الرئيسية » شخصيات كوردية » الذكرى المئوية لميلاد القائد الخالد مصطفى البارزاني

الذكرى المئوية لميلاد القائد الخالد مصطفى البارزاني

31.03.2002

في 14 آذار مرت الذكرى المئوية لميلاد البارزاني الخالد. و لا يسعنا المقام هنا للإلمام بكل جوانب نضال مصطفى البارزاني عبر مقال أو بحث. فهو و نضاله و قضيته أكبر من ذلك بكثير. و جدير بأن تؤلف حول ذلك الكتب و البحوث الكثيرة. سيما اذا أخذنا بعين الإعتبار الفترة الزمنية الطويلة لنضاله الدؤوب. و الوضع السياسي الذي كان يخيم على العالم جراء الحرب الباردة آنذاك و مفرزاتها. و الوضع الإقليمي المعادي لطموحات الشعب الكردي و ثورات البارزاني. ناهيكم عن الأوضاع الذاتية للشعب الكردي و المؤامرات التي كانت تحاك ضده.

إلا أننا إخلاصاً له و إحياءً لذكراه العطرة، و تصميماً على الاقتداء به و السير قدماً في الطريق الذي رسمه لشعبه خدمةً للكوردايتي، سنتطرق إلى بعض الخصائص و الملامح الرئيسية لشخصية البارزاني و الظروف العامة التي مر به نضاله. تذكيراً للأجيال الكردية. و وفاءً لهذا المناضل الذي كرس جل حياته في الكفاح من أجل عزة و مجد شعبه. مناضلاً في قضية تعتبر من أعقد قضايا العصر و بكل المقاييس. إنه، بحق، يعتبر من أبرز قادة الحركة القومية الكردية التحررية المعاصرة. و قد ارتبط أسمه بشكل مباشر بقضية الشعب الكردي و العكس صحيح.

لقد كان البارزاني قائداً محنكاً. عركته التجارب. و مناضلاً صلباً خبرته الشدائد و المحن. و كان لا يعرف المساومة حتى في أحلك الظروف و أصعبها و خلال كل مسيرته النضالية. فغدا رمزاً نضالياً مخضرماً لشعبه الكردي.

أما القضية. فهي قضية الشعب الكردي. المقسمة بلاده بين أربعة دول متجاورة. و الذي يعاني من التجزئة السياسية و أفظع أنواع الإضطهاد و الظلم و الفقر و الحرمان و التخلف في أجزائه الأربعة بشكل متساو. و محروم من كافة حقوقه القومية و الإنسانية.

لقد و لد البارزاني في 14 آذار 1903 وسط ظلم مركب كان يعانيه الشعب الكردي. حتى و كأنه ولد ليكن ضد هذا الظلم. ولكن للأسف الشديد. لقد جاءت ولادته متأخرة على الأقل ب 25 عاماً. وهذا لسوء حظ الشعب الكردي.1

فهو عند دخوله معترك السياسة في ثورته الأولى عام 1931 كان كل شيء بالنسبة للشعب الكردي قد انتهى قبيل ذلك بسنوات أي في العشرينات من ذلك القرن. و كان قد قرر الآخرون مصير الشعب الكردي. و ما زلنا نعيش و نعاني ذلك الواقع المأساوي حتى الآن.

و حسبما أعتقد يمكن تقسيم نضال الشعب الكردي إلى قسمين بظهور البارزاني على مسرح الأحداث في القرن العشرين و هي فترة ما قبل ظهور البارزاني و الفترة البارزانية. و عليه فان المصائب و الكوارث التاريخية التي لحقت بالشعب الكردي كلها تعود إلى فترة ما قبل ظهور البارزاني، و في مقدمتها كارثة تقسيم كردستان.

لقد ترعرع البارزاني في أجواء الرفض لهذا الواقع المأساوي. و من ثم ثائراً عليه. و إن المتتبع لسيرته النضالية يعلم جيداً أنه حاول جاهداً تغيير هذا الواقع الذي كان يعيشه الشعب الكردي بشكل عام و بقى ساخطاً على هذا الواقع و رافضاً له حتى آخر أيام حياته.

لقد مارس البارزاني عمله السياسي و العسكري في ظل ظروف دولية و اقليمية و ذاتية صعبة للغاية 2 مما اضطره إلى تغيير مواقفه النضالية و من ثم قاد المسيرة التاريخية بين ثلاث دول معادية للوصول إلى الإتحاد السوفيتي السابق كلاجئ سياسي و البقاء هناك 11 سنة حتى قيام ثورة 14/تموز/1958 في العراق.

إن البارزاني عمل جاهداً حتى صنع من التشتت الكردي الوحدة التنظيمية و تجلى ذلك في الحزب الديمقراطي الكردستاني إيماناً منه بأهمية الأطر التنظيمية للعمل السياسي. و خلق القوة من الضعف و من أهم مظاهرها قوة (البيشمركة) الأبطال. و استطاع بهم أن يستنبط الأمل من اليأس الذي كان يعيشه الشعب الكردي و ذلك بإجبار الحكومة العراقية على توقيع اتفاقية 11 آذار 1970 و التي تعتبر بحق انتصاراً تاريخياً للشعب الكردي.

إن فترة نضال البارزاني منذ ثورة 1931 و حتى اتفاقية الجزائر الخيانية آذار 1975 جديرة بأن تدون بحروف من ذهب للأجيال القادمة، و ذلك لأهميتها التاريخية و القومية و السياسية و النضالية. ولا يستطيع أي باحث موضوعي إنكار ذلك سوى قلة من الناس ينكرون عليه كل هذا النضال الذي استمر زهاء خمسين عاماً. هؤلاع الناس (القلة) ينكرون أبوة البارزاني الخالد للمناضلين الكرد3. و كذلك ينكرون عليه تراثه النضالي لغايات باتت معروفة. و هم مرغمون الآن على مراجعة كل حساباتهم بهذا الصدد و إيجاد المبررات لسلوكهم المشين ذاك.

إن مسلسل الأحداث في الشرق الأوسط عموماً و في العراق خصوصاً و منذ الربع الأخير من القرن الماضي، إنما هو من مفرزات السياسة التي كانت تعادي البارزاني و الشعب الكردي و التي كانت بدايتها في اتفاقية الجزائر المشؤومة آذار 1975 والتي أفضت إلى كارثة بالنسبة للشعب الكردي، و وضعت حداً مؤقتاً لثورة أيلول المجيدة 1961. فهذه الاتفاقية كانت السبب المباشر للحرب العراقية – الايرانية (1980–1988) و نتيجة لهذه الحرب كان احتلال الكويت (1990) و تلتها حرب الخليج الثانية (1991) و ما نتج عنها من حصار على العراق و محاولة نزع أسلحة الدمار الشامل منها… الخ.

تلك المؤامرة التي رسمت خيوطها في الجزائر آذار 1975 ضد إرادة الشعب الكردي و التي شارك فيها كل من الرئيس هواري بومدين و شاه ايران و صدام حسين و بمباركة أميركية. و بعد أربع سنوات “و في الأول من آذار 1979 توفي البارزاني في مستشفى جورج تاون في واشنطن، من جراء سركان الرئة الذي فتك به و لم يخفف من وطأة منفاه الأميركي و مرارته سوى سوء مصير جميع السياسيين و الرؤساء الأقوياء الذين أسهموا في إذلاله و خيانته في الجزائر، في شهر آذار من العام 1975. فقبل ستة أسابيع فقط من وفاة ملا مصطفى، أطاحت الثورة الإسلامية في ايران بالشاه محمد رضا بهلوي، و أرغمته على سلوك طريق المنفى. و في العام 1974 أرغم الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون على الإستقالة، أثر فضيحة (ووترغيت) في حين فقد وزير خارجيته السيء الصيت هنري كيسنجر منصبه بعد هزيمة الرئيس جيرالد فورد في انتخابات العام 1976. أما الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي أسهم في خيانة الأكراد، فقد توفي بطريقة مؤلمة و بطيئة في شهر كانون الأول من العام 1978″4. أما صدام حسين و الذي تأخرت محاسبته ربما لحكمة سماوية للإمعان في إذلاله أكثر. فهو في وضع لا يحسد عليه منذ ذلك التاريخ. و قد بدأ العد التنازلي له قبل أيام، و أصبح من السهل، بل و السهل جداً، التكهن ببؤس مصيره و مصير نظامه.

انها تجربة بليغة في التعاطي مع الشأن الكردي من خلال نظرة قومية إستعلائية ضيقة. نرجو أن يستفيد منها أولئك الذين مازالت بلادهم تعاني من هذه المشكلة (الكردية) و لا يجرؤن عل فتح الملف الكردي في بلدانهم بواقعية و رجولة، و يصرون على البقاء خارج التاريخ ظناً منهم بأن ذلك هو الأفضل لحكمهم، و لا يعلمون بأنهم يضيفون مشكلة أخرى إلى جملة المشاكل المزمنة التي تعاني منها بلادهم من النواحي الإقتصادية و الإجتماعية. بل و تزيدهم تعقيداً. و هم بذلك مطمئنون بأن الأمور تبقى دائماً ضمن تحليلاتهم و توقعاتهم، وغاب عن ذهنهم بأن الرياح تسير أحياناً بما لا تشتهي السفن، كما هو الحال في العراق الآن. أما كان من الأفضل لصدام الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي، و تجنب كل تلك المصائب والويلات للشعب العراقي بعربه و أكراده. و أخيراً لنظامه و لنفسه؟

إن مصير الشرق الأوسط الآن على كف عفريت. ولا أحد يستطيع التكهن بما ستؤول إليه الأمور. و تبقى المنطقة حبلى بالتوترات و الأزمات. و يبقى الأمن و السلم في منطقة الشرق الأوسط والعالم في حالة تأرجح. مهددة بالانفجار في أي وقت ما لم يبحث في حل القضية الكردية حلاً عادلاً في الأجزاء الأربعة. و يتحمل مسؤولية بقاء القضية الكردية بدون حل و تبعاتها كل الأسرة الدولية و على رأسها منظمة الأمم المتحدة، و الدول صاحبة القرار و المصلحة في الأمن و السلم العالميين، و مسؤولو الدول المعنية بالأمر.



الملامح الأساسية لشخصية مصطفى البارزاني

1. بعد نظره

لقد كان البارزاني يعلم منذ الأيام الأولى لحمله السلاح و إعلان الثورة دفاعاً عن حقوق الشعب الكردي بأن القوى الكبرى هي التي تقرر مصير الأحداث إلى حد ما. و انطلاقاً من هذه القناعة كان يهدف إلى جلب أنظار العالم و عطفه على قضية شعبه العادلة، و كان يقول: “لقد تحمل الشعب كثيراً من المشاق و المآسي و ليس هناك من يقف إلى جانبنا و يساعدنا في محنتنا.”5 و كان يأمل في تدخل هيئة الأمم المتحدة: “نرجو مساعدتنا على إيصال شكوانا إلى منظمة الأمم المتحدة و استنكارنا لسياسة القمع التي تمارسها بحق الشعب الكردي أربع حكومات هي تركيا، ايران، العراق و سوريا لتمزيق القناع عن وجوه هذه الحكومات و نظهر للعالم أجمع مأساة شعبنا الكردي التي لا تعادلها مأساة و لا يتحملها أي شعب…”6

و كان البارزاني يعتقد جازماً بأنه من الصعب إحراز أي تقدم بمعزل عن الولايات المتحدة الأميركية أو الإتحاد السوفيتي السابق. و كان يقول: “إني أسأل العون من كل إنسان يؤمن بالعدل.”

لقد كان البارزاني ضد القتال و سفك الدماء، و ميالاً إلى التسامح و السلام. لذا كان يستجيب إلى أية بادرة تفصح عن رغبة الحكومات العراقية المتعاقبة في ايقاف إطلاق النار، و العمل من أجل السلام و المصالحة الوطنية. و قد شهد له بهذه الصفة سكرتير مجلس السلم العالمي روميش جاندرا عندما صرح قائلاً: “أتمنى أن ألتقي البارزاني و أصافحه. لأنه نصير للسلم في العالم.”7

و مع إحترامه لرغبة الحكومات العراقية المتعاقبة في التفاوض لحل القضية الكردية فإنه كان لا يثق بها و لا يركن إلى وعودها لأنها لم تكن في رأيه إلا حكومات ديكتاتورية و عاجزة عن إيجاد حل للقضية الكردية. و كان يؤمن بأن الحقوق القومية الكردية و توحيد العراق لن يتحقق إلا بعد مجيء حكومة ديمقراطية. لذلك جعل شعار الثورة الكردية منذ إندلاعها “الديمقراطية للعراق و الحكم الذاتي لكردستان العراق”.



2. الوضوح في الأهداف

بخلاف بعض السياسيين الذين يرفعون شعارات متطرفة لغايات مؤقتة، فإن البارزاني لم يرفع أي شعار متطرف و لم يتقدم في يوم من الأيام بمطالب تعجيزية لأن حب البارزاني لشعبه و منع تعرضه للمزيد من الآلام و الويلات، و الواقعية التي إمتاز بها كان وراء كل ذلك، بل ظل واضحاً في طرح أهدافه و كان أسبق من خصومه في استيعاب الحقائق و روح العصر و الظروف الداخلية و الاقليمية و الدولية. و كان دائماً يؤكد على أن الكرد حملوا السلاح من أجل حياة أفضل، و من أقواله بهذا الصدد: “نحن شعب جائع عار… لا صناعة عندنا و لا أي شيء. إننا فقراء نعيش فوق منطقة مليئة بالخيرات.”و أن “هدفي هو الأخذ بيد شعبي إلى عيشة مستقرة آمنة.” “نحن لا نريد الاستقلال. كل ما نريده هو المساواة في الحقوق و الواجبات، إن التخوف من أننا نريد الإنفصال عن العراق غير صحيح. نحن لا نريد سوى إعمار كردستان، و التنمية هي الطريق لإعادة الأخوة بين الأكراد و العرب.” و “نحن نقاتل في سبيل الحكم الذاتي و معروف للعالم أجمع أن كل الشعوب لها حقوق. و نحن أيضاً لنا حقوقنا كغيرنا من شعوب الأرض.” 8



3. قائد متواضع

لقد وصفه كمال جنبلاط بأنه “مهذب جداً و متواضع، و له شخصية قوية جداً. عنده صفات قادة الجيوش العصريين. و جميع من حوله يكنون له الاحترام.”9

بالاضافة إلى ذلك فإنه كان ذا هيبة و وقار عظيميين. يميل إلى الجد في العمل، و الحكمة في التعامل مع ثقة عالية بالنفس. و قيل عنه كذلك بأنه رجل صارم الهيئة، صلب العود، و قائداً لا تفارقه كرامته و رصانته في كل الظروف، و يملك ذهنية سياسية متطورة جداً.

لقد بلغ تواضع البرزاني حداً أنه كان يرفض أن يصفق له أو أن يحاط بهالة من القدسية و خلع الأوصاف و الألقاب الأسطورية عليه كأن يخاطب بلقب (جنرال) أو (زعيم)، و لكنه كان يقول: “أنا لست جنرالاً. أنا مصطفى لا غير…” و “أنا لست إلا فرداً من الشعب الكردي.” و كان يقول أيضاً: “أنا خادم الكرد و ابن الكرد.”

و اعترافاً منه بأنه لم يضع النواة الأولى للحركة الكردية و تطورها. و أنه لم يبدأ من الصفر بل تسلم راية النضال من الذين سبقوه من ثوار شعبه. كان يشيد و في كل مناسبة بنضال قادة الكرد التاريخيين الذين سبقوه مثل الشيخ عبدالسلام البارزاني (أعدم سنة 1914) و الشيخ سعيد بيران ( أعدم سنة 1925) و الشيخ محمود الحفيد (توفي سنة 1956) و اسماعيل أغا الشكاكي (قتل سنة 1930) و القاضي محمد (أعدم في آذار 1947) و سواهم من القادة و العناصر التي قادت أو شاركت بشكل فعال في الحركات و الإنتفاضات و الثورات التي شهدتها كردستان في القرنين التاسع عشر و العشرين.10

أما بساطته في المأكل و الملبس، فقد شهد له كل من لازمه أو قابله بأنه كان يرتدي ثياباً لا تمتاز بشيء عن سائر البيشمركه (الفدائيون) و أنه كان يصر على أن يأكل مع رجاله أو على الأقل أن يأكل مما يأكلون و لا يخص نفسه و لا الذين حوله بالأطايب، بل أن الطعام الذي كان يقدم في مقره قد يكون “أسوأ من طعام أية قرية كردية”، على حد قول شميدت.11



4. حبه للمعرفة و التعلم

كان البارزاني يرى في التاريخ و دراسته شرطاً هاماً لرفع الوعي القومي، و قوة دافعة للأمة، و حافزاً لنهضتها11. و كان يحمل رغبة صادقة في التعلم و حب المعرفة إذا توافرت له فسحة من الوقت. فقد كان بوده الإطلاع على مختلف الثقافات و قراءة شتى المواضيع. و للدلالة على ذلك عندما كان البارزاني منفياً و تحت الإقامة الجبرية مع أفراد اسرته في مدينة الموصل خلال المدة (1934–1936) فإنه استغل تلك الفترة للدراسة. فانتظم في صفوف طلاب العلوم الدينية الذين كانوا يدرسون في جامع عبدالله نشأت بك. فتلقى دروساً في الفقه الإسلامي و دروساً في تعلم اللغة الفارسية و آدابها و دروساً في اللغة العربية أيضاً.12

و ليس أدل على حب البارزاني للمعرفة و التعلم إلا جلوسه و هو في الخامسة و الأربعين من العمر على مقعد الدراسة عندما كان لاجئاً في الإتحاد السوفيتي (1947–1958) و حثه الذين كانوا معه على التعلم و الطلب من السوفيت أن يفسحوا له مجال التعلم و دراسة كل ما يفيد المجتمع من العلوم الحديثة. و لم ينقطع البارزاني عن الدراسة رغم انشغاله بأمور رفاقه و اتصالاته الداخلية و الخارجية، و بقي يلازم مقعد الدراسة حتى قيام ثورة 14 تموز 1958 في العراق.13



5. كرهه للثروة و المناصب

عرف البارزاني بزهده في الحياة، و عزوفه عن جمع الأموال. و كان يرى أن الركض وراء جمع الثروة و الرغبة في اكتناز المال تمتصان كل ما في الساعين إليها من الصفات الحميدة و الطيبة. لذا كان لا يقرّب إليه الأشخاص من ذوي الميول (الخسيسة) حتى و إن التحقوا بالثورة.14

و يذكر أحد أبرز الذين تفاوضوا معه في مطلع سنة 1964 أنه عندما قدم للبرزاني مبلغ (30) الف دينار بعد اتفاقية وقف إطلاق النار في 10 شباط 1964 أخذ البارزاني ذلك المبلغ و وضعه أمامه و قام في الوقت نفسه بتوزيعه على المحتاجين من مقاتليه. و أضاف ذلك المفاوض قائلاً: لقد أذهلني تصرف البارزاني ذاك و لم أعد أتمالك نفسي فقلت “لماذا فعلت هذا يا أبا لقمان؟ ان المبلغ جلب خصيصاً لشخصكم”. فكان جوابه: لقد حاولت، و ما أزال أحاول، ابعاد الثورة و مقاتليها عن المال. لأن لا شيء يفسد المقاتلين و قادة الثورات مثل المال. “ابعدوه فانه يفسد الثورة.” و قرأ لي هذا البيت من الشعر و الذي ما زال عالقاً في ذاكرتي15:

أيها المال لست رباً معبوداً

و لكنك قاضي الحاجات و ستار العيوب.



أن البارزاني لم يسع قط إلى البحث عن المال لنفسه و إنه لم يترك بعد رحيله أية أملاك منقولة أو غير منقولة. و إنه كان مؤمناً بما يقوله دائماً و في كل مناسبة: “يجب أن تعلموا أن التاريخ لم يتحدث و لن يتحدث في أي مرحلة و زمان عن الذين عاشوا حياة مترفة و ملكوا الثروة و السيارات و القصور. إلا أنه يتحدث و يحترم الذين دافعوا و ناضلوا و ذاقوا المرارة و العذاب من أجل أوطانهم و حقوق شعوبهم المشروعة. يا أخوتي إن أموال الدنيا لا تستحق أن نفرط بسببها بشرفنا القومي و الوطني… انظروا إلى (مليونيري) الكرد من أصحاب الثراء الفاحش الذين لم يقدموا يد العون لثورة شعبهم، انظروا اليهم كم هم منبوذون و قذرون في أعين الجميع. الثروة لا تجلب الشرف و إذا لم تنفق في سبيل الشعب تصبح مصدراً للخزي و العار…”16

إن البارزاني و كما هو معلوم لم يطمح في حياته في أي منصب من المناصب الرفيعة التي عرضت عليه مراراً و لم يدع أحد أولاده أن يتولى منصباً مهماً كذلك.

6. قوة الشخصية لدى البارزاني

إن قوة الشخصية تظهر في تطابق الأفعال و الأقوال و السلوك مع الأهداف التي يسعى المرء إلى بلوغها. و هذا ما تجلّى في البارزاني الخالد طيلة نضاله الذي امتد نصف قرن من الزمن. و في كل المراحل التي مر بها. لقد كان صادقاً مع نفسه و مع شعبه و مع الآخرين. و هذا لعمري من الأمور الصعبة التي لا يستطيع إلا عظماء الرجال أن يحققوها.

كان البارزاني حريصاً على عدم إراقة الدماء الكردية و إن كانوا من الشاهرين بوجهه السلاح، و سجله حافل بالأمثلة الكثيرة على ذلك. و كان لا يستخدم القوة و القسوة إلا في سبيل توطيد الحق و العدالة و رفع الظلم عن كاهل المواطنين عرباً و أكراداً و أقليات أخرى. و كثيراً ما كان المواطنون الساكنون في ظل السلطة المركزية يلجأون إلى تلك المحاكم و اللجان التي كان يديرها في ظل ثورة أيلول المجيدة قضاة مختصون لحسم دعاواهم فيها إياناً منهم بعدالتها و نزاهتها.17

و من مظاهر قوة الشخصية لدى البارزاني أنه كان يتواجد في الخطوط الأمامية للمعركة حين اشتداد القتال. و منها أيضاً أنه لم يزر خصومه من حكام بغداد للتفاوض قط. بل أن المسؤولين، و من الحكومات العراقية المتعاقبة، نزلوا عند إرادة الثورة الكردية و هيبتها و مكانتها. فقاموا بزيارات إلى البارزاني في داخل الأراضي المحررة و الجلوس على طاولة المفاوضات. و عندما كان البارزاني يغضب – و نادراً ما كان يحدث ذلك – أو يشعر أن مفاوضاً حكومياً يريد استفزازه و ذلك بالتقليل من شأن قضية الشعب الكردي كان البارزاني يواجه المفاوض الحكومي قائلاً و بحدة: “نحن لا نستجدي حقوقنا.” و يلتفت إلى المفاوض الذي يريد استفزازه أو يقاطعه بدون أذن، بعد أن يضع يده على قبضة خنجره قائلاً له: “لولا حرمة هذا الوفد لقطعت لسانك.”18 هذا ما قاله البارزاني لوزير الثقافة و الإرشاد (الاعلام) العراقي عبدالله سلوم السامرائي في مفاوضات سنة 1968.

لقد وصفهAdgar Obllance بأنه كان “رجلاً يتخذ القرارات بكل حكمة، إنه داهية و مخطط حربي جيد يتبع أساليب متنوعة، و واثق من نفسه”.19

أما شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري فيذكر أسمه باحترام بالغ في مذكراته قائلاً: “السيد البارزاني العظيم.” و قد خلده في أروع تصوير في أبيات من شعره قائلاً:

عملاق جنٍ في الحروب، و دعلج

في السلم يحمي الجلد بالنشاب

وسط الجبال كأن صم صخوره

من بعض ما استصفى من الحجاب

مستشرفاً كبد السماء جبينه

للنيرات، و رجله في “الزاب”20



7. الجوانب الانسانية لشخصية البارزاني

في الكونفراس المشترك لمسؤولي الحزب و قادة (البيشمركه) الذي عقد في 15 نيسان 1967 قال البارزاني في حق شعبه ما يلي: “أفتخر بأبناء شعبنا الذين تحملوا الصعاب و الألام الجسام خلال هذه الفترة الطويلة من اندلاع ثورتنا… الذين تحملوا الحر و البرد و الاعتقال و الموت و التعذيب. تلك الرجولة و الصمود و الشجاعة مفخرة لنا جميعاً و موضع اعتزاز لتاريخ شعبنا… ما تم إنجازه لحد الآن يدعو للفخر و السرور و يرفع الهامات. تلك الرجولة و الغيرة و الشجاعة التي أبداها الشعب الكردي، و تلك البطولات المشرفة التي أبداها الكرد في هذه الثورة رغم قلة إمكانياته و كل ذلك الغدر و القهر و الظلم الذي أصابه و هو يقاوم و يدافع عن نفسه، لا نجده في أي مكان و لدي أي شعب إلا في كردستان.” 21

إن إعتزاز البارزاني بأبناء شعبه و إعجابه بهم و تقديره عالياً للتضحيات التي قدموها و الثقة التي منحوه إياها، و تعلقهم به كانت وراء إهتمامه و متابعته لدقائق حياتهم دون تمييز بسبب اختلاف انحداراتهم الطبقية أو الاجتماعية و حتى مواقعهم في الحركة الكردية. ففي حضرته كان يجلس من يلبس الحرير أو من يلبس القطن و يرقع سرواله متشابهين متساوين. ينزعون ألقابهم و نياشينهم قبل الدخول عليه.

و كان على رأس واجباته مقاومة ما يتعرض له أفراد شعبه من الويلات و المعاناة. ربما يتساءل المرء، عند الاطلاع على رسائله و استقراء دقائق حياته: ماذا يهم قائداً كالبارزاني من مثل هذه الهموم. و كيف أن مشاغله الكثيرة إلى الحد الذي لا يسمح له بحديث مطول أو كتابة وقائع حياته على الأقل أن يهتم بمثل هذه المشاكل و الأمور الصغيرة.

في الحقيق إنه هنا يكمن سر شهرة البارزاني و سر إلتفاف عموم الشعب الكردي حوله و تعلقه به و تأييده إياه و منحه الثقة المطلقة، و تمتعه بأعظم الحب في كردستان. إن كل هذا جعل منه ليس زعيماً من أبرز زعماء شعبه فقط بل ظاهرة تاريخية تستحق الدراسة بعمق للاستفادة مما جسده من تجارب غنية بايجابياتها الكثيرة.

في رسائله البالغة 36 رسالة نراه يتوسط لتزويد طالب بوثيقة نقل من مدرسة إلى أخرى، و يطلب في رسالة أخرى تخصيص مبلغ من المال لتأثيث ناد للموظفين، و تنظيم عدم تعرض لشخص يريد السفر إلى البصرة، و يتوسط في رسالة أخرى لتعيين شخص كفراش أو حارس، و يطلب في الأخرى الاهتمام بصحة امرأة مريضة و أخرى فقدت رجلها بسبب تعرضها للقصف الجوي. و لم ينس البارزاني في رسائله القابعين في السجون بسبب المشاركة في الثورة الكردية. و في بعضها الآخر يهتم بشؤون الفلاحين و إعادة المرحلين منهم إلى قراهم، و لا ينسى العمال المفصولين من أعمالهم لأسباب سياسية.22

إن الصفات التي تحلى بها البارزاني كانت ذات تركيب استثنائي ” فهو استثنائي العدالة، و الشجاعة، و الحكمة، و الصبر؛ استثنائي النظرة إلى بواطن الأمور و تحليل ظواهرها و استقراء الماضي و استشراق المستقبل… استثنائي في قناعته الراسخة من أن الحياة هي موقف”23. فهو إذاُ، كما يستحق و بجدارة أن يمثل دالة التقوى السياسية لدى الأكراد.24

فسلام عليك يوم ولدت… و يوم تبعث حياُ.



* * * * *

الهوامش:

1 من محاضرة للكاتب بعنوان “الأكراد في القرن العشرين” ألقيت في Hannover بتاريخ 21/8/1998.

2 نصف الدول المستعمرة لكردستان كانت مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية مثل تركيا و ايران، و النصف الآخر كانت مع المعسكر الشرقي بقيادة الإتحاد السوفيتي مثل سوريا و العراق.

3 من منطلق أبوة البارزاني للمناضلين الكرد فان الأخ مسعود البارزاني يتقبل لفظة (كاك) – الأخ برحابة صدر.

4 أمة في شقاق ـ جوناثان راندل، دروب كردستان كما سلكتها ـ ترجمة فادي حمود ـ دار النهار ـ بيروت 1997.

5–17 الملامح الأساسية لشخصية مصطفى البارزاني القيادية و الانسانية ـ د. عبدالفتاح علي بوطاني ـ دهوك ـ مطبعة خه بات ـ 1996.

18 جريدة خبات العدد 966 تاريخ 3/3/2000.

19–23 الملامح الأساسية لشخصية مصطفى البارزاني القيادية و الانسانية ـ د. عبدالفتاح علي بوطاني ـ دهوك ـ مطبعة خه بات ـ 1996.

24 البارزانية ما بين التحديث و دالة التقوى – هيبت بافي حلبجة.


http://www.efrin.net/efrin03/penus/index/old/penus13/erebi/cime-dawod.html