الرئيسية » مقالات » احتراق الدواخل .. قسوة الشتات

احتراق الدواخل .. قسوة الشتات

يشكّل العراقيون اليوم أكبر الأعداد من المهاجرين والهاربين والشاردين عن وطنهم مقارنة بعدد سكان البلاد الأصليين، وذلك نتيجة الظروف الصعبة التي ألّمت بهم منذ خمسين سنة مرت وحتى الآن. وليست هناك احصائيات ثابتة يعّول عليها، وان عراقّيي الشتّات يعّدون ديمغرافيا أكثر بكثير من شعوب بلدان عدة، وفي المهاجر والمنافي لا تنفع أية انتماءات ولا يعترف إلا بهوية العراق.

وتعلمنا مصادر في الأمم المتحدة ان ليس هناك دولة في العالم اليوم ما لم تجد فيها كثرة من العراقيين أو قلة منهم، واغلبهم يحملون هموم العراق ومعاناة الأهل وعظم الكارثة التي حلّت بالعراق.. صحيح أن الزمن قد فرقّهم وان المكان قد بعثرهم وان قرارات الحكومات قد مزقّتهم وان الملاحقات قد سحقتهم، وان الحروب قد أفجعتهم وان الفقر والمرض وهول المصير قد جعلهم يهربون إلى المجهول.. ولكن لم تزل آمالهم قوية بالرجوع إلى الوطن الأم.

ان هجرتهم تشكّل عندهم عمق المأساة، وهم يحملون في الشتات مشكلاتهم الأولى، وان ما فرقّهم دوما في الداخل جعلهم لا يتآلفون مع بعضهم البعض في الخارج أبدا، وهذه مأساة أخرى نجدها في كل مكان ينتشرون فيه خصوصا بعد كل الأحداث التاريخية التي مرت بالعراق الأم منذ العام 1991.

انني إذ أؤكد على هذا الجانب، فإنني لا اعني بكلامي من هرب من وطنه ومعه الملايين من الدولارات، أو هرب من منصبه كي ينتقل إلى منتجع أو قصر أو شقق مفروشة.. فهؤلاء مجرد أرقام في الداخل والخارج، إنني اعني أولئك الذين تشتّتوا من المهاجرين اللائذين الخائفين المرعوبين المسحوقين البائسين ومنهم من المثقفين والفنانين والتشكيليين والأدباء والجامعيين والأطباء والمهندسين وكل الذين لم يحملوا من أرضهم إلا عبق ذكرياتهم الخصبة وقد تركوا بيوتهم وموجوداتهم وأهلهم وأرضهم وكل تاريخهم.

اقصد أولئك الذين اشتروا بدمهم وعرقهم وكل ما حصلوا عليه من شقاء العمر اللجوء أو الهجرة أو ورقة الإقامة أو العبور من مكان إلى آخر بكّدهم وعرقهم.. ولا ننسى ذكرى المئات من العراقيين الذين استلبهم الآخرون أو عوملوا بازدراء أو تاهوا في الصحاري فماتوا عطشا أو أكلتهم الذئاب، أو غرقوا في البحار، أو قضوا في السجون، أو أتوا على قارعة الطريق أو سحقوا في الأسر، لا ننسى ابرز الشعراء وابرع المثقفين والأساتذة العراقيين الذين ماتوا اغترابا ولم يدفنوا في أرضهم أبدا!

منذ نصف قرن وأعداد غفيرة من العراقيين تهاجر نحو المجهول وهي لا تعرف أين سيكون مصيرها، وكلما تقدم الزمن نحو 2003 والآلاف المؤلفة تجد طريقها نحو عالم الاغتراب…. هاجر الآشوريون منذ الثلاثينات في القرن السابق، وكان المسيحيون يهاجرون منذ نصف قرن، وهاجر اغلب اليهود العراقيين اثر الحرب العالمية الثانية.. كان السياسيون من المعارضين يهربون ويغادرون الحدود فرارا.

كان المثقفون في الخارج أكثر التصاقا بمجتمعات متمدنة بحيث يعودون إلى العراق وعيونهم مشدودة نحو العالم الذي تعلموا فيه، وبعضهم كان يعود إلى العراق وبرفقته زوجته الأجنبية فتتأقلم مع عادات العراقيين وتقاليدهم، ولكن مع تقادم الزمن لم تعد الأجنبيات تطيق الحياة في العراق في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين.

ولما هجمت السبعينات من القرن الماضي تبلورت عوامل سياسية بالذات وبلغت أوج عنفوانها في 1979 عندما غادرت موجات بشرية عراقية هربا نحو شتات أوروبا.. ثم جاء التهجير القسري لآلاف من العراقيين إلى إيران كونهم من غير أصول عراقية، فتبلورت مأساة أخرى لعراقيين عاملتهم إيران معاملة سيئة، فخرجوا منها بفعل قساوتها معهم.

وفي أيام الحرب العراقية الإيرانية آثر الآلاف من الطلبة العراقيين البقاء في الخارج من دون الرجوع إلى الوطن كيلا يكونوا وقودا في الحرب المأساوية التي أكلت زهرة الشباب، وقد صفق لها الجميع.. وجاءت حرب 1991، فهربت الآلاف المؤلفة من العراقيين من نار الحرب ونتائجها التعيسة نحو شتات آخر!

وكان من نتائج فرض الحصار الاقتصادي وانهيار البنية التحتية وانتشار الفقر ان بدأت هجرة آلاف العراقيين.. وغدا السفر إلى الخارج عملية ملتوية وغير قانونية وبمثابة هروب جماعي بري عبر معبر طريبيل سيئ الصيت، وبأي أقنعة وبأي وسائل كانت وصولا إلى العام 2003 التي كانت سببا في نزوح الملايين.. وقد انتقل العراق من حالة سيئة إلى أسوأ الحالات..

وإذا كان هناك قلة عراقية نفعية تافهة من أصحاب الملايين المهربّة، فهي لا تتناسب وملايين العراقيين الذين عانوا وما زالوا يعانون الأمرين ويعيشون على أمل أو حلم الرجوع.. وهم لا يطلبون الا حياة عراقية من اجل الكرامة والستر ولقمة العيش! لقد رحلت الدكتاتورية وحّل الاحتلال بدلها والناس تسحقهم مرارات الفقر وهول الغلاء واستشراء المجاعات والأمراض وأخيرا التفخيخات والتفجيرات والقتل العشوائي من قبل الإرهابيين وفرق الموت الطائفية!

ان قسوة الشتات العراقي ستزداد كثيرا ما دامت الأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ.. وليس للعراقيين إلا صنع إرادة عراقية قوية وواحدة باستطاعتها ان تملأ كل فراغ وان تقول لأي محتل ولأي غاصب.. نحن أولى بإدارة شؤوننا ولا يحق لك ان تقسمنا على أساس عرقي أو طائفي أو ديني أو جهوي.. وعندما تعتمد الكفاءة والنزاهة أسلوبا أساسيا في العمل والتقييم من دون اي انتماءات حزبية أو محاصصات طائفية أو مجتزءات عرقية.

وأخيرا، عندما ينفتح ابناء الداخل على ابناء الخارج وبالعكس ليؤسسوا توازنا عراقيا متلاقحا من اجل مصير واحد. فهل ستتحقق أحلامي في يوم من الأيام؟ وترجع الملايين إلى أعشاشها.. وتعود الحياة العراقية إلى طبيعتها.. إلى جمالها وبهائها كما كانت في الأيام الخوالي؟

البيان الاماراتية