الرئيسية » مقالات » سلبيات واقع المثقف الشفوي

سلبيات واقع المثقف الشفوي

مرة أخرى نعود إلى سلسلة مقالات الكاتب المبدع الأخ (هوشنك بروكا ) التي يبدو أنها أثارت قريحة الكثير من الكتاب والقراء لمتابعتها لما يطرحه من قضايا معاصرة تستحق عدة وقفات للتأمل والتفكير والمناقشة , وان كنا قد اتفقنا مع الأخ هوشنك فيما طرحه من قضايا أزمة المواطنة والتغييب وتوابعهما من حيث التحليل والنتائج إلا إننا قد لانتفق معه في طرحه عن راهن وواقع المثقف اليزيدي أو ( المثقف الشفوي ) كما يحب أن يطلق عليه الأخ هوشنك .
لاننكر أن مشروع بحثه في حلقاته المتسلسلة يمكن اعتبارها وثيقة تاريخية ونبراس عمل للمرحلة القادمة من حيث مشاركة حشد كبير من الكفاءات الفكرية اليزيدية والتي كتبت بروح الفريق الجماعي لتعيين مواضع الخلل ورسم ملامح وسيناريو المستقبل دون فرض رؤية أحادية الجانب , وهذه ليست عبئا سهلا وإنما تحتاج إلى وقت وجهد ليس بالقصير خاصة وان الأخ هوشنك كان يسترشد بقوة الحق وقبول الرأي الأخر وبحث موضوع المثقف اليزيدي من اغلب جوانبه سلبا كان أو إيجابا .
إلا إن الكاتب وعلى غير جري عادته في هذه المرة قدم لنا نظرة سوداوية للمثقف اليزيدي التي استهل بها مقالته الأخيرة فقدم عشرين وصفا سلبيا لهذا المثقف الشفوي الذي يشعر بالدونية ,غير الفعال , الثابت في أفكاره , المعدوم الذاكرة ,غير المبادر ,الذي يختلف لأجل الخلاف فقط ,الذي يعيش في الدين أكثر من عيشه في الثقافة ,وتحوله إلى رقم ديني أكثر من رقم دنيوي , يدعو إلى ثقافة مضت بدلا من ثقافة حاضرة ووو, دون أن يقدم ايجابية واحدة ممكن أن تحتسب لهذا المثقف الشفوي الذي وضعه خارج الزمان والمكان ودون طرح أي بدائل لاعادته إلى دورة الحياة ليكون فاعلا بدل أن يكون مفعولا به !!
كنا نمل أن تتصف عباراته بسمة الحيادية العلمية بدلا من الحيادية المطلقة بعد أن حدد الصعوبات بواقعية وموضوعية بمنظومة فكرية متكاملة , فما الضير أن يكون المثقف اليزيدي رقما دينيا ؟. . ألا يجدر بالمثقف أن تكون له رؤية دينية وأخرى اجتماعية ورؤية إزاء الإنسان وإزاء الحياة والحرية وان يكون ملما بمختلف الحقول المعرفية ؟.. إن المثقف اليزيدي يجد نفسه أمام متاهة لايعلم مداها احد أن أراد أن يبحر في دنيا المعرفة الدينية , طالما إن الخلاف حول جذور الانتماء يسبب الاختلاف والتناقض وتضارب الآراء , لان الحقائق نسبية وليست مطلقة كل ينظر إليها من زاويته , لذلك لانستغرب من كتابات البعض الذين يتأثرون بعواطفهم المسبقة فيعمدون إلى تشويه الحقائق التاريخية فيقعون في مغالطات كثيرة تبعدهم عن التفكير الديني إلى مناحي أخرى الذين لايرون في الدين الامجموعة محرمات وممنوعات أوامر ونواهي يتصفون بالتبعية والتقليد بدون وعي ولا تمييز حتى أحالوا ديننا إلى موضوعات تقادم عليها الزمن وصورة مشوهة للغير يستوعب تيارا في آن ونقيضه في آن آخر , فهناك الكثير من العثرات التي تحول دون السير المشترك أهمها امتلاء العقول ـ عن غير وعي ـ بأفكار مسبقة تحدد النتائج سلفا , بينما نحن ألان نعيش في عصر أصبحت فيه كل الحقائق جلية لايمكن فيه إخفاء المعلومات ولا الحقائق ودخول الجيل الجديد المغامر القادر على اقتحام القضايا الشائكة واختراق المناطق المحظورة والمحرمة في محاولة جادة في تغيير الواقع وترجمة الأفكار إلى واقع ملموس , فلا الرفض المطلق يعد فكرا ولا القبول المطلق يعد فكرا لان أقصى ما يمكننا معرفته ممكن أن يحتمل البدائل طالما إن الفكرة تحمل نقيضتها معها حتى يجعلون من الصواب صوابا يحتمل الخطأ ومن الخطأ خطا يحتمل الصواب على رأي الإمام علي بن أبي طالب ,وبالرغم من واقعنا الفريد من نوعه وبالرغم من السلبيات فان المثقف اليزيدي يعيش المراحل الأولى من الانطلاقة الفكرية الصحيحة , وإذا كان ميزان القوى لايميل إلى كفة أي طرف فما جدوى الاستمرار في الماضي والأوراق القديمة وهي حكاية لاتنتهي مشاكلها ونزاعاتها وصراعاتها دون حسم نهائي وهو أمر غير متوافر المنال ؟. .
فمن الحقائق المسلم بها عندنا إن الوقت لم يحن بعد لكتابة نشأة الديانة عندنا لان معرفتنا بأصول الفلسفة الدينية ما تزال ناقصة ومبتورة ولم تصل مرحلة النضوج والإحاطة فهناك حقائق عديدة ما زالت مجهولة , والحقيقة هي ضالة المثقف يلتمسها وينشدها أينما وجدت لان الحق لم يصبها المثقفون في كل وجوهها ولا الأخطاء في كل وجوهها بل أصاب منها كل منهم على حدة وهي كلها تنطلق من اجتهادات شخصية ومن قناعات مسبقة تحمل الكثير من المغالطات منها إرجاع أصولنا الدينية إلى أصول ومعتقدات بابلية أو آشورية أو سومرية وتقاذف المسائل القومية بين عدة اتجاهات آرية أو سامية , حتى بات الانتماء الديني ـ ولكثرة الاختلاف ـ لدى الغالبية العظمى انتماءا فطريا قبليا بدلا من الانتماء العقائدي بسبب الجهل بالكثير من الأمور الأولية البديهية للمعرفة الدينية والقومية ـ ولو إن الإلمام بها فان علمها لاينفع وجهلها لايضر ـ ويعزو سبب ذلك إلى عدم وجود المراجع الدينية الثابتة وعدم وجود خطاب ديني موحد ودور المراكز الثقافية اليزيدية ذات الصبغة الحزبية سواء في الداخل أو في المهجر التي أدت إلى حالة التشرذم والانقسام بين المثقفين أنفسهم والتي كانت حصيلة استجابة للظروف والبيئات الثقافية المختلفة , فنحن لانملك مؤسسات ثقافية بل لدينا مراكز ثقافية حزبية تنطلق من منظور وخطاب واحد تحتكر الثقافة أيديولوجيا وهي الدافع وراء إضفاء كل تلك الصفات العشرون التي أطلقها الكاتب هوشنك على المثقفين اليزيدية والذين أصبح حالهم كحال السفينة في مهب الريح بدون ربان , أما كان الأجدر به وهو الكاتب المتمكن أن يبحث في الأسباب بدلا من الإطلاق والتعميم ؟ . أما كان الأجدر به أن ينطلق من نقطة البداية بدلا من النهاية ؟.. إن أي دراسة مستقبلية تبدأ من الماضي مرورا بالحاضر وان إعادة قراءة التاريخ والماضي ممكن أن يسهم إلى حد كبير لانجاز ما هو بصدده من دراسة ومن ثم مطابقتها على الواقع ,والواقعية لانعني بها الاستسلام للواقع وقتل الشعور بالذات عن طريق محاولات مشبوهة لخلق حالة من الغربة والانفصام بيننا وبين تاريخنا الحضاري لننتهي إلى خواء روحي وعقلي , فليس هناك من يمتلك عصا سحرية لحل جميع المشكلات إلا إن من يطرح المشكلة عليه أن يفكر بالحلول ويطرحها وقد جاءت الاقتراحات من تظافر الجهود التي كتبت بروح الفريق الواحد من الباحثين والكتاب لتحديد المعوقات والانطلاق من الضروريات أولا ثم التدرج نحو درجة الضرورة لخلق حضارة انفتاح وتكافل بدلا من حضارة انغلاق وعداء .