الرئيسية » مقالات » هذه الحروب العجيبة – بغداد تحت الصفر وفوق التحمّل

هذه الحروب العجيبة – بغداد تحت الصفر وفوق التحمّل

كنت سأسميها حروبا كوميدية لولا اني المح من فوق ساتر في اعلى البناية التي اقيم فيها ببغداد جثثا لاطفال تنقل من ساحة مواجهة بين مسلحين يصنعون لنا، بحماسة اسطورية، هذه الحروب، مما لا يجيز المزاح او الخروج على جدية الموقف.
لكن، برغم ذلك، ثمة الكثير مما يجري لما يسمونه في العاصمة “نقاط التوتر” يبقى بمثابة كوميديا، ولنقل كوميديا سوداء، رسم دورنمات بعض ملامحها حين قرر انها انفجار في انفجار المساخر، او هي(رحم الله المتنبي) ضحك كالبكا، او بكاء جنوني يختم به الحشاشون، عادة، اماسي الحبور والعبث والمودات المشبوهة.
اي حروب هذه؟ مَن يقتل مَن؟ سألت شابا ريفيا يقف وراء راجمة صواريخ في حي مكتظ بالسكان: “ماذا يحدث؟” هز لي كتفه اشارة بانه لا يعرف، ولا يريد ان يعرف.. وعلى حاجز آخر مُنع رجل عجوز من المرور. قال للصبيان المسلحين “انا مصاب بالسكر. نفذت حبوبي، واريد تأمينها من صديق في الطرف الاخر” قالوا له: مُت بمنزلك افضل من ان تموت برصاصة طائشة”.
في التفاصيل.. اقصد في نقطة اندلاع هذه الحرب.. ثمة حق للقوات الامنية فرض القانون في اي مكان يتعرض فيه الى انتهاك وتجاوز، ومنع التعدي على الاستقرار الهش اصلا، وانهاء المظاهر المدنية المسلحة، وتفكيك عصابات الجريمة، لكن هذا الحق لا ينبغي ان ينفذ الى اعلان الحرب، ووضع بغداد العاصمة تحت نقطة صفر وعلى سطح سياسي مخزون بالبارود والتوتر.
وفي التفاصيل، ايضا، شكاوى من انتهاكات ومداهمات واعتقالات عشوائية واعمال قصف وترويع وتجويع وقتل مجاني لا مبرر له، واتفاقات على التهدئة مُزقت ولم يُلتزم بها، مما يستدعي، بل ويوجب، إعلان الاحتجاج.. اقول، إعلان الاحتجاج، لا اعلان الحرب.
المراقب الموضوعي لا بد ان يسجل انه لا موجبات فرض القانون ولا الاحتجاج على الانتهاكات يبرران تحويل العاصمة واكثر احيائها ازدحاما بالسكان الفقراء الى ساحة حرب..وان هوامش التسوية السلمية القائمة على تصفية الجيوش غير النظامية من جانب ووقف الانتهاكات والتمييز السياسي من جانب آخر قائمة في هذه اللحظة التاريخية التي يمر فيها العراق، إلا اذا قيل بان محاولات احتواء الموقف استنفذت فرصها، ولا احسب انه قول حكيم اذا ما عملنا تشريحا دقيقا عن قرب لمجريات الامور .
ثم ان الحرب كخيار، وفي اي حال من الاحوال، وحتى من جانبها الاخلاقي المجرد، وحتى حين تكون حربا وطنية هي كراهية بشعارات اخرى، انها –في العادة- تعطي الفرصة لاي طرف من اطرافها لكي يرسم ملامح “العدو” بالكثير من البشاعة ليصبح قتله مشروعا “ويجهز الجندي عند ذهابه الى المعركة بابشع صورة عن الخصم” كما كتب رياض رمزي مؤلف (الدكتاتور فنانا) عن الحرب لدى صدام حسين من حيث هي “تحويل الكراهية الى احدى ضرورات الحفاظ على النوع”.
انها ساعة الحساب ولا وقت لاضاعة الوقت.

2
صباح يوم الخميس 27/3 شاهدت صبيانا مسلحين يجبرون اصحاب المحال عنوة على إغلاق محلاتهم، وهم يتحدثون عن عصيان مدني بدأ توا ضد الحكومة والاحتلال، وشاهدتهم يصرفون تلميذات وتلاميذ مدارس الى منازلهم باطلاق الرصاص من فوق رؤوسهم (اي ذعر حل بالصغار وعائلاتهم؟)وسمعت، قبل ذلك، ان السيد مقتدى الصدر الذي دعا الى هذا العصيان اوصى برفع المصاحف واغصان الزيتون، وقرأت ان اصحاب العصيان لن يجبروا احدا غير مقتنع على المشاركة فيه، واخذت كل ذلك مأخذ حسن الظن والجد والثقة، وحين شاهدت بعض مظاهر التعدي والترويع في الشوارع، هذا الصباح، لم القِ بالمسؤولية على جهة، او كيان او حزب، لكني اكتشفت ان التقارير التي قرأتها طوال عام عن خارجين على القانون او متمردين على توجيهات السيد الصدر، او عن اختراقات في اجهزة السلطة لم تكن لتبالغ في الامر.
كما اكتشفت الشيء الاخطر من كل ذلك، متمثلا في ان ثمة ريح من الكراهية ونزعة الانتقام صارتا تضربان في مفاصل الوسط السياسي الذي خاض انتخابات العام 2005 وفاز فيها(الائتلاف الشيعي) ما يحمل على الاعتقاد بان ثمة إرادة مرسومة لتفجير هذه الساحة، يذهب الكثيرون الى انها من تدبير جهات وراء الحدود، واذهب الى انها علة داخلية في المقام الاول تتصل بخطيئة خلط الاوراق الدينية (الطائفية) والسياسية، وعدم الاحتراز كفاية إزاء محاذير المحاصصة، إذ انبتت الكثير من الاسئلة الشيطانية، ومقدمات لسلسلة من الحروب لا نعرف اين ستندلع لاحقا.
وحل منع التجوال، ثم حل معه خوف غريزي من المجهول يمكن قراءته بيسر في تلك الاستعدادات المحمومة لسكان العاصمة لادخار الطعام والشراب، والجاهزية الحذرة في التعامل مع المجابهات المسلحة في الاحياء والساحات العامة، والاحتماء من الهاونات والصواريخ والقذائف المجنونة، وعادت مرة اخرى دورة الغلاء والمتاجرة بقوت الناس، واختفت طائرات الورق التي كانت الى ما قبل يومين تحلق فوق السطوح الواطئة، واشتبكت خطوط الاتصالات مع بعضها، وهرع الكبار الى نشرات الاخبار، يقلبون التصريحات والتلميحات والنيات، واندس اطفال بعمر الورد مع حقائبهم المدرسية تحت التخوت والاسرة والسجاجيد، واختلطت اصوات مكبرات المساجد ببعضها، تحض على الحرب والقتال والكراهية وتدمير “العدو”.
احد القادة الفرنسيين الذين شاركوا في معركة واترلو الشهيرة قال عن سبب هزيمة جنوده في تلك المعركة امام القوات البريطانية: “المشكلة ان جنودي لم يقاتلوا عدوا يكرهونه” وفي موقع لبرابرة القاعدة تقول”وصية” لاحد الانتحاريين الذين فجروا سوق الحلة ما يلي: “انتظر بفارغ الصبر اللحظة التي سيهلك فيها على يدي اكبر عدد من اعداء الله.. انني ابغضهم”.
ترى، مَن يتعلم ممن؟
3-
اشتبكت ظهر يوم الاحد 30/3 في بغداد مؤشرات غامضة ومخيفة عن سباق محموم بين ارادات تدفع(عن قصد او من دونه) نحو حرب داخل طائفة واحدة(الطائفة الشيعية) مرشحة لتصبح كارثة انسانية ووطنية وطائفية وبين ارادات اخرى تسعى لاحتواء خطر هذه الحرب ووضع حد للمجابهات المسلحة بين القوات الامنية العراقية والامريكية وجماعات مسلحة تتخذ من اسم جيش المهدي صفة لها، في وقت ازداد الامر تعقيدا مع تمديد العمل بقرار منع التجوال لأجل غير مسمى، فوق الضغوط المعيشية على الملايين من سكان العاصمة المدنيين ونفاذ المواد الغذائية من المحال القليلة التي تفتح خلسة في ساعات قليلة من النهار، وبين كل قذيفة واخرى.
الكثير من المراقبين ابدوا في تلك اللحظات الحرجة تشاؤما حيال وقف قريب للقتال آخذين بالاعتبار ما تناقلته الكواليس عن خناقات وتراشقات شهدتها جلسة سابقة لمجلس النواب بين نواب من الجانبين، وسرّب عدد من المراسلين، وكذلك بعض الاقنية الفضائية التي عكفت على تغذية الحريق بتقارير كيدية، صورة تشي بان الحال انتهى الى نقطة اللاعودة، فيما تناقل قليلون معلومات عن مبادرات وتحركات، واحدة منها في الاقل، انتقلت بطائرة عاجلة الى خارج الحدود لعقد لقاء حاسم اسفر عن اتفاق على الخطوط العريضة لتسوية الازمة مسبوقة بطائفة من المعلومات المتضاربة والشائعات عن خطوط متحمسة لوقف النزيف واخرى متمردة على التهدئة.
في هذا الوقت اصدر زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر بيانا يرقى الى ذروة الشعور بالمسؤولية السياسية في منعطف خطير صارت عوائد الحرب معه تنصرف الى جيوب آخرين يتربصون بالطرفين، وقد انطلق البيان من الحرص “على الدم العراقي العزيز” واعلن البراءة “من كل من يحمل السلاح ويستهدف الاجهزة والمؤسسات الحكومية والخدمية ومكاتب الاحزاب” وحض على وقف عمليات الدهم والاعتقالات العشوائية من قبل السلطات،والتزم “ادانة مرتكبي الجرائم وفق الطرق القانونية”.
في مثل هذه الحروب تنشأ، عادة، ما تسمى بـ”الحواف” التي تتصارع خارج الاتفاقات ومصالح الجمهور، بل وبالضد من تلك الاتفاقات والمصالح، وهي تشكل خطرا على اية تسوية إن لم يجري احتواؤها وكفّ تأثيرها على اجراءات التطبيع، وهي مسؤولية القيادات السياسية في المقام الاول، ويشار بهذا الصدد، في حال الحرب الاخيرة، الى استمرار وجود خلايا مدنية مسلحة متصارعة على النفوذ والامتيازات، في الشارع، وفي اطار المؤسسات الامنية على حد سواء، والاخطر، ان التسويات المعلنة ابقت على هذه الالغام طي البساط مما ينذر بانفجارها مع اول احتكاك، سيما ونحن مقبلون في خلال الاشهر الستة المقبلة على التحضير للانتخابات البلدية المشحونة بالعناوين والخيارات والاختلافات اللافتة، وباسباب الاحتكاك حصرا.
على ان هذا ليس هو الخطر الوحيد الذي لا يزال يخيم على المشهد، فثمة الخطاب الدعوي المتشابك الذي جهّز ويجهّز اطراف الصراع في الطائفة الواحدة بذرائع التجييش، ووقود التحزب الفئوي، وقد تلقينا الكثير منه عبر مكبرات الصوت في مساجد وحسينيات، واحسب اننا(لكي نؤشر حدود هذا الخطر) بحاجة الى مراجعة تلك المداخلات والبيانات والخطب التي اطلقت باسم دعاة وعلماء دين وفقه وذهبت، من مواقع متباينة، الى تحبيذ الحرب وتبرير دواعيها، ما يحمل على الخشية من انها حفرت مجرى عميقا من التحزب الاعمى في نفوس الموالين، على سطح عُطلت فيه مراصد الانواء، وينذر بالمزيد من العواصف
ــــــــــــــــــــ
. جريدة(الاتحاد) بغداد