الرئيسية » مقالات » حلم((بطران الشبعان)) ليلة فرح((هلكان العريان))

حلم((بطران الشبعان)) ليلة فرح((هلكان العريان))

نم الى سمعي ان احدهم شاهد ((هلكان العريان)) في سوق المدينة يوم 30-3 وقد بدا على محياه البشر والفرح تبدو وزرته وكأنها تعكس ألوان قوس قزح في بهائه وجماله وروعته وهو يشتري حلويات وشموع وعيدان بخور وغيرها من مستلزمات حفلة عرس وشيكة وكان أصحاب الدكاكين والمحلات يناولونه مايريد من دون ان يطالبوه بمال مساهمة منهم في عرس آل جلجامش في مثل هذا اليوم من كل عام وهو يداعبونه خذ ان هذا مساهمة من البرجوازية الصغيرة ((الشبعانة)) للبرولتاريا ((الهلكانه)): فقررت ان احضر هذا العرس الغريب للاطلاع على سره ومدى أهميته لدى ((هلكان العريان)) وهل هو يخص كل ((الهلكانين العريانين)) ام انه يخص((هلكاني)) وحده ولكني في حقيقة الأمر لم أتوصل الى طريقة تمكنني من الحضور .وتساءلت مع نفسي عن كيفية استقبالي من آل((جلجامش)) ومن “هلكان” وهو يعرفني تمام المعرفة ولا يطيقني وهو في حضرتي فكيف وأنا بين قومه “الهلكانين الحمران” أحضرت البطل المعتق الذي جلبته معي عند عودتي من سفرتي الأخيرة الى لندن وأخذت احتسي الكأس بعد أخيه وأنا متكأ على فراشي يجلس عند قدمي واحدا من هلكانين في زمان الماضي ومن شبعانين الحاضر”بطيحان” غاب عني الأمر قليلا بعد منتصف الليل بعد ان أعياني السكر والسهر ثم عادة التساؤلات نفسها الى ذهني وفي آخر الأمر قررت ان استشير واحدا ممن يسمونهم ب((حثالة الهلكانين)) عسى ان يدلني الى طريقة لحضور العرس الأسطورة ، وبالفعل فقد ضحك مني هذا ((الحثالة)) قائلا مامعناه اني حقا لااعرف شيئا عن عادات وأعراف آل((جلجامش)) قائلا:-
ا ن ذهبت للعرس ودخلت ديارهم لايمكن ان يطردونك مهما كانت عداوتك لهم وكرههم لك: ولكن عندهم مقولة تقول ((الإيجي بغير عزيمة يكَعد بغير فراش)) أي مامعناه لايكون معتبرا في الديوان بل يجلس قرب “النعل” في باب الديوان أي سيكون حالك كحالي وأمثالي من الحثالات المفصوخين من حمولة “ألحمران” وعلى الرغم من اني لم استوعب هذا العرف ولكني قبلت بكل الشروط مهما كانت قاسية على ان احضر ((العرس)) وقررت ان اصطحب ((حثالتي)) معي وبالفعل فقد أوصلتنا سيارتنا رباعية الدفع الى مشارف سلف آل ((جلجامش))وقررنا استئجار زورقا صغيرا يقلنا الى مكان الاحتفال وقد رفض صاحب الزورق ان يأخذ أجرة إكراما “للحمران” وبعد ساعات وزورقنا ينزلق بين الأحراش كالأفعى وسط القصب والبردي الذي بدا ريانا بخضرة ربيعية ساحرة وكنا نصادف العديد من الزوارق وهي مزينة بالأعلام الحمراء ويصدح ركاباها بألوان الغناء الريفي العذب والأهازيج الجميلة الراقصة يترآى للمرء ان ذوائب القصب وعيدان البردي كانت تصفق وتتمايل طربا مشاركةً في هذا الفرح الكبير .
أوقف حثالتي بلمه عند جزيرة كبيرة تدعى( جباشة) في أعماق الهور يقولون أنها موقع جنات عدن المشهورة في التاريخ سابقا وسكن آل “الحمران” حاضرا، حشر البلم بصعوبة بين الزوارق التي بدت كأنها صبيا زنجيات بجدائل وأشرطة حمراء وهي تشرئب بأعناقها الى ارض الجزيرة ومكان الاحتفال تهز أردافها طربا مع اهتزاز أمواج الهور تحتها كأنها تؤدي رقصة السامبا الساحرة.
دخلنا وجلسنا كما أشار علي “حثالتي” قرب “النعل” ولكن الغريب اني وجدت وجوها اعرفها في المنطقة الخضراء ومجالس الحلفاء ظننتها من وجهاء وعمداء آل “جلجامش” من “الحمران” نعم وجدتها جالسة كمجلسي وقد بدا عليها الضيق والحيرة كمن انكشف سره وافتضح أمره وإذا هم جميعا من حثالة فخذ “الحمران” من سلف البو كلكامش حالهم حال حثالتي”بطيحان” واستغربت من حضورهم هذا المكان.
لاحظت ان هناك صفا كبيرا من كراسي الجريد يجلس عليها عدد من الوجوه التي ظننتها من الأموات وبعضها لم أرى غير صورها في الجرائد وكتب” الحمران” وقد كانت هذه الكراسي مزدانة بالبسط المزركشة المعمولة من الصوف.وكان شابا بهي الطلعة مهيب المظهر يستقبل القادمين ويدلهم على أماكنهم مع كوكبة من شباب آخرين لايقلون عنه هيبة وأناقة فسالت “بطيحان”عمن يكون هؤلاء هل هم أهل العرس فأجابني ان الشاب الذي تراه يدعى خالد احمد زكي والأخر ابوعاهدين والآخرين من الشباب والشابات من رفاقهم اللذين استشهدوا هنا دفاعا عن بيت وشرف وأعراف آل جلجامش ومبادئهم,
وما ان احتضنت شمس الغروب الهور ناشرة حمرتها الجميلة سطح الهور فبدى وكأنه راية حمراء بسعة وطول الهور المترامي الأطراف منسجمة مع أعداد لايمكن عدها من الرايات الحمراء التي ترفرف فوق هامات القصب والبردي . توالت على المكان المئات من الزوارق المزينة برايات حمراء والتي تنبعث منها أعذب الألحان مصحوبة بالزغاريد والموسيقى وأصوت الطبول فيستقبلها خالد وأبو عاهدين ورفاقهم الآخرين ليأخذوا مجالسهم على كراسي الجريد
فجأة نهض الجميع لاستقبال فتاً وسيما مقطوع الذراعين يحمل غيتارا معلقا برقبته قال “بطيحان”مجيبني انه فكثور جارا الذي قتله الفاشست في شيلي أبان الانقلاب المدبر أمريكيا ضد سلفادور الندي وما أثار ني مشهد احتضانه ألحميمي من قبل جيفارا الذي عرفته من قبعته ونجمته الشهيرة.

بينما انتظمت الشابات الجميلات وهن يربطن خصورهن بأحزمة صوفية حمراء مزركشة متراصات مع الشباب متلاصقي الأكتاف متشابكي الأكف للرقص على صوت ((ألمطبك)) المصنوع من قصب الهور المعبر عن عذوبة ودفيء وصفاء وكمال صوت ابن سومر الذي أودعه هذا اللحن الجميل آلهة الفن والطرب منذ ألاف السنين ليكون الفرح خالدا، كان ألجوبي على أشده وسط الزغاريد والهلاهل وال(74)شمعة المتوهجة .. ثم شدى الجميع وقوفا أنشودة بمختلف اللغات ولكن بلحن واحد ردده معهم الهور وأسراب الطيور ورقصة له اسماك الماء ونجوم السماء
جلست مبهورا بما أرى حيث البشر والفرح والأغاني .وأخذت تدور على الحاضرين فتيات وفتيان بعمر الزهور وردية الخدود والثغور كأنها الدر المنثور ليضعوا أمام الجالسين طبقا مصنوعا من سعف النخيل الملون وضع بداخله قطع من “الخريط” وحزمة من” العكَيد” وحبات من التمر “البرحي” وكاسات من اللبن والزبد.
ثم نهض شيخا واسع الجبهة عريض المنكبين ذو لحية غزيرة يساعده خالد وكوكبته في وضع شارات حمراء على صدور الحاضرين وكانوا يتجاوزون او يهملون بعض الجالسين حتى أتموا عملهم هذا وسط تصفيق شديد من قبل الحضور، وقد لاحظت “هلكان” تقفز من عينيه دموع الفرح وهو يقبل الشيخ وكوكبته بعد ان علقوا له شارته على صدره وان شد ما أدهشني ان من حاول من آل” يطيحان” ان يضع شارة حمراء جلبها معه كشارة نسب لإل “جلجامش” تحولت هذه القطعة الى لهب احرق أصابعه وسود دخانها وجهه وسط ازدراء واحتقار الحاضرين فيولي هاربا ملقيا بنفسه وسط مياه الهور عسى ان تبيض وجوههم ولكن دون جدوى فقد اسودت وجوه آل” يطيحان” جميعا كما يقول الهلكان (من حيث بخت آل جلجامش جبير وشارتهم بليد تصيب من يدعي زورا انتسابه لهم).
وبعدها استمرت الكلمات والمناقشات والأناشيد و الآهات الحزينة على ما آل إليه حال وطن “جلجامش” وان أعراسهم ومنذ عقود لم تتم في زمن الحرية والسلام بل تحت ظلم وظلام الديكتاتورية او سلاسل المحتلين والمستبدين ولكن هذا هو قدرهم وهذا هو حالهم لم تخمد أفراحهم ولم تتوقف رقصاتهم وأغانيهم لثقتهم بالنصر مهما كثرت الإحزان واشتدت الآلام وتكالب الأعداء ومهما كان عدد آل(بطيحان) .
كان “هلكان العريان” يحتل قطب الحوارات والمناقشات واحترام وتقدير “البو كتاب” و”البو ريشه” و”البو طبله” و”البو منجل” لأنه من بيت “الحمران” من حمولة إل “جاكوج” التي يقر لها الجميع بالريادة والقيادة والسمو والتي بدونها لايعقد لهم نصر ولايشيد لهم قصر كما يقولون.قرأ الشاعر سعدي يوسف قصيدة بعنوان(( لازال العراق وطني وأنا لست ((الشيوعي الأخير))???!!!.
استمرت الأفراح والرقصات والنقاشات حتى استفاقت شمس الفجر من رقدتها الهانئة كأنها عشتار في أحضان حبيبها تموز، فمشطت شعرها وقبلت نجمة الصباح وجباه الصيادين و عمال الفجر قبلة الوداع لتاخذ مكانها في عرش السماء كي تواصل الأرض دورتها المعتادة .
فتناول الجمع فطورهم من خبز “السياح” وأكواب الحليب الطازج والقيمر والجبن والزبد والشاي المهيل والمهدر بجمر “المطال” والسمك المشوي لذيذ المذاق، وعند تجمعهم للفطور شاهدت كل رموزهم مثل العم هوشي وباتريس لوممبا ولوركا وعبد الفتاح إسماعيل و..و…و تزين صدورهم شاراتهم الحمراء وتشع جباههم كنجوم الصباح من كل القارات يتوسطهم لينين بجبهته الوضاءة رافعا لهم قبعته الشهيرة وفهد قارئا عليهم وصاياه.
وبعدها تعانقوا وتعاهدوا وتفرقوا تودعهم طيور الماء وذوائب القصب متعاهدين للقاء في عام جديد وعراق حر وشعب سعيد.
وعندها لطمت” بطيحان” على فمه قائلا له ان من له مثل هولاء الإخوان والأعمام في كل العالم مالذي يجعله يلوذ بحمى المنطقة الخضراء مثل حالي؟؟؟
وإذا بحثالتي” بطيحان” يقفز مذعورا من شدة الضربة فأيقضني …وأنا أثرثر ..هلكان..هلكان..حمران…عرسان!!!! فرد علي ((بطيحان)) بعد ان تناسى الم الضربة…عمي ماتكَلي اشبيك تره والله راح ايسودنك هلكان؟؟!!!!