الرئيسية » مقالات » بعد خراب البصرة -إرفعوا أغصان الزيتون حقاً، وسلّموا أسلحتكم إلى الدولة

بعد خراب البصرة -إرفعوا أغصان الزيتون حقاً، وسلّموا أسلحتكم إلى الدولة

أفرزت الأحداث المريرة الأخيرة في ثغر عراقنا العزيز حقائق قد تفتح الطريق أمام بناء عراق آمن ومسالم وديمقراطي حقاً ويتمتع بسمعة جيدة في عالمنا المعاصر، وعلى الرغم من الوجه المحزن والأليم لهذه الأحداث، والتي تتمثل في قتل وجرح المئات من الشبيبة التي كان عليها أن تساهم في بناء البلد لا أن تذهب ضحية حسابات ونوايا طائشة، والتدمير الإضافي الذي حلّ بالمدينة العريقة، المدينة التي تحولت إلى ضحية الحروب والبطش المشين للنظام السابق. كما يضاف الى كل ذلك المرارة والاحباط جراء اهتزاز ثقة العراقيين ببعض التيارات السياسية ووعودها. فلا يسعنا إلاّ أن نعترف بأن هذه الأحداث قد أصابت سمعة الأحزاب من زاخو إلى الفاو بضرر كبير وبالصميم بسبب تحوّل بعض الأحزاب في نظر الشارع العراقي إلى مجرد ميليشيات وبلطجية يتجاوزون على المال العام والخاص ويثيرون الفوضى وخرق القانون، أحزاب تغدق على العراقيين الوعود البراقة دون تنفيذ أي من وعودها.
لقد صدّق العراقيون وعود أقطاب التيار الصدري بتجميد جيش المهدي ونشاطه العسكري والشروع بتطهير صفوفه من العابثين على حد قولهم ووعدهم. ولكن هذه الوعود سرعان ما تبخرت وتحوّلت إلى مدافع ثقيلة وصواريخ وألغام بعد أول تدبير للحكومة في إتجاه إشاعة الأمن لمواطني هذه المدينة المنكوبة وفرض القانون فيها. ففرض القانون هو من صلب واجبات أية حكومة، والذي جوبه بمقاومة شديدة غير مبررة وكاملة العيار وبكل أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة التي لايعرف من أين تم تجميعها وتكديسها وحجم الأموال ومصدرها التي خصصت لشرائها. ومن الطبيعي أن يصاب الرأي العام العراقي بالاحباط والتشاؤم وفقدان الثقة بعد أن اقتنع أن هذا “التجميد” لم يكن إلاّ وسيلة لذر الرماد في العيون والتستر على التحضير لصولات دموية تضاف إلى تلك الصولات السابقة الفاشلة التي خاضها هذا التيار منذ الإطاحة بكابوس الرعب السابق. أما الشئ المحزن الآخر فهو أن المواطن العراقي يشعر الآن أنه قد تعرض لعملية تضليل قاسية أفقدته الأمل بالحركات الدينية السياسية، التي مارست الكذب عليه عبر سكوتها على ممارسات مخلة بالقانون والأخلاق ارتكبتها حركة سياسية هي جزء من هذا الائتلاف العراقي الموحد، والتي أعلنت موافقتها على الدستور بالعلن ولكنها عملياً لم تحترم بنوده. وهذا ما يلحق أكبر الضرر بالعملية السياسية والديمقراطية التي ينشدها الشعب والتي اختارها في ظل كوم من التهديدات والعواصف التي واجهته في العمليات الإنتخابية التي جرت بعد الإطاحة بالديكتاتورية. فالحكومة التي يترأسها هذا الائتلاف كان لديها كل المعلومات، وبإعتراف السيد نوري المالكي، عن أسلحة تتدفق من الأراضي الإيرانية على الميليشيات المنفلتة في البصرة، وتتلقى المعلومات الدقيقة من أجهزتها ومن قبل أهالي البصرة النجباء دون أن تعلن للشعب العراقي عن هذه التطورات الخطيرة والحركات السياسية المنخرطة في هذه اللعبة الدموية. والأنكى من ذلك دأب بعض أقطاب الائتلاف بإصرار غريب على نفي ضلوع حكام إيران في هذا التدمير والتدخل في شؤون بلادنا.
ولكن رغم كل هذه المصائب والمحن، فأن لهذا الحدث المرير وجه ايجابي لا يمكن تجاهله، “فرُب ضارة نافعة” و”عسى أن تكرهوا شيئاً هو خير لكم” كما يقال. فلأول مرة في تاريخ دولتنا الحديثة، ينبري أعلى شخص في السلطة إلى شق ستار الكذب والزيف كي يصارح الشعب بعيوبنا، حكومة وتيارات سياسية وشعب والعابثين الأجانب ودول الجوار، والتي وردت في كلمات السيد نوري المالكي في مدينة البصرة. لقد وجّه رئيس الوزراء بضعة أحاديث بالغة الصراحة، ووضع النقاط على الحروف موجهاً الاتهام إلى مثيري الفتن والفوضى وإلى الدول الإقليمية التي تشجعها، والمقصود حكام إيران، الذين يرسلون “الهدايا” للشعب العراقي بآخر ما أنتجته ترسانتهم الحربية من بضائع الموت إلى جانب ترويجهم للمخدرات ونهب النفط وشفطه من الآبار العراقية، واستضافتهم للميليشيات العراقية الخارجة عن القانون لتلقي تدريبها على الأراضي الإيرانية. إنها المرة الأولى ومنذ خمس سنوات دموية هلك خلالها الآلاف من العراقيين، يمزق رئيس وزرائنا هذا الرداء النتن الطائفي ليخرج علينا برداء عراقي أصيل ملؤه الزهو والفخر والصراحة. هذا الموقف سيذكره التاريخ والعراقيون بفخر واعتزاز مصحوباً بما يجب من الاحترام لصاحبه. وكان من الممكن أن يزداد هذا الاحترام لو توجه رئيس الوزراء بتقديم اعتذاره للشعب العراقي ولأسر ضحايا السنوات الخمس جراء تأخر أصحاب القرار السياسي في وضع النقاط على الحروف، وسكوتهم في السابق على هذا التدخل الإقليمي في شؤوننا الداخلية وعدم تمزيقهم للرداء الطائفي بشكل مبكر. ولكن مازال من الوقت متسعاً فما تأخر عنه خير من اهماله، وإن شعبنا يحب الصادقين وسيعذر رئيس سلطتنا التنفيذية.
ولابد أن ندهش ونكبّر في هذه الفاجعة الأخيرة أداء قواتنا المسلحة الباسلة بحق. لقد حصلت قواتنا المسلحة على درجة الامتياز في أدائها، حيث أكدت أنها مؤسسة عراقية وطنية أصيلة، تخدم كل العراقيين بغض النظر عن أطيافهم، وتطارد كل العابثين وعصابات الجريمة بغض النظر عن طوائفهم ومريديهم ومجتهديهم. لقد حافظت القوات المسلحة على تماسكها ووحدتها وحمايتها للبلاد، وردّت بقوة على كل المراهنين على تمزيق هذا الكيان العراقي وتحويله إلى شراذم طائفية عند أول مواجهة لفرض القانون، على طريقة انهيار الجيش اللبناني وتمزقه عند أول فتنة طائفية في بلاد الأرز في العقود السابقة. لقد أعطت الأحداث الدامية الأخيرة دروساً قاسية للمراهنين الفاسدين، ومن قبلهم شراذم القاعدة وفلول العهد السابق الذين عوّلوا على تشرذم قواتنا المسلحة عند أول مواجهة لها مع العابثين، كي يتسنى لهؤلاء اقامة دولة الفوضى والنهب والقتل والدمار في وادي الخير.
كما فشل رهان العابثين بأمن العراق على احداث شرخ عميق في الخريطة السياسية واحداث شلل في اجهزة الدولة والسلطات الثلاث، بما يسمح لهم الصيد في المياه العكرة. ولكن النتيجة كانت على عكس ما توقعوه. فمتطرفو التيار الصدري بدأوا يعانون من العزلة السياسية بشكل لم يعهدوه في كل مغامراتهم السابقة. فلم يعلن أي فصيل سياسي الوقوف إلى جانبهم، بل أن الكثير من النخب السياسية أعلنت ادانتها بهذا الشكل أو ذلك لتصرفات أطراف متطرفة في التيار الصدري وذراعه العسكري جيش المهدي. وحذت كل السلطات الثلاث هذا الحذو حيث أعلنت الرئاسة ادانتها للفوضى في البصرة وسائر المحافظات الأخرى، إضافة إلى البيان المشترك الصادر عن رئيس الجمهورية ورئيس إقليم كردستان. ولم يستطع متشددو التيار الصدري أن يكسبوا أي من نواب البرلمان للوقوف إلى جانبهم رغم التهديدات التي يطلقونها والوعيد الذي يعبّرون عنه في بياناتهم وطلبهم برجوع السيد رئيس الوزراء إلى بغداد وتسليم المحافظة إلى جيشهم المزعوم. ولم يفلح بعض أقطاب التيار في تحقيق العصيان المدني حيث لم تلق هذه الدعوة قبولاً من الشعب الذي عبرعن تذمره وبشكل لم يسبق له مثيل، وعن رفضه لهذا السلوك الضار بمصالحهم. فقد تلقت القوات المسلحة كل الدعم من قبل الرأي العام العراقي في مساعيها لتصفية بؤر العصابات المسلحة الخارجة عن القانون، بحيث أن شعار فرض القانون أصبح من الشعارات التي لاقت القبول الواسع من الرأي العام العراقي الذي يطمح إلى الأمان والسلام والهدوء كي يمارس حياته العادية. هذا الموقف هو دليل كبير على تحوّل في مزاج المواطن العراقي يتجه نحوالتهدئة والاستقرار خاصة بعد أن جرت عملية تهدئة هامة ناجحة في محافظات ساخنة. فقد تراجع النشاط الأرهابي ونشاط فلول العهد السابق في محافظات الأنبار وصلاح الدين والموصل وديالى بدعم من أهالي تلك المحافظات.
ولعل أبرز نتائج الفوضى التي عمّت عدداً من المحافظات، هو انبثاق حركات الصحوة التي أدت إلى تطهير مناطق واسعة من شراذم القاعدة وفلول الحكم السابق ونهاية خرافة “المقاومة”. هناك نتيجة هامة هي أن الهياكل الطائفية المذهبية المتطرفة وواجهاتها قد بدت شديدة الهشاشة و لا تستجيب لطموح العراقيين ولا تحل مشاكلهم، بل تزيدها صعوبة وتعقيداً. فكلا التكتلين الطائفيين، أصبحا يعانيان من أزمة ثقة في الشارع العراقي نتيجة للصراعات الداخلية المسلحة والدموية داخل كل كيان طائفي، بعد أن انتهوا من الصراعات الدموية بين الهياكل الطائفية خاصة إثر حادث تدمير ضريح العسكريين في سامراء، وما نتج عنه من تهجير ومخاطر حرب طائفية في البلاد. فقد أتضح بشكل دامغ أن الصراع في العراق هو ليس بين الطوائف أو المذاهب، ولا على الأذان أو تحديد موعد العيد ولا الخلاف على ولاية هذا الخليفة أو ذاك، بل هو صراع قديم جديد حول طبيعة البناء السياسي للدولة، بين دولة قانون ومؤسسات ودولة ديمقراطية حديثة وبين دولة البطش والغدارات وقطع الأعناق وتحويل النساء والرجال إلى عبيد وأتباع أذلاء لدكتاتور طائش سواء أكان يلبس البزة العسكرية ويلوح بعصى المارشالية أم يضع العمامة أو الغترة على رأسه ويلوّح بمسبحته؟؟ هوذا جوهر الصراع الجاري حالياً في العراق. وكرد فعل على هشاشة الخيار الطائفي وكوارثه، تبلورت حركة وهناك بوادر جدية ومنذ عام 2007 نحوالتمسك بالهوية العراقية بإعتبارها الضمانة لإشاعة التعايش والتكافل بين العراقيين بعيداً عن التسميات الطائفية التي يتردد العراقيون الآن بتلفظها بعد أن شهدوا كوارث التغني والتلويح بالهوية الطائفية. فلم يعد العراقيون بحاجة إلى اجتماعات فاشلة للمصالحة التي لم تثمر عن شئ، ولا رعايات من الوصاية المريبة للجامعة العربية أو الدول الإقليمية لفرض “مصالحة” بين العراقيين. فعلى الدول الإقليمية أن تكف عن تدخلها وتغلق حدودها بوجه مثيري الفتنة الطائفية من الغرباء، وليحتفظوا بأموالهم ويصرفوها على شعوبهم بدلاً من صرفها على الأرهابيين وعلى اجتماعات “غير مجدية حول مصالحة مزعومة” بين العراقيين.
ان أمام السيد رئيس الوزراء مهمة ملحة هي التمسك بتنفيذ برنامجه الوزاري والتمسك بما أعلنه في خطاباته في مدينة البصرة وأن لا يبدد الآمال والثقة التي حملها العراقيون له، والذي برز بشكل واضح في دعمه أثناء الأزمة الأخيرة. وأن يتوجه بشكل حاسم إلى أعادة تشكيل حكومته وتطعيمها بالخبراء وليس بالمحاصصين الطائفيين الأميين، كي تستقر الحكومة وتقوم بدورها. كما يتطلب أن تبادر الحكومة إلى تنفيذ برامجها الأقتصادية والاجتماعية كي تقطع جذور الفوضى في البلاد.
ولكن هناك عدد من الأمور الملحة التي ينبغي على السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية القيام بها ومعالجتها.
– في قمة المهمات هو التمسك بما أعلنه رئيس الوزراء وما نص عليه الدستور بضرورة جمع الأسلحة غير الشرعية بكل صنوفها من الشارع وحل جميع الجيوش غير القانونية. فبدون تحقيق ذلك يصبح من الهراء الحديث عن مجتمع عراقي آمن متحضر وعملية سياسية سليمة واعمار وبناء نشط. والأمر لا يتعلق فقط بجيش المهدي، الذي يعلن صراحة عن وجوده العسكري المخالف للدستور، بل هناك عدد آخر من منظمات عسكرية مخالفة للدستور تابعة لحركات سياسية يساهم أربابها في العملية السياسية أو خارجها لزعزعة أركان الدولة. فماذا نسمي أحتفاظ عدنان الدليمي بفريق مسلح يترأسه أبنه ويفخخ السيارات ويزرع العبوات الناسفة. وكيف يمكن تفسير أحتفاظ وزير الثقافة السابق بفريق مسلح للأغتيالات، والذي قام باغتيال نجلي مثال الآلوسي. هذا الوزير الذي تم تهريبه من قبل أقطاب جبهة التوافق إلى خارج العراق. كما ترتكب السلطة التنفيذية والتشريعية الاتحادية والإدارة في الإقليم خرقاً دستورياً عندما توافق على تمويل قوتين عسكريتين منفصلتين تابعتين لحزبين منفصلين هما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في الإقليم، لا تخضع للسلطة المركزية ولا للإقليم، تحت لافتة “البيشمركه” أو “حرس الحدود”. ينبغي على الحكومة والسلطات التشريعية والقضائية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني أن تعالج “ثقافة السلاح وتشكيل الجيوش” المدمرة، وتبادر إلى المباشرة بحملة وطنية ضد السلاح وجمعه وتسليمه إلى الدولة، وتوقيع ميثاق شرف يدعو إلى حل المجاميع المسلحة وتحريم حيازة الأسلحة واستخدامها في حل الخلافات بين الكتل السياسية ووحدانية القوات المسلحة التي يجب أن تخضع لإشراف الدولة الاتحادية المركزية ولا تخضع للأقاليم ولا للمحافظات. وأن يتحول هذا الميثاق إلى حركة جماهيرية لصيانة هذا العهد الوطني والدفاع عنه.
– وتبعاً لذلك أصبح من الأمور الملحة بعد كل هذه الكوارث، قيام الحكومة وبسرعة بتقديم مشاريع قوانين إلى مجلس النواب حول تنظيم العمل السياسي ونشاط الأحزاب ونشاط الاعلام بعد كل الفوضى التي شابت عمل هذين المرفقين الخطيرين من مرافق المجتمع العراقي. فالنشاط السياسي والاعلامي تحوّل إلى تحريض وعنف وأفسد العملية السياسية وزعزع جهود العراقيين نحو بناء دولة ديمقراطية اتحادية تحترم القانون.
– ولا بد أن يتم في هذا الإطار أحترام مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، والتقيد بمبدأ استقلال القضاء العراقي. يتحدث جميع المسؤولين عن استقلالية القضاء العراقي، ولكن في الواقع فإن هذا الأستقلال مقيد ويتعرض للتجاذبات بين القوى السياسية والتدخل من قبل السلطات التنفيذية والتشريعية. فأحكام المحاكم، وبما فيها أحكام محكمة الجنايات العليا، تجمّد في كثير من الأحيان لإعتبارات وتدخلات سياسية. والقضايا التي ترفع إلى المحاكم تخضع في أحيان غير قليلة لأمزجة سياسية وطائفية. كما تحفظ أضبارات التحقيق الخاصة بجرائم خطيرة قام بها منتسبوا بعض الحركات السياسية منذ الدقائق الأولى للإطاحة بالنظام السابق. فلا يعرف المواطن العراقي، صاحب القضية، أية معلومات عن أحداث خطيرة حدثت في محافظات النجف وكربلاء والقادسية وذي قار وغيرها، فكلها تخضع لسرية تامة وبشكل مخالف للقانون. إذا أردنا أن نبني دولة القانون ونسعى إلى فرضه، فإن من أولى واجبات كل السلطات والأطراف السياسية احترام مبدأ استقلال القضاء. كما ينبغي أن لايخضع القضاء لنهج “بوس اللحى” والعفو عن ما سلف الذي أثبتت فشله، ولم يُرجع بالعقل والحكمة إلى مرتكبي الجرائم وخارقي القانون.
– ويجب أن تقوم السلطة التشريعية بتفعيل دورها والتخلص من الشوائب التي تحيط بعملها، كي تتحول بالفعل إلى أداة إرساء حكم القانون. وتحتاج هذه السلطة التشريعية ، كما يبدو ، إلى جهود إضافية لإعادة تأهيل أعضاء مجلس النواب بالخبرة والحنكة والإلتزام بالقانون. فللأسف، ما أن طوى مجلس النواب صفحة مخجلة حاولت إدارة عمل المجلس “بالقنادر”، حتى شهدنا في الأيام الأخيرة سلوك غريب أنكى من أحد نواب التطرف في التيار الصدري، حيث رمى القناني الزجاجية في مسعى “للحوار” مع نائبة ونائب من نواب المجلس، في سلوك يذكرنا “بالحوار” الذي كان يجريه جلاوزة الأمن في عهد صدام مع المعارضين. كل ذلك قد مر دون أن يقوم المجلس باتخاذ أي اجراء انضباطي ضد هذا النائب “المحاور”. كما لم يتخذ المجلس أي اجراء ضد نواب يعلنون صراحة خرقهم للدستور. إن نواب متطرفين من الكتلة الصدرية يعلنون وبملئ أفواهم أنهم مع بقاء جيش المهدي وتسليحه، في حين يحرم الدستور العراقي ممارسة ذلك وينص على عقوبات. فمتى يقوم المجلس، الذي يعد أعلى سلطة في البلاد ومن مهامه الحفاظ على الدستور والقوانين، باتخاد ما يلزم ضد من يخرق الدستور من أعضائه؟. فمن واجب مجلس النواب أن يسأل المتطرفين في التيار الصدري عن حجم مسؤوليتهم بهذا الدمار والقتل الذي حلّ في مدينة البصرة ومدن العراق الأخرى، وكيف سيعوضون عائلات القتلى والمتضررين من عامة الناس أوتقديم التعويضات جراء الأضرار التي لحقت بالمنشئآت العامة. سؤال ينبغي على مجلس النواب الموقر الإجابة عليه.
– وأخيراً، وهي المصيبة الأعظم، فأن كل هذه المآسي والكوارث والخروقات القانونية تتم تحت لافتات دينية ومذهبية وبأسم الخالق ومحمد وعمر وعلي والمهدي وغيرها من رموزنا المقدسة، دون أن يفوّض هؤلاء أي من بني البشر القيام بتشكيل جيوش ولا شراء وتهريب الأسلحة من ايران او سوريا، ولا اباحة قتل الناس ونهبهم أو فرض نمط متخلف من السلوك واللباس والعيش، وهم الذين قالوا وآمنوا بـ”أن لا اكراه في الدين” أو “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر– الكهف 29”. كما تحول الدين والطقوس الدينية بشكل غريب إلى طقوس سياسية متطرفة تثير ثقافة الكراهية والنزاع الدموي بدلاً من ثقافة الرحمة. و تحولت مراسيم دينية مقدسة إلى ميادين للدعاية لهذا الحزب الطائفي أو ذاك مستثمرين زيارة المؤمنين للعتبات والاضرحة ليخففوا من محنهم ومن معاناتهم على أيدي الأرهاب والميليشيات وشرورهم، وليس الاستماع إلى دعايات سياسية للأحزاب، كما حصل في يوم عاشوراء وخطاب عمار الحكيم بالزوار في مسعى للدعاية لحزبه. هذا ليس بدين ولا يؤسس لنظام ديمقراطي. فالدعاية السياسية لها مكانها خارج العتبات المقدسة التي يجب أن نحترم من دفن في ثراها، ونتركهم يرقدون بسلام بعيداً عن الضوضاء والمضاربات والمنافسات السياسية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أنه يمتد حتى إلى طرح آراء تتناقض حتى مع معتقدات رموزنا الدينية ولكن بإسمها. ففي يوم أربعينية الحسين، قام الشيخ صدر الدين القبانجي بإلقاء خطبة قال فيها أن زيارة واحدة لمرقد الإمام الحسين تعادل سبعة حجج وسبع عمرات لبيت الله الحرام؟؟ أن هذا الإعلان يأتي بمثابة تشجيع لقوى الأرهاب التكفيري للقيام بالمزيد من جرائمهم ضد “الروافض” من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن ذلك يتعارض مع القيم الدينية للأمام الشهيد الذي آمن بأن حج بيت الله الحرام هو أحد أركان الدين الأسلامي. فما سر هذا الحماس عند الشيخ القبانجي وما هي دوافعه؟. كما يذهب الشيخ أبعد من ذلك ليعلن ويفخر بأن أربعينية الإمام كلفت الدولة والعامة مبلغ 400 مليار دينار!! وهو رقم كبير في بلد يعاني من الخيبة والفقر والحرمان. فهل هذا الهدر يتطابق مع نزعة الزهد التي ميزت أكثر ما ميزت علي بن أبي طالب واولاده وأحفاده من الذين فدوا بأرواحهم من أجل العدالة والحفاظ على بيت المال وعدم هدره. كان من الأحرى أن يدعو الشيخ الدولة والعامة إلى تجميع هذه المبالغ الضخمة في مبرة خيرية بأسم الحسين لإعادة بناء كربلاء وتحريرها من النزيزة، وفتح مستشفيات للبائسين العراقيين في كل أنحاء العراق وتشغيل العاطلين عن العمل ومعالجة مشاكل الأرامل واليتامى، وتحويل العراق إلى واجهة حضارية تليق بما يوجد فيه من مراقد ومقدسات. فهذا هو الثواب بعينه، وليس الثواب هو ما يدعو إليه الشيخ في هدر الأموال في أمور تؤكل اليوم وتذوب وتنمحي بعد سويعات. ينبغي اعادة صياغة ممارسة الطقوس بوجه حضاري وبناءها بعيداً عن الإثارات والتخريف، وبما يليق بالدور التاريخي لرموزنا الدينية. وهنا لابد من أن يتقاعد رجال الدين عن ممارسة دورهم السياسي التحريضي والعسكري والعودة إلى ممارسة دورهم الوجداني الروحي، وإعادة قراءة تاريخنا بما يتناسب مع حاجة شعبنا المنكوب من قيم لإعادة بناء البلد. وما على بعض رجال الدين إلاّ أن يحلوا جيوشهم ويسلموا أسلحتها إلى الدولة كي يأمن العراق وأهله.
31/3/2008