الرئيسية » مقالات » تجربة جمهورية كوردستان الديمقراطية.. مأساة ام انتصار؟

تجربة جمهورية كوردستان الديمقراطية.. مأساة ام انتصار؟

تصادف في نهاية آذار من كل عام ذكرى اعدام قادة جمهورية كوردستان الديمقراطية تلك الجمهورية الفتية التي انبثقت بارادة الشعب الكوردي في وسط عصفت الانقلابات والمؤامرات وشكلت الخطوة الاساس في تغير الانظمة المختلفة..
لقد اغتيلت هذه الجمهورية في مؤامرة دولية استهدفتها كان فيها الطرف الشيوعي السوفيتي مركز الثقل وحيث احتلت سياسة المصالح والمنفعة محل سياسة مساعدة الشعوب في نيل حقوقها، هذا الشعار الذي طالما تغنت به الانظمة الشيوعية وذهبت شعوب عديدة ضحية التوجهات والسياسات السوفيتية التي كانت تتاجر بمصالح الشعوب على ان تجربة جمهورية كوردستان او يصطلح تسميتها احيانا بجمهورية مهاباد تعد الثانية بعد القمع الستاليني لجمهورية كوردستان الحمراء التي اقيمت في لاتشين بين أرمينيا واذربيجان.. ولئن انتهت قصة الجمهورية بمأساة حزينة حيث تم اعدام قادتها غدراً في صبيحة يوم 31 آذار عام 1947 في ساحة جوارجرا وهي ذات الساحة التي اعلن منها قيام الجمهورية فأن قيام الجمهورية شكل انعاطفة مهمة في التاريخ التحرري للشعب الكوردي عبر تقديمها معطيات سياسية واجتماعية وفكرية وثقافية دفعت بمجمل عملية التحرر قدما الى الامام وازالت الكثير من الالتباس والغموض وقدمت اجوبة وافية لاسئلة معقدة كانت تثيرها الظروف الموضوعية.. كما ان المنطلقات النضالية للشعب الكوردي قد تعززت بفعل العمل الثوري باتجاهاته المختلفة ولاغرو فأن المناضل الخالد الشهيد القاضي محمد قد عركته الظروف النضالية والموضوعية واسهم في الحركة الاجتماعية التحررية الكوردية وقد دفعه ايمانه بقضية شعبه وامته وعدالتها الى بحث فرص المشاركة على كل الجبهات فقد شارك الشهيد بمعية عشرين شخصا هم حصيلة حزب (زيان كوردستان) وقتها في الثورة التي اندلعت بقيادة جمعية خويبون على جبال آرارات وبالتعاون الوثيق مع الجنرال احسان نوري باشا قائدها العسكري.
ان ميلاد الجمهورية عكس رغبة وارادة الشعب الكوردي في العيش على ارضه وارض آبائه بسلام واستقلال مثلما عكس توجهات الكورد السلمية ورغبتهم في التعايش المشترك بين شعوب المنطقة بما يحقق مصالحها المشتركة انطلاقا من نظرة ذاتية مستقلة حيث يساعد هذا الاستقلال على توازنات تخدم الجميع بدلا من قيام علاقات تناحرية قائمة على الاستغلال والنهب والاضطهاد وهي بيئات سيئة لتفريغ اشكال الدكتاتوريات التي ستعاني من ضيمها شعوب المنطقة ايضا وهو ما تحقق لاحقا وكلف المنطقة الكثير من الدماء والدمار وضياع الفرص الحقيقية للتنمية والبناء..
وعلى الصعيد الداخلي استطاعت الجمهورية من بناء قاعدة فكرية وثقافية متينة من خلال التنوع النوعي والعددي في شتى الاصدارات الثقافية والتي اسهمت في تعميق الوعي القومي فضلا عن بناء قاعدة تعليمية اسهمت في تقليص حجم الامية من خلال انتشار العديد من المدارس بمختلف مراحلها فضلا عن اصلاحات اقتصادية واجتماعية حددتها ظروف انذاك.. لقد استطاعت الجمهورية الفتية ومن خلال ترسيخ وجودها بفضل القوة العسكرية المتمثلة بوجود ثلاثة آلاف عسكري من الكورد البارزانيين على رأسهم البارزاني الخالد الذي تصدى مراراً للتحركات العسكرية المناوئة واستطاع بحكمته وحنكته من دحرها على اعقابها.
لقد كانت هذه القوة العسكرية على درجة عالية في الخبرة القتالية واسلوب تكتيكاتها المختلفة وفي ظل اصعب الظروف الامر الذي أتاح للجمهورية الفتية الوقوف على قدميها والانطلاق لتنفيذ برامجها المختلفة..
لقد قدم البارزاني الخالد مقترحات مهمة بعد ابرام المؤامرة الدولية التي استهدفت هذه الجمهورية لكن تعقد الظروف وعدم تقدير الامور بالدقة والواقعية التي فرضت نفسها اذ ذلك أدت الى النتائج المأساوية تلك وبرغم كل ذلك فأن قيام الجمهورية شكل منطلقا جديدا في حركة الكفاح التحرري الكوردي وتعد احدى حلقاتها المهمة في التاريخ الحديث لما تنطوي عليه من مختلف الابعاد محليا واقليميا ودوليا فقد كشفت اشكال البنية المجتمعية وتلاحمها في مراحل النضال المختلفة مثلما كشفت ابعاد السياسات الاقليمية والدولية ان تجارب الشعوب في معمعة صيرورتها النضالية لاتقاس بمدى خسارة تجربة او ربحها بل بمدى استيعاب الوعي التاريخي لشروط النضال ومتطلباته وتحويل جهتها باتجاه تحقيق الانجازات التاريخية التي لاتأتي كلها دفعة واحدة.
فتحية الى الشهداء الخالدين القاضي محمد ورفاقه وتحية الى شهداء الكورد وكوردستان.

التآخي