــدان في اوج عظمتهم وصل نفوذهم الى الخليج العربي والذي سمي باسمهم فعرف بالبحر الكلـــداني وكانت العلاقة وثيقة بين الخليج والدولة الكلدانية بقيادة نبوخنصر ويقول الخليجيون ان الكلـــدان خرجوا من الخليج باتجاه بلاد ما بين النهرين ، وكانت العلاقة وثيقة بين بلاد بابل والقطر البحري فالدولة الكلدانية كانت مقسمة الى 23 ولاية وأول هذه الولايات هي مقاطعة القطر البحري ، وكان لهؤلاء مكانة سامية لدى الملوك الكلدانيين (موسوعة الخليج العربي : محمود شاكر ج1 ص43 ) .
كانت بابل مركز إقامة إحتفالات اكيتو ، وفي العراق القديم كان على موعد سنوي في مناسبتين ، الأولى هي مناسبة جني التمور ، والثانية هي عيد جز الصوف الذي يحتفل به بين شهري آذار ونيسان .
وكان هذا العيد أي حلول فصل الربيع او انبثاق حياة جديدة وهو عيد رأس السنة الذي يرمز الى تجدد الحياة وقد اطلق عليه السومريون اسم ( زكموك ) وسماه البابليون الكلدانيون باسم أكيتو وكلا من الأسمين يعني رأس السنة .
لقد كتب ( حقوثا ) مقال واف كامل تحت عنوان ” أكيتو .. رأس السنة الكلدانية البابلية ” في موقع عنكاوا على المنبر الحر وكان مذيلاً باسم ( كلداني من القوش ) . لست مع كاتب المقال من حجب اسمه لكن يتوجب علي احترام رأيه ورغبته . وربما الرجل محق في توجهه هذا ففي الزمن الراهن يجري التزوير على قدم وساق ويلغى اكيتو الكلداني ليصبح بقدرة قادر أكيتو آشوري محض .
يتعين علي القول ان أكيتو يمثل عيد رأس السنة في العراق القديم ومن حق كل المكونات العراقية ان تفتخر بهذا العيد لكن انا لست مع احتكاره من قبل الآشوريين ولا يحق لهم إقصاء الكلدان من الساحة العراقية . وما يؤسف له فلا زالت عقلية الفكر الأديولوجي الأقصائي سائدة ويروج لها بقوة وتجزل لها الأموال ويسخر لها إعلام قوي منتظم .
من المفارقات الطريفة ان أجد صورة لهذه الحالة عند حفيديّ الأول بول الكسندر الملقب كوكي والثاني وهو حفيدي تومي . ويوماً جاءت ابنتي عندنا ومعها كوكي وقد اشترت له لعبة جديدة غير مفتوحة من غلافها ، وحالما لمحها تومي أخذ يصيح ويصرخ هذه لعبتي .. هذه لعبتي وجرها من يد كوكي .
والسؤال كيف اصبحت لعبته وقد اشترتها ام كوكي لابنها وهي في غلافها لحد الآن ؟ وفعلاً رضخنا جميعاً لصراخ وعربدة الطفل تومي واشترينا لعبة جديدة لكوكي ، وهذا ما حل بشعبنا الكلداني ايضاً ، فإن كان أشقاؤنا الأشوريين يرون في اكيتو زيادة علينا فليأخذوه حلالاً لهم كما أخذوا الأشياء الأخرى .
لكن في هذه المقال فإن اصول الكتابة ترغمني على التمسك بعنوان المقال ولهذا أقول :
إن أكيتو عيد عراقي اصيل كانت تقام طقوسه في مدينة بابل واعتبر ارسطو مدينة بابل اعجوبة الدنيا فلا عجب ان يزعم نبوخذ نصر مدينة بابل بقوله وكما جاء على لسان حاله فيما ورد في سفر دانيال :
أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك باقتداري وجلالة مجدي . ونحن نتساءل هل بابل تمثل مجد الكلدانيين والآشوريين فقط ؟
ألا تمثل بابل الوجه المشرق لتاريخ العراق ؟
إذا استثنينا الشعب الكردي الذي يحتفل بعيد نوروز واليزيدية الذي يحنتفلون بعيد سري صال ، فإن الأعياد الاسلامية في الوسط والجنوب تتركز على الأعياد الدينية الأسلامية ومؤخراً اضيفت الطقوس الشيعية لتكون جزءاً من الأحتفالات العراقية . فهل التاريخ العراقي يبدأ بالقرن السابع الميلادي يوم اضيف الى قائمة الدول الأسلامية ، أم ان للعراق تاريخ القبلاسلامي يمتد الى سحيق الأزمنة بألاف من السنين ؟
والسؤال :
الا يحق لكل هذا التاريخ ان تخصص الدولة العراقية يوماً للاحتفاء بتاريخ هذا الوطن ؟
العراقيون بانتماءاتهم الدينية والقومية والمذهبية هم عراقيون قبل كل هذه الأنتماءات ومن هذا المنطلق الا يجدر بهم ان يحتفلوا بمناسبة وطنية عراقية قبل هذه المناسبات ؟ اليس حرياً بهم ان يحترموا انتمائهم العراقي بالأحتفال بيوم وطني عراقي ؟
إن أكيتو عيد رأس السنة البابلية الكلدانية ليس عيداً للمسيحيين فحسب إنما هو عيد كل الشرائح المجتمعية العراقية من عرب وأكراد ويزيدية وكلدانيين وأرمن وأشوريين وسريان وسنة وشيعة ومسيحيين على اختلاف مذاهبهم الكنسية واليزيدية والشبك والصابئة المندائيين واليهود والكاكائية والشبك .
ومن هنا نطلب من حكومتنا ان تجعل من اكيتو عيد وطني عراقي يجمع النسيج المجتمعي العراقي للأحتفال بيوم واحد هو عيد الربيع العراقي عيد المحبة والأستقرار بين الأطياف العراقية الجميلة ، إنه يوم اكيتو البابلي الكلداني العراقي في بلاد الرافدين العظيمين دجلة والفرات .

حبيب تومي / اوسلو