الرئيسية » مقالات » حقائق عن زيارة الدكتور المشهداني إلى رومانيا

حقائق عن زيارة الدكتور المشهداني إلى رومانيا

بخارست


مساء الثلاثاء الموافق 26/2/2008 وفي احدى قاعات فندق الانتركونتيننتال ببخارست جرى لقاء ودي وصريح وشفاف بين الدكتور محمود المشهداني والجالية العراقية المتواجدة على الساحة الرومانية وكنت احدى الحاضرين لهذا اللقاء بصفتي أحد أفراد هذه الجالية، وبعد ان استقريت في مكاني، اخذت اراقب عن كثب ابناء الجالية يتوافدون إلى القاعة وهم يتطلعون بشغف ورغبة صادقة إلى سماع حديث رئيس برلمانهم عن وطنهم الجريح الذي يفصلهم عنه بعد البين وهم تحت عبء الغربة الظالمة التي جعلت الكثير منهم بلا وطن وفريسة للأمراض النفسية كالكآبة ، والقنوط وفقدان الأمل احياناً.

لقد كان اللقاء أشبه بلقاء عائلي شرذم أفرادها النظام الدكتاتوري السابق منذ سنين عجاف خلت، وكان الجو الذي خّيم على هذا اللقاء عراقياً صرفاً كما ان الأسلوب الذي ميزً حديث الدكتور المشهداني هو الآخر جاء عراقياً دون رتوش أو تزويق وهذا يميز العراقيين عن غيرهم بأريحيتهم وصراحتهم التي تبتعد عن ديباجة الدبلوماسية والمجاملة في بعض الأحيان ولكن مضمون الحديث كان غنياً ومؤثراً يشد السامع اليه وينقله إلى وطنه وأهله والى كل من هو عزيز على قلبه، وقد فلح الدكتور المشهداني بلغته الشعبية التي يتداولها العراقيين في ديارهم وخارج ديارهم ان ينقل بأمانة ما يجري من أحداث في العراق وبأسلوب يطغي عليه المرح أحيانا، لعله متأثر بقول الإمام علي ((ع)) ( أعطي الكلام من المرح كما تعطي الطعام من الملح)، ربما هذا الأسلوب عكر مزاج البعض واغاضهم وهذا من حقهم اذا أخذنا بالتقاليد الديمقراطية لقد منً الله على ابناء آدم بنعمة البصر وهي في الحقيقة جهاز دقيق ومعقد يضاهي المرآة الصافية التي تعكس بوفاء كل ما يحويه الواقع الملموس، فإذا كان من استهوتهم مهنة نقل ما يدور وما يحصل من حولهم بعيداً عن المصالح الضيقة وملتزماً بما تقع عيناه وما تسمعه آذنيه وما يملي عليه وجدانه فأن صاحب هذه المهنة التي يطلقون عليها أسماء مثل كاتب، محلل أو صحفي… الخ قد أدى واجبه استجابة لنداء ضميره، وإذا ابتعد عن جادة العدل والإنصاف فأنه يقع رهين العُقد النفسية ويُحسب على اولئك الذين ديدنهم الوحيد زرع الأوهام بين الأنام، فهم نرجسيون يحبون أنفسهم ويفضلوها على غيرهم.
ان اعتبار الحدث الهام في تاريخ الشعب العراقي الذي وقع في 14 تموز عام 1958 حركة وليس ثورة عليه مراجعة القواميس لمعرفة الفرق بين مفهوم الثورة ومفهوم الحركة كي يتوضح له الأمر.
ففي 14 تموز عام 1958 قامت ثورة بمفهومها العلمي قضت على نظام الحكم الملكي وجاءت بدلاً منه بنظام حكم جمهوري، وهذا يعني جرى تغيير جوهري في النظام السياسي يختلف جذرياً عما كان قائماً في النظام السياسي الزائل، ومن منجزات هذه الثورة:
خروجها من حلف بغداد المشؤوم وفي النظام النقدي الاسترليني، وسنّه قانون الإصلاح الزراعي، وقانون الأحوال الشخصية وحرية المرأة، وتأميم ثروات النفط، واطلاق حرية الكلام والتعبير وإجازة النقابات العمالية والمهنية والجماهيرية … الخ من الإنجازات الهامة في حياة المواطن العراقي.
إما مفهوم الحركة، فهو شكل من أشكال النشاط السياسي والاجتماعي والديني، من أهدافها تحقيق الإصلاحات بشكل عام في إطار المجتمع دون اللجوء إلى التغيير الجوهري في نظام الحكم القائم ومن هذه الحركات: حركة أنصار السلام، الحركة الطلابية والشبابية، حركة النقابات المهنية، حركة الدفاع عن الحقوق المدنية وستكون في ذروة الهزل أو العبث محاولة تهميش دور الدكتور محمود المشهداني لاسيما في الفترة الراهنة التي يمر بها الشعب العراقي.
لذا يستلزم منا أقصى درجة من الجدية والانتباه عند تقييمنا نشاط الشخصيات السياسية لاسيما الرسمية، وعلينا ان لانُسيء تقديرنا تهويلاً أو تهويناً حينما نفصح عن رأينا بالآخرين وخاصة الذين في قمة المسؤولية متحدين الأوضاع الارهابية الخطرة والشاذة المحفوفة بالمخاطر.


ومن اهم ما ورد في حديث الدكتور المشهداني في لقائه ابناء الجالية يمكن تلخيصه بما يلي (( نحن اذن امام تحد حقيقي وجاد لايمكن تجاهله أو التقليل من شأنه ومع ذلك فأن الحقيقة الأساسية االتي ينبغي ان تحكم استجابتنا لذلك التحدي هي ان الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي والثقافي هو اولاً وقبل كل شيء وفي هذه الحالة فلن يكون علينا سوى ان نمضي بحسم وجدية على طريق الإصلاح، فليس هناك طريق آخر)) أنا أتساءل من لا يتفق مع محتوى هذا الكلام؟.
قدم الدكتور المشهداني جهوداً مكثفة لأقناع رؤساء الدول العربية بخصوص عقد اجتماع اتحاد البرلمانيين العرب في العراق وفي مدينة اربيل التاريخية، وهذا اللقاء بحد ذاته يمثل ظاهرة في غاية الأهمية لأنه يساهم في دعم التضامن مع العراق من قبل الدول العربية الشقيقة وغيرها من الدول الصديقة، ويزيح الستار عن الادعاءات المغرضة التي يطلقها من حين لآخر زبانية أعداء العراق بأن العراق يهدده التقسيم والشرذمة.
ففي جلسة الافتتاح لأتحاد البرلمانيين العرب الذي انعقد بأربيل في كردستان العراق بتاريخ 11/3/2008 قال المشهداني (( نحن نرحب بكم أيها الإخوة الضيوف القادمون من الوطن العربي العزيز الذي لايمكن للعراق ان يعيش خارج محيطه وخارج محيطكم ولكن بثوابته، وهذه الثوابت لم تأت من فراغ بل جاءت نتيجة نضالات وصراعات ودماء وأشجان وأحزان وآلام ثم تمحورنا حول الآلية السليمة في التداول وفي اتخاذ القرار، فعندما أقر دستور العراق وقرر الشعب ان يكون نظامه نظاماً فدرالياً اتحادياً، إلى الأخوة الكُرد الا ان يضيفوا اختيارياً وكثير من الاخوة لم يفهموا معنى الاختيار وهي حقيقة تاريخية عندما سقطت الدولة العثمانية وتمزقت ، اختار الأخوة في كردستان العراق ان يكونوا مع أخوتهم العرب اختيارياً وكان من الممكن ان يكونوا مع أي جهة أخرى.. الخ )) وأضاف الدكتور المشهداني قائلاً (( ولعلنا عندما اخترنا بالإجماع فخامة الرئيس مام جلال رئيساً للعراق، هذه رسالة بالغة، عظيمة أرسلناها للمحيط العربي والإسلامي والعالم اجمع بأن الذي يريد ان يراهن على الصراع العربي الكردي بعد الآن فليسحب قيده من السباق فأنه خسران لا محالة)) وفي مكان آخر قال ((حتى في آخر لقاء في رومانيا كان الرئيس الروماني يركز على ان الفدرالية تؤدي إلى التقسيم، فقلت له هناك خصوصيات، نعم ربما هناك نقاش في كون العرب يتوزعون إلى سُنة وشيعة وهناك من يقبل الفدرالية في اقليم كردستان وهي خصوصية جغرافية وتاريخية واستحقاق نضالي اختباري، كان بأمكانه ان يذهب إلى خيار آخر فأختار ان يكون مع اهله العراقيين فينبغي ان يعطي هذا الاختيار خصوصية خاصة وامتيازاً خاصاً وجزءاً خاصاً لذلك اقول اننا لم نقم بواجبنا كما ينبغي كمجلس نواب عراقي تجاه مايتعرض له الاخوة الاكراد ولكن اعتقد قمنا بالحد الادنى)) وفي مكان آخر قال (( نطمح ان نعطي في الانتخابات القادمة صورة أوضح وإدارة اكثر مرونة وشفافة إلى شعبنا لكي يختار مايشاء وسنقبل بأختياره ونُُسًر ايضاً بهذا الاختيار)).
وللأمانة علينا ان نقيّم الجهود الكبيرة التي بذلها الأستاذ عادل مراد سفيرنا في رومانيا لكي تحقق هذه الزيارة اغراضها وان تكلل بالنجاح لما فيه مصلحة البلدين الصديقين، لاسيما في الظرف الراهن الذي يتطلب نهج سياسة تساهم في تعبئة اكبر عدد من الدول الصديقة التي يمكنها ان تقدم الدعم والاسناد للحكم الديمقراطي الفيدرالي المتسامح في العراق والعون في المجالات التي يحتاجها وبشكل خاص الاعمار وعودة الحياة الطبيعية إلى ابناء العراق الواحد الموحد.
للتذكير فأن ما ورد في هذا المقال حول زيارة الوفد البرلماني العراقي إلى رومانيا لايدخل في باب المساجلات لأني لست في من هواة هذه المهنة ولا ممن تغريه مظاهر الحياة وبهجتها وانما اردت طوعاً ان اكون صادقاً واميناً في نقل وقائع زيارة الوفد البرلماني برئاسة الدكتور محمود المشهداني التي حققت نجاحاً كبيراً رغم محدودية الفترة الزمنية، ولكي أكون اميناً ايضاً فأني شعرت بعد انفضاض اللقاء مع الدكتور المشهداني بفيض من رضا النفس وغادرت القاعة وأنا احتفض بصورة عن بلدي العراق لا اقل ولا أكثر مما تعكسه عدسات المصورين على امتداد السنين العُجاف التي خيّمت على شعبنا العراقي المغلوب على أمره.