الرئيسية » مقالات » الماركسية والايكولوجيا -4-

الماركسية والايكولوجيا -4-



ماركس و ابيقور

أشار ماركس، مدحا، في مقدمة اطروحته التي قدمها عام 1841 لنيل شهادة الدكتوراه، الى مؤلف صديقه كوبن ” فردريك العظيم” لكنه اختار لبحثه العودة الى الوراء ليبحث الفلسفة الابيقورية من اجل تفحص تأثيرها على استنهاض الافكار المادية والانسانية في حركة الانوار الاوربية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. فقد كان مؤمنا بانها المفتاح الحقيقي لحاضر اوربا[48]، رغم ادراكه لصحة نقد بيكون لابيقور كونه “كيف واخضع فلسفته الطبيعية لفلسفته الاخلاقية”. وقد نجح ماركس في اطروحة الدكتوراه في تحويل نقطة الضعف هذه الى قوة عندما قارن بين فلسفتي ابيقور وديموقريطس. [49]

ملاحظة لابد منها هنا وهي ان ماركس وقبل ان يتحول الى دراسة الفلسفة الهيغيلية كان قد قرأ مؤلفات فرانسيس بيكون واعمال اللاهوتي الطبيعي هيرمان صاموئيل ريماروس (1694-1768) وخصوصا نقده اللاذع للمادية الابيقورية من وجهة نظر اللاهوت الطبيعي. [50]

تمحور بحث الدكتوراه على ان الاختلافات في مجال فيزياء الذرة عند ابيقور وديموقريطس تمتد الى ما هو ابعد من مجال الفيزياء لتشمل اختلافات في نظرتهما الى نظرية المعرفة. وتوصل ماركس الى نتائج مثلت سبقا رياديا في جانبين: اولهما، عمق الاستنتاجات مقارنة بشحة المعلومات والمصادر المتاحة امامه عن ابيقور،وثانيهما، في الموقف المخالف للنظرة السائدة، الدونية، ازاء ابيقور من قبل معظم الفلاسفة، حيث اعتبروه مجرد ناسخ رديء لافكار ديموقريطس.

لقد رأى ماركس ، بوضوح شديد، ان الاختلافات بين الفيلسوفين تتعدى مجال الفيزياء، حيث ارتضى ديموقريطس القول بان حقيقة الذرة هي ما وراء احاسيس البشر وبالتالي لا يمكن معرفتها طالما ان الحقيقة يمكن ان توجد فقط في المظهر، اما ابيقور فقد اتاح لنفسه فرصة البحث في طبيعة الاحساس البشري وفي الوجود.

حول هذه النقطة يشير الباحث بينجامين فارنغنتون في كتابه عقيدة ابيقور:

” ان من الغريب حقا ان ماركس، في اطروحة الدكتوراه،… كان الاول في اكتشاف ان ابيقور… قد اتاح مجالا في فلسفته للكائنات الحية وللجماد في آن، للطبيعة وللمجتمع، لظواهر العالم الخارجي ولاحتياجات الوعي الاخلاقي”.

ويقول في موضع آخر:

” ان ابيقور اسند فلسفته على المادييين العلمييين، رافضا،فقط، حتميتهم الميكانيكية”.[51]

ونقرأ في مقدمة الاطروحة قول ماركس بان” هيغل كان، بصورة عامة، صائبا في تعريفه للجوانب العامة للفلسفات الشكية والرواقية والابيقورية حيث نظر اليها باعتبارها تطورا للوعي الذاتي، لكنه اخفق في تقديم تفسير كامل لهذه المنظومات الفلسفية” [52] ووضح ماركس ان ديموقريطس يرى ان الضرورة هي كل شيء، وهذه حتمية احادية الجانب، في حين يدرك ابيقور الحتمية لكنه يدرك ايضا مفهوم الصدفة وامكانية التحرر من الحتمية.[53]

ان إبتعاد الفلسفة الابيقورية عن كل انماط الوجود المقيدة هو ما جذب ماركس اليها. فالذرات عند ابيقور تتصادم وتتنافر وتخلق بذلك مواضيع جديدة تشكل عالمنا وبالتالي فنحن لسنا بحاجة لقوة علوية بأي شكل كانت. ولهذا يقول ماركس ” كان لوكريتيوس محقا… عندما قال ان انحراف الذرات مثل تحطيما لسلاسل fati foedera المصير المحتوم”[54]

من بين الامور الاخرى التي انتبه اليها ماركس مسألة نظرة الفلسفة الابيقورية الى الاحساس باعتباره عملية زمنية. فأحاسيسنا تثار بفعل محفزات خارجية، هي بحد ذاتها، زمنية ، عابرة، بمعنى انها لا تستمر الى الابد، وبالتالي فان احاسيسنا نفسها ستكون زمنية ، عابرة حسب ابيقور. واستنج ماركس بان ” ابيقور هو اول من فهم المظهر كمظهر، اي بصفته اغترابا عن الجوهر، ينشط نفسه في واقعه كأغتراب” [55]. كما لاحظ ماركس ان ابيقور ادرك اغتراب البشر عن عالمهم، فخلص بالتالي، اي ماركس، الى ان البشر لن يعودوا مجرد نتاج للطبيعة او لقوى ما فوق الطبيعة، عندما تحصل المعاشرة فيما بينهم، اي علاقة بين بعضهم البعض وليس بينهم وبين ” وجود ما” خارج عالمنا.[56]

كما ان ابيقور لم ينف الضرورة عند رفضه للحتمية الميكانيكية لديموقريطس، لان ذلك يعني ان كل شيء يأتي من كل شيء وهو خلاف ما يؤمن به، لكنه نادى بامكانية التحرر من قيود الضرورة والحتمية.

من ضمن ما انطوت عليه الاطروحة ايضا ملحقا حمل عنوان ” نقد هجوم بلوتارخ على الموقف الديني لابيقور” ولكن لم يصلنا منه الا شظية صغيرة. بيد ان التاريخ حفظ لنا دفاتر ملاحظات ماركس التي دونها حول الفلسفة الابيقورية وقد خصص قسم كبير منها لنقد بلوتارخ والدفاع عن ابيقور وهو ما يتعلق بالشظية الناجية من مخالب الزمن. وفي هذا الملحق يظهر ماركس، لاول مرة،نقده اللاذع للدين، داعيا الى تشذيب الطبيعة من كل المبادئ الفوق طبيعية والغائية. وكان بلوتارخ قد اتهم ابيقور بانه قد جعل العالم خال من السعادة عندما وضع الالهة في الفراغات بين العوالم، حيث لا شأن لها بما يجري في عالمنا. كما اتهمه ايضا يمحي الايمان بخلود الروح بعد ان استخدم العلوم الطبيعية لازالة الخوف من الموت والفناء. فحسب بلوتارخ ان الخوف هو العنصر الاساسي للايمان بالرب.[57] وقد رد ماركس في دفاتر ملاحظاته مستخدما مقتبسا من كتاب هالباخ، نظام الطبيعة، بان فكرة القوة الالهية التي تحكم العالم ” كانت دائما تلازم فكرة الرعب…فليس ثمة شيء يخيف الانسان سوى ملاحقته من قبل كائن خرافي يتحكم بالطبيعة، كائن يتجمد العقل امامه، كائن على الانسان ان يضحي بكل شيء ليحصل على السعادة” [58]. كتب ماركس ايضا ان في ” الخوف، وتحديدا في الخوف الداخلي الذي لا يمكن التخلص منه، تحول الانسان الى حيوان مسلوب الحقوق”[59]. وهذه هي الخطيئة الكبرى للدين برأيه.


ويشير ماركس ايضا، ضمن نقده لبلوتارخ، الى اعتراضه على فلسفة المثالي فردريك شيلنغ الذي مثل تعيينه استاذا في جامعة برلين اغلاقا لابواب الجامعات بوجه الهيغليين الشباب ونهاية لطموح ماركس في الحصول على وظيفة اكاديمية. وهنا يتضح السبب الذي جعل ماركس يصطف في اطروحته الى جانب ابيقور(القديم) وهالباخ (الحديث) لمواجهة بلوتارخ(القديم) وشيلنغ (الحديث). فالاخير حسب ماركس هو رمز” للفكر اللاهوتي في الفلسفة”[60].

وبرغم نصيحة صديقه برنو باور، صرح ماركس بموقفه المؤيد لابيقور الذي ابعد الالهة عن العالم الطبيعي ورفض كل الخرافات والاساطير، حيث يبدي التقديم الذي كان ماركس ينوي نشره مع الاطروحة الى روحية قتالية فكتب:

“ما دامت قطرة من دم تنبض في قلب الفلسفة القاهرة للعالم، فانها ستناهض على الدوام اعداءها بكلمات ابيقور (ليس شريرا من يحتقر آلهة الجموع، بل من يتقبل رأي الجموع في الالهة.”

ولمن لا يعجبه ذلك يقول ماركس مستخدما قولة برومثيوس لهرمز خادم الاله زيوس:

” كونوا على ثقة من انني لن استبدل مصيري التعس هذا بعبوديتكم الذليلة” [61].

واختتم ماركس تقديمه الجريء بالقول ان بروموثيوس هو ” انبل قديس وشهيد في تاريخ الفلسفة[62].

ولا يفوت ماركس الانتباه الى القصور الكبير في فلسفة الطبيعة عند ابيقور فالاخير ” لايعرف سوى الطبيعة الميكانيكية”. فيكتب انه بالرغم من احتفاء ابيقور بالاحساس الا ان فلسفة الطبيعة التي “تنطلق من المجال الحسي” تقف، من حيث المبدأ، “كتجريد فقط…كذرة”[63] وظل هذا القصور قائما برغم رفض ابيقور للمادية الميكانيكية وتجاوزه اياها بمديات رحبة مثلما يشدد ماركس في الاطروحة. وحول هذه النقطة يقول الباحث الابيقوري فارنغنتون:

” لم يكن في نية ابيقور، لو قيض له انقاذ العالم اليوناني من تأثير الاكاديمية – افلاطون وارسطو – ، الحفاظ على المنظومة الفيزيائية لديموقريطس دون تغيير. ان النظام الذري، كما نشأ على يد ليوسبيوس وديموقريطس، قد عانى، برأي ابيقور من قصور اساسي، وهو انشاءه مذهب للحتمية الميكانيكية يشمل حتى الانسان باعتباره مادة غير حية. ان مذهب الحتمية الميكانيكية كان جاثما على صدور البشر بصورة اشد من الايمان بالاساطير حسب ابيقور”[64]

لكن تحفظات ماركس على ميكانيكية ابيقور لا تقلل من مساهمته العظيمة في انارة الطريق لتجاوزها لاحقا. وما بقي هاما من فيزياء ابيقور هي ماديته الانسانية التنويرية.

لقد كانت الاطروحة عملا انتقاليا. فهي هيغيلية الروح وليس الجوهر برغم ان كاتبها كان كغيره من الهيغيليين الشباب يرى ان الهيغيلية فلسفة ثورية.

وادرك ماركس ان التفسير الذي قدمه عن ابيقور يستند كليا على روايات الاخرين، وان معظم تفاصيل معرفته بابيقور، وخصوصا ما يتعلق بمفهومه عن الحرية قد استمد من شظيات تناثرت هنا وهناك في مؤلفات سينيكا وسيكتوي امبيريكوس وغيرهم. فهو يكتب الى صديقه فرديناند لاسال في 31 ايار 1858 ليقول انه عند كتابته للاطروحة كان واعيا تماما الى ان المنظومة الفكرية التي نسبها الى ابيقور كانت “منظومة كامنة ومختبأة” في الشظيات التي خلفها هذا المفكر العملاق، لكنه كان واثقا تماما من صحة تفسيره. وهذا يعني ان ماركس لم يتمكن، آنذاك، من ” اثبات” صحة تفسيره، ولم يكن قادرا على التعبير للاخرين عن مقدار ما اكتسبه من ابيقور لاعتماد ذلك على معرفة عميقة للعديد من النصوص اليونانية واللاتينية، ولان تفسيره يخالف تماما التفسير السائد والمالوف عن ابيقور. وبالتالي فقد استوعب ماركس مادية ابيقور لكنه لم يشر اليها علنا الا نادرا.

ولم يقتصر الامر على ماركس فقط، فحتى انجلز استخدم الافكار الابيقورية دون الاشارة لها خصوصا في مؤلفه لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية وتحديدا عند الحديث عن الاحاسيس باعتبارها انعكاسات لتأثيرات العالم الخارجي على الانسان[65]، او عند مناقشة الاخلاق عند فيورباخ[66]

ومما يؤكد صحة قولنا ما ذكره ألكسي ميخائيلوفتش فودن (1870-1939) وهو احد قيادي الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي الذي زار لندن عام 1893، اي بعد اكثر من نصف قرن على كتابة الاطروحة، للقاء انجلز واجراء احاديث معه بتوصية من بليخانوف حيث يقول:

” سألني انجلز إن كنت مهتما بتاريخ الفلسفة اليونانية، ثم قدم لي نسخة لاول عمل فلسفي لماركس، الاطروحة. وتحدث طويلا عنها مقتبسا، عن ظهر قلب، مقاطع ضافية منها. وعندما سألته إن كان ماركس، عند كتابتها، هيغيليا بالمعنى الحرفي للكلمة، اجابني انجلز ان مجرد اختيار ماركس فيلسوفين ماديين موضوعا لاطروحته يتيح لي القول بان ماركس، ومنذ اللحظات الاولى لتجلي عبقريته الفلسفية، قد اظهر استقلالية في تطبيق منهج معلمه هيغل على تاريخ الفكر. فالاخير لم يعد بناء الديالكتيك المصاحب للفلسفة الابيقورية بل قدم مجموعة من الاراء التي تسخر من منظومة ابيقور، اما ماركس فقد اعاد بناء الديالكتيك المصاحب للفلسفة الابيقورية دون ان يجعله مثاليا… واشار انجلز الى ان ماركس كان يروم الاستمرار في دراسة الفلسفة اليونانية وعبر مرارا عن رغبته هذه. وعليه فان ماركس لم يظهر ميلا واضحا وصريحا الى اي منهما” [67]

تجدر الاشارة هنا الى فودن كان قد احرق معظم اوراقه قبيل لحظات من مداهمة الشرطة الباريسية لمنزله بحثا عن اي دليل يربطه بالشخصيات الثورية بهدف اعتقاله[68]. وما تبقى منها لم ينشر الا عام 1927 باللغة الروسية. وصدرت ترجمة انجليزية لها عن دار التقدم في موسكو دون ذكر التاريخ. ويبدو ان هذه الاوراق قد اهملت من قبل جميع الباحثين الذي بحثوا في موضوع الاطروحة.

ان ما تقدم يشير بوضوح الى ان انجلز نفسه كان له رأيا مخالف للتفسير المعتاد والمألوف للتطور الفكري لماركس. اذ ان ماركس لم يظهر استقلاليته عن هيغل في اول عمل فلسفي له فحسب، بل انه فعل ذلك مستندا على قاعدة مادية العصور القديمة التي اثرت على اسلوب تفكيره لزمن طويل. كما تؤكد ملاحظات انجلز بان الاطروحة كانت عملا انتقاليا، تفحص ماركس من خلالها المادية بمنهج ديالكتيكي لكنه لم يكن مستعدا بعد لاستبدال المنهج الديالكتيكي الهيغيلي بالمنهج المادي الديالكتيكي.

***
بعد فترة وجيزة من انتهاء ماركس من كتابة اطروحة الدكتوراه عام 1842 في المانيا، كان دارون في انجلترا قد انتهى هو الاخر من صراعه مع نفسه ليتجرأ ويخط اول الصفحات في موجزه القصير لنظريته حول تحول الانواع. وفي نفس العام بدأ ماركس مشروع دراسة معمقة لفلسفة فيورباخ والاقتصاد السياسي الانجليزي والاشتراكية الفرنسية. وقيض للواقع السياسي الاقتصادي في المانيا وانجلترا وفرنسا الذي هيمن على تفكير ماركس ان يدفعه في آخر المطاف الى تبني المادية ومن ثم التوصل الى صياغة المادية التاريخية.

انتهى

الهوامش:
[48] ماركس، اطروحة الدكتوراه، النسخة الالكترونية، النص الانجليزي، ص 10. يمكن الاطلاع عليها على الرابط التالي:
www.marxist.org/archive/marx/works/1841/dr-theses/ch01.htm
[49] فرانسيس بيكون، الاعمال الفلسفية (نيويورك، فريبورت،1905) ص 443-444.
[50] ماركس، رسالة الى والده في 10 نوفمبر 1837. يمكن الاطلاع على النص الانجليزي على الرابط التالي:
www.marxist.org/archive/marx/works/1837-pre/letters/37_11_10
[51] بينجامين فارنغنتون، عقيدة ابيقور، (نيويورك، بيسك بوكس، 1967) ص 7-9، ص113-119.
[52] ماركس ،الاطروحة، مصدر سابق، ص 5-6.
[53] المصدر السابق، ص 22.
[54] المصدر السابق، ص 35-39.
[55] المصدر السابق، ص 61-63.
[56] ماركس، دفتر الملاحظات رقم 3، يمكن الاطلاع على النص الانجليزي على الرابط التالي:
www.marxist.org/archive/marx/works/1839/notebook/ch03.htm
[57] المصدر السابق
[58] المصدر السابق
[59] ماركس، الاطروحة، مصدر سابق، ص 5-6.
[60] المصدر السابق
[61] المصدر السابق
[62] المصدر السابق
[63] المصدر السابق، ص 70.
[64] فارنغنتون، مصدر سابق، ص 148.
[65] ماركس وانجلز، مختارات في 4 اجزاء، الجزء 4، لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية، ص 29.
[66] المصدر السابق، ص 37.
[67] ألكسي ميخائيلوفتش فودن، أحاديث مع انجلز، في ذكريات عن ماركس وانجلز، اصدار معهد الماركسية اللينينية، دار النشر باللغات الاجنبية، موسكو، بدون تاريخ. ص 332-333.
[68] المصدر السابق، ص 326.