الرئيسية » مقالات » سنوات خمس بين الخيبة والأمل!

سنوات خمس بين الخيبة والأمل!

خسر ألكثيرين الرهان وأنا واحد منهم بأن العراق سيكون واحة الديمقراطية في الشرق وكذلك اكبر ورشة عمل في المنطقة ، ولربما في العالم خلال سنوات قليلة بعد سقوط النظام الصدامي. والسبب ثقتي الكبيرة بالمهمشين والمبعدين والمظلومين في ظل النظام السابق وكذلك بحكمة قادة المعارضة. ففي هذه الأيام التي بدأت فيها الحرب لإسقاط النظام الصدامي خالجت العراقيين مشاعر مختلفة، ولكن يقينا بان الأغلبية كانت تتمنى سقوط النظام وانهياره حتى بمساعدة شارون وليس “البسطال” الأمريكي فحسب. وخلال خمسة أعوام لم يستطع أن يتحقق حلم العراقيين ببناء الوطن الذي عاشوا أربعة عقود كاملة يحلمون بتحقيقه، وطن لكل العراقيين بغض النظر عن القومية والدين والمنطقة، وطن تتسامى فيه روح الوطنية على العصبية الطائفية ـ الدينية أو القومية. وقد لعبت عوامل كثيرة في تأخير تحقيق مشروع بناء نظام جديد في العراق، منها ما هو محلي ومنها ما هو خارجي بالإضافة إلى الأخطاء التي قامت بها الولايات المتحدة خلال هذه الفترة. فالعامل الداخلي أساسه ما خلفه النظام البعثي من تمزيق للنسيج الاجتماعي العراقي وأكمله اندفاع الأحزاب الدينية للاستحواذ على الشارع العراقي وتقنين مفهوم المحاصصة وتعميق الشعور الطائفي لدي العراقيين .ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة العراقية تتمحور حول القائد المنقذ وحزبه أصبحت الدولة العراقية تتمحور حول أكثر من قائد وحزب تلفهم عباءة التعصب الطائفي والولاء لولاية الفقيه . ومكان القيادة الرشيدة أصبح تعبير المرجعية الرشيدة . استبدال الشعور الوطني لدي القوميات المتآخية في العراق إلى حركة قومية ابتعدت كثيرا عن بناء وطن واحد لجميع العراقيين. أما الخارجي فيتمثل بتدخل دول الجوار العراقي جميعها في الشأن الداخلي وبمستويات مختلفة ولكن التدخل الإيراني والسوري فاق كافة حدود المعقول، خاصة بعد أن بسط نظام ملالي طهران يده على مرافق الدولة العراقية وأحزابها واخترق الأجهزة الأمنية وأدخل الكثير من أعوانه البرلمان العراقي وغيرها. ونقل البلدان سوريا وإيران صراعهما مع الولايات المتحدة إلى الأرض العراقية .كما تداخل عاملان مع بعض هيئهما النظام المقبور من استقطاب متطرفين إسلاميين إلى العراق ومنهم عناصر قاعدية بحجة الدفاع ضد محاولة إسقاطه خلال الحملة الإيمانية التي تزعمها ” المتدروش” عزة الدوري . وقد أظهر تقرير التوازن العسكري لعام 2008 الذي يصدره المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، أن العراق احتل رأس قائمة الدول التي توجد فيها جماعات متشددة، إذ يشير التقرير إلى وجود 30 جماعة متشددة ناشطة. وبعد سقوط النظام تركت الحدود العراقية مع دول الجوار بدون مراقبة ما سهل دخول أعداد كبيرة من عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي إلى العراق وقد وصل عددهم إلى أكثر من 7.000الاف إرهابي، من اجل تحويل العراق لساحة صراع مفتوحة ضد العالم المتمدن وخاصة الولايات المتحدة ، وفي هذا يقف التنظيم مع سياسة النظام السوري والإيراني في خط واحد. وعبر الحدود الإيرانية عشرات الألوف بمختلف الحجج لتقويه وإرشاد وتنظيم المليشيات الموالية لولاية الفقيه. والعامل الثالث الأخطاء الكثيرة التي وقعت بها الولايات المتحدة ، ومنها سماع أصوات غير وطنية عراقية أثبتت الأيام اللاحقة عدم أمانتها السياسية وصدق تحالفاتها من جهة ، ومن جهة ثانية الاعتداد بالرأي استنادا إلى النجاح العسكري الذي تم بإسقاط نظام يقف وراءه ثالث اكبر جيش في العالم خلال ثلاثة أسابيع ، دون الاستفادة من تجربة حلفاء الولايات المتحدة أو من داخلها ، من العقلانيين العراقيين فيما يخص الوضع العراقي والتصرف معه حسب متطلباته ميدانيا. وكان من تلك الأخطاء استعجال الإدارة الأمريكية لتحقيق نجاح على الأرض ولو شكلي لظروفها الداخلية الانتخابية وطمأنة دافع الضرائب الأمريكي الذي يتحمل الجزء الأكبر من عبئ وجود قوات بلاده في العراق بالإضافة إلى دماء أبنائه التي تهدر يوميا من أن ما تقوم به الولايات المتحدة يحقق نجاحا على الأرض لمصلحة الشعب العراقي المحرر من النظام الدكتاتوري. تشكيل مجلس الحكم على أساس محاصصة طائفية وقومية، ساهم في ذلك عراقيون بالمشورة . الإسراع بإجراء انتخابات دون خلق قاعدة صلبة للوعي الوطني وأهمية الصوت الانتخابي في اختيار ممثلين حقيقيين للعراقيين ، خاصة في وسط وجنوب العراق مما أوجد ظروف مساعدة استغلتها أحزاب الإسلام السياسي لمصلحتها عبر زج المرجعية الدينية والاعتماد على دعمها للحصول على أغلبية فاعلة في البرلمان لا تمثل بشكل صادق الشارع العراقي. الإسراع في وضع دستور يحوي ثغرات واسعة وقنابل موقوتة دائمة. وضع الدستور على أساس مصالح حزبية وطائفية ـ قومية بعيدا من أن يكون دستورا يوحد العراقيين إلى وثيقة يتناحر حول بنودها المتخاصمون وكل واحد يفهما حسب هواه. الاعتراف بان القوات التي أسقطت النظام قوات احتلال وليست قوات تحرير. التركيز على الجانب العسكري والأمني، على الرغم من أهميتهما، دون إيجاد منظومة مراقبة قوية محصنة لإيقاف هدر المال العام ومعه 47 مليار دولار صرفتها الولايات المتحدة لمشاريع الأعمار مما خلق نمط واسع للفساد الإداري ، ليس فقط في عملية أعمار العراق الضروري لإنجاح مشروع تحريره من النظام الشمولي، وإنما في تحقيق أي مشروع للبنى التحتية يحتاجه المواطن. وقبلها جاء حل الجيش العراقي الذي لم يكن مواليا لصدام حسين في الغالب، وحل الأجهزة الأمنية دون وضع بديل سريع وخطة تصفيتهما من العناصر الملطخة أيدها بدماء العراقيين ، مما سهل تكوين مليشيات حزبية وطائفية من جانب،ومن جانب آخر تحويل كفاءات الجيش العراقي السابق عرضة لإغراءات تنظيمات النظام البعثفاشي السرية وعصابات القاعدة مما زاد من تأثير عملها الإجرامي ضد العراقيين وأمنهم. إن تلك الأخطاء يتحملها الساسة العراقيون في الدرجة الأولى الذين لحد هذه اللحظة لم يستطيعوا أن يحققوا الحد الأدنى من أمنيات العراقيين من امن وأعمار مما دفع الكثيرين الترحم على النظام السابق ، خاصة بعد إعطاء إدارة الدولة ومفاصلها المختلفة ل “روزخونين” أصحاب شهادات مزورة لم يتفتق ذهن النظام السابق لمثلها .
خمسة سنوات بعد سقوط النظام الشمولي وخمسة سنوات من الأمل المتجدد:
لا زال العراقيون مختلفون حول ما حدث قبل خمسة سنوات من انه حرب من اجل تحرير شعب عاش تحت اشد أنواع البطش والإرهاب أم حرب من اجل الاحتلال. ولا يهم الاختلاف إن أعطت كل جهة ما يبرر ذلك. فالجهة المستفيدة من تغير النظام ، بفضل دماء ومال قوات التحالف ،لم تقم بدورها السياسي الاجتماعي لإثبات إنها أفضل من النظام المقبور، وإنما على العكس كرست أنواع جديدة من الإرهاب والدكتاتورية تحت يافطة الدين من جهة والمصالح القومية من جهة أخرى. وحولت مؤسسات الدولة إلى ملك صرف لأحزابها بعد أن كانت بيد حزب واحد. وأصبحت صور القادة بعد إن كانت لواحد تملئ الشوارع والأزقة وأضفي عليها صفات اكبر مما كانت تضفى على صدام حسين . وإن قبل كتف صدام حسين فان القادة الجدد لا يكتفون بذلك وإنما يمدون أيديهم عبر الزجاج المصفح لتقبل. كما انصرف المستفيدون من عملية التغير ليس لإثبات وطنيتهم وحبهم للعراق وإنما للمنافسة على الكسب الحزبي والطائفي واتخاذ مدن أخرى قبلة لهم وإتباع توجيهاتها وأهدافها على حساب العراق وأمنه ومستقبله ووحدة أراضيه وأصبحت ولاية الفقيه النموذج الذي تسير عليه المؤسسة السياسية ـ الدينية العراقية بأحزابها المختلفة.
وقبل الاشتباكات بين جيش المهدي وقوى الأمن العراقية وكذلك بين جماعة مقتدى وحزب الدعوة او مليشيات بدر التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى في يوم 25 مارت الحالي كتب في صحيفة المواطن البغدادية “يومية مستقلة” ماجد زيدان في الثالث والعشرين من مارت الحالي مقالا بعنوان” الخلافات تصعد التوتر الأمني” ، جاء فيه :”أن الأوضاع السياسية والأمنية تدهورت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة فقد تبادلت أطراف العملية السياسية الاتهامات وهددت بعضها البعض وحدثت صدامات مسلحة في أكثر من مكان إلى جانب تصاعد العمليات الإرهابية التي استغلت هذه الأوضاع وراح ضحيتها المئات من الأبرياء.” وأضاف :” فالخلافات بين التيارات السياسية والتهديدات باللجوء إلى القوة لحسم الصراع على السلطة والنفوذ جعلت بعض القوى تتصلب في مواقفها في محاولة لإظهار الطرف الآخر بمظهر الضعف وعدم القدرة على تمثيل الوسط الاجتماعي الذي يعتقد انه يمثله.”وتطرق الكاتب إلى الاحتقان في الجنوب والوسط وتفجير الصدامات مع القوات الوطنية واشتداد التنافس السياسي وقال: “إن ذلك هو الآخر لعب دورا في التوتر الذي نشهده وتزايد الاتهامات والتراشق الإعلامي وبالتالي شل قدرة الحكومة على التحرك وطرح مبادرات جديدة “، مشيرا إلى أن هذه الأحداث والأزمات أكدت الانطباع الشعبي بان القوى السياسية ما تزال غير مستعدة لمغادرة خنادقها والتقدم باتجاه بعضها البعض لتحقيق انفراج في الأزمات.” وفي الثالث والعشرين من مارت الحالي أيضا كتب وائل الركابي في صحيفة كل العراق “يومية مستقلة” مقالا بعنوان”خمس مضين .. وما زلنا نراوح” ، جاء فيه : ” بعد مضي خمس سنوات على تغيير الواقع السياسي في العراق أو ما يختلف البعض على تسميته بالاحتلال أو سقوط النظام البائد فان كثيرا من الأمور لا تزال تراوح في نفس المكان على الأقل بالنسبة للمواطن من خلال رؤيته لما آل إليه ذلك التغيير وما هي النسبة الحقيقية من الفائدة التي كان يجب أن يجنيها بعد المعاناة والصبر الطويلين من النظام السابق.”
حقا كثير من الأمور لا زالت تراوح في مكانها رغم الإمكانات الكبيرة التي يملكها العراق بعد إلغاء 90 % من ديونه ووصول ميزانية العراق للعام الحالي 48 مليار دولار .جاءت عمليات تهجير قسري من مدن مختلفة وإحلال مكانهم فتجنسين جدد من إيران أو إسكان مواطنين إيرانيين في مدن مثل البصرة ،العمارة والكوت على حساب أهل الوطن الأصليين. وما زال شمال العراق جزء من الوطن، لكن حكومة إقليم كردستان لا تسمح للعراقيين من أماكن أخرى العمل والعيش في وطنهم دون كفيل أو معاملتهم كمواطني درجة ثالثة وسمحت بتجنيس الآلاف من أكراد تركيا وإيران أو إعطاء أقامات دائمة لمواطني دول أخرى دون العراقيين من مناطق أخرى وتأجيج موضوع كركوك وعائديتها في ظروف العراق الحالية الذي هو اشد الحاجة إلى التلاحم الأخوي بين قومياته ودياناته.
أما الذين وقفوا ضد الاحتلال أو الذين أطلقوا على عملية إسقاط النظام “احتلال” فلم ينطلقوا من المصلحة الوطنية العراقية ولا حتى القومية العربية في إيقاف حمامات الدم العراقي والمساهمة في العملية السياسية من اجل إيقاف التطرف الديني ودوامة العنف الطائفي وإيقاف نزعة الانفصال عن العراق بحجة مقاومة الاحتلال وبذلك نقلوا الاحتلال الحقيقي إلى الوطن في أسوء أشكاله واعنف حالاته وأكثره دموية ، ليس فقط في رفع السلاح ضد الوطن والمواطن وأمنه وحياته والبنى التحتية، وإنما تعبيد جادة العمل اللوجستي أمام العصابات الإرهابية كالقاعدة وغيرها من الجماعات المسلحة في تفخيخ السيارات وتهيئة الأجساد المفخخة من قبل ثلة من المجرمين الذين باعوا الدين بأبخس الأثمان. فيسأل الإنسان:” أي تعاون هذا من اجل تحرير الوطن تحت راية القاعدة ؟ وأي دين هذا الذي أحتموا وراء فكره الذي يحرض الناس على القتل ويحرك نفوس المنحطين ليفجروا أشلائهم القذرة بين المواطنين الآمنين؟” . إن ذلك زاد من بطش ودموية العصابات الإرهابية ضد العراق وفسح الطريق لاحتلاله من قبل القاعدة وعناصرها التكفيرية المجرمة التي استخدمت السكين للحز رقاب العراقيين والأجساد الرخيصة لنحر الأمن الوطني واغتيال أطفال ونساء وشيوخ العراق بغض النظر عن القومية والدين والمنطقة والمذهب. كما سوعدت عصابات القاعدة في إشعال حرب طائفية بعد تفجير قبة الإمامين العسكريين التي كانت من نتيجتها فرق الموت والتهجير الطائفي والترحيل إلى خارج الوطن، تهديد واغتيال أبناء الديانات الأخرى من سكان وطننا الأصليين وحرق دور عباداتهم. ورغم السنوات العجاف تحقق للعراق انجاز مهم هو الأمل في المستقبل دون نظام شمولي تحكمه عائلة المجيد وإمكانية قيام نظام ديمقراطي حقيقي بعد حين. لقد أظهرت آخر نتيجة استطلاع قامت به مؤسسة ألمانية ونشرها التلفزيون الألماني في بداية الشهر الحالي إن الأغلبية من العراقيين راضين عن إزالة نظام صدام حسين وان هناك تفاؤل أكثر مما كان عليه قبل عام فيما يخص التحسن الأمني وعودة الحياة إلى طبيعتها. وقد استطاعت القوات الأمنية العراقية وبمساعدة قوات التحالف من تحقيق نجاحات كبيرة ضد عصابات القاعدة واستطاعت من تحرير مدن ومناطق كاملة وأجبرتها الهروب إلى خارج الحدود أو إلى شمال الوطن حيث تلاحقها لعنات العراقيين وعزيمة الجندي العراقي والأمريكي لتصفيتها . وبمناسبة التحسن الأمني ، الفرصة التي انتظرت طويلا لم تستفد القوى السياسية الحاكمة منها لإرساء دعائم المصالحة الوطنية وإعادة تشكيل حكومة جديدة ليست على أسس المحاصصة الطائفية والقومية ،على الرغم من مطالبة الشارع العراقي بذلك، الجامعة العربية، الاتحاد الأوربي ، الولايات المتحدة وأخيرا الأمم المتحدة على لسان المبعوث الخاص للامين العام للأمم المتحدة في العراق ستيفان دي مستورا يوم الخميس 21 مارت الحالي في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية محذرا قادة العراق قائلا :” إن الوقت ينفد أمامهم لكي يحلوا الخلافات التي تعرقل العملية السياسية. وقال دي مستورا: “يجب أن يكون هناك المزيد من الحوار بينهم لان الوقت يضيق”. وعلى العكس من ذلك دخلت أحزاب قائمة الإتلاف في صراع مسلح فيما بينها للاستحواذ على اكبر قدر ممكن من الامتيازات السياسية أو المادية من تهريب نفط الجنوب .
عينة واحده من معاناة الإنسان العراقي ـ المرأة العراقية في عهدين
تحملت المرأة العراقية في العهد البعثفاشي اشد صنوف العذاب والحرمان حيث فقدت الابن، الأب ، الأخ أو الزوج أما في حروب النظام العبثية أو في سجونه ومعتقلاته . وكانت ضحية سهلة أمام جلاوزة النظام وأبناء العائلة الحاكمة للاغتصاب أو القتل، كما كانت بضاعة رخيصة تباع في سوق النخاسة في دول الخليج عبر منافذ الأردن أو دمشق، ولكنها كانت حرة في لبسها ومساهمتها في الحياة الاجتماعية في وطنها. أما في عهد ما بعد سقوط النظام الفاشي ووصول الأحزاب الدينية وحلفائها للسلطة فان صورة أخرى قاتمة تعيشها المرأة العراقية فبالإضافة إلى ما تتعرض له على يد المليشيات الدينية وعصابات القاعدة في “دولتها الإسلامية” قوانينها التعسفية لتعيدها للقرون الوسطى، حتى في المناطق الآمنة في إقليم كردستان وهي لا تختلف في ذلك عما تفعله نقضيها المذهبي في وسط وجنوب الوطن. فالدستور العراقي اغفل منجزها الذي تحقق لها بعد 14 تموز في قانون 188للأحوال المدنية لعام 1959 باستبداله بالمادة 41 من الدستور. فتسلط الميليشيات الدينية زاد الإرهاب ضد المرأة ، حيث تعرضت الكثير من القيادات النسائية والناشطات إلى عمليات اغتيال وتهديد وهذا لم يتم بمعزل عن السعي لإلغاء دورها وإضعاف تأثيرها في العملية السياسية، على الرغم من أن الدستور قد ضمن لها 25% من مقاعد البرلمان الذي ساهمت في وضعه أحزاب الإسلام السياسي . وعلى الصعيد الاجتماعي فهناك مظاهر عنف وإرهاب لم يشهدها المجتمع العراقي سابقا. فعمليات الخطف والاغتصاب بالعدد ثم القتل شملت كل الشرائح وكذلك إرغام النساء على ارتداد الحجاب بشتى الوسائل كالتهديد بالقتل . وهناك وزارات لا تسمح بتعيين غير المحجبة وهذه القضية تتناقض مع حقوق الإنسان علما بان العديد من النساء بعد ثورة 14 تموز خلعن العباءة حتى في بعض المناطق الدينية. إن ما جرى في البصرة مثال واحد لدور المليشيات الدينية وراء قتل النساء لدوافع دينية متزمتة وعصابات إجرامية منظمة بحجة مخالفتهن للضوابط الدينية والأخلاقية. وكتب تحذير باللون الأحمر على الجدران يحذر النساء من وضع مساحيق التجميل أو الظهور في مكان عام دون غطاء للرأس ويتوعدهن بعقاب شديد. ويقول التحذير “نحذر من السفور والتبرج ومن يخالف سوف يتعرض للقصاص. “اللهم اشهد إنا بلغنا”. أن عصابات التطرف الديني والجريمة المنظمة تلاحق النساء بالسيارات والدراجات النارية وتمارس ضدهن التهديد والوعيد بسبب ما يرتدين من ملابس أو يضعن مساحيق الزينة.

القاعدة تحارب بجسد المرأة الملغوم
إن الضربات الموجعة والمتلاحقة التي توجهها قوات التحالف بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والقوات الوطنية العراقية ضد عصابات القاعدة أفقدتها توازنها وأخذت تستنجد بالنساء لتنفيذ عملياتها الدموية ضد الأبرياء، حيث استشهد ثلاثة مدنيين يوم الأربعاء الماضي وأصيب ثمانية آخرون جراء قيام انتحارية ترتدي حزاما ناسفا مستهدفة سوقا شعبيا وسط قضاء بلدروز في محافظة ديالى. كما أنسلت انتحارية في كربلاء بعباءة سوداء تغطي حزامها الناسف وسط حشد مزدحم من الزوار في منطقة المخيم وفجرت نفسها وسط الحشد. والنتيجة 47 شهيد و75 جريح من الزوار المدنيين.وهذه المرأة السادسة التي تفجر نفسها بموافقتها او دون علمها خلال الأشهر الثلاثة من هذا العام ، لكنها تبين ارتفاعا واضحا في ظاهرة تجنيد النساء واستخدامهن في هجمات انتحارية من قبل عصابات القاعدة. ويسأل المرء نفسه ما الذي يدفع القاعدة باستخدام النساء في العمليات اللوجستية، مثل استكشاف المكان أو إيصال قنبلة ومن ثم تجنيد انتحاريات ، وما الذي يدفع المرأة، وقد تكون أما، لأن تنتحر وتنحر أناسا أبرياء؟ الجواب يأتي بعد مراجعة خطابات القاعدة ، والزرقاوي بالتحديد ، سنجد أن الموقف كان مزدوجا، بين الفخر والشعور بالعار . فقد دشن تنظيم القاعدة فتواه باستخدام النساء في العمليات الانتحارية بنشره بيانا نعى المجرم الزرقاوي فيه على موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت مفجرة انتحارية قامت بتفجير حزام ناسف بمجموعة من متطوعي الجيش العراقي في منطقة القائم على الحدود العراقية السورية بالقول “اللهم تقبّل أختنا بين الشهداء”. فقد دافعت عن “عقيدتها وشرفها”.وبعد تنفيذ انتحارية جريمتها نشر موقع انترنيت رسالة موقعة من الزرقاوي المقبور وجه في نهايتها سؤالاً “: ألم يعد هناك رجال بحيث أصبح علينا تجنيد النساء؟ أليس من العار على أبناء أمتي أن تطلب أخواتنا القيام بعمليات انتحارية بينما ينشغل الرجال بالحياة؟” ،لكن التغير هو صدور فتوى تقول إن للنساء نفس حقوق الرجال في قضية الجهاد. إن فتوى القاعدة تلك دليل على إفلاسها في تجنيد سذج للقيام بإعمالها الإجرامية. وحسب فتوى مساواة المرأة بالرجل في الجهاد قالت صبا خالد ، الناشطة في مجال حقوق المرأة مفسرة الفتوى :” أن للنساء نفس الحقوق في الموت وليس لهن نفس الحقوق في الحياة” وتضيف بان تنظيم القاعدة معروف بتشدده نحو المرأة ،خاصة بممارستها لعملها أو إكمالها لتعليمها ويقر بتزويجها في عمر الطفولة “وتتابع : “لذلك كانت الفتوى التي أباحت العمليات الانتحارية مدعاة للتساؤل من كل المهتمين بحقوق الإنسان في العراق ، حيث ساوى التنظيم لأول مرة بين المرأة والرجل، لكن بشكل سلبي، ففي مفهومهم لديهم مواضيع معينة ومحظورات معينة لا يجب على المرأة أن تقوم بها، لكن الظاهر إنه بقضية العمليات الانتحارية تم تجاوز هذه العقبة.” أما المستشار في وزارة الدفاع محمد العسكري يحيل سبب استخدام الانتحاريات إلى “انحسار تأثير القاعدة على الشارع العراقي .” ويعتبر استخدام النساء نوعا من ” القيمة الدعائية أكثر من القيمة الميدانية” فمن خلال استخدام النساء تريد القاعدة أن تشعر الرجال بالعار “النساء تقاتل والرجال غافلون عن الحرب ، خاصة بعد إن أعلن الجيش الأمريكي في 21 مارت الحالي انه ألقى القبض على ثلاث عناصر قيادية ينتمون إلى إعلام تنظيم القاعدة، فضلا عن غلقه ستة مراكز إعلامية تابعة للتنظيم منذ تموز يوليو 2007 وحتى تشرين الأول من العام نفسه. أوضح المصدر، بأن عدد المواد الإعلامية التي نشرها تنظيم القاعدة حول العراق انخفض من 143 مادة في أيار 2007 إلى 17 في كانون الأول من العام نفسه”. ومن اجل القيمة الدعائية استخدمت المرأة كجسد ملغوم لقتل الأبرياء. وهذا ليس الشاهد الوحيد على إفلاس القاعدة على المستوى المحلي في العراق وإنما على مستوى إدارة عمليتها من كهوف تورو بورا، حيث أعلن منذ عدة أسابيع عن إن الرجل الثاني في التنظيم الإرهابي إيمن الظواهري ينتظر أسئلة الصحفيين ليجيب عليها. ولم يظهر الظواهري للإجابة على الأسئلة ، ولم يعلن عن وصول أسئلة، وبذلك انفجرت فقاعة صابون دعائية لمقدرة التنظيم التي أثبتت بؤسه وضعفه الكامل . أننا ننتظر ساعة إعلان انهياره لكي تتنفس البشرية الصعداء من اكبر خطر هدد الحضارة البشرية في العصر الحديث بعد اندحار النازية.
الصحوة من الكابوس :
كيفية تحويل الحلم العراقي الذي استمر أربعة عقود كاملة وتوقف جامدا خلال الخمس سنوات الأخيرة بعد سقوط الصنم البعثصدامي؟ سؤال لا زال يكرره أكثر من باحث، كاتب ومهتم بالشأن العراقي ولسوء الحظ كل يفهمه من منظور خاص به أما لمصلحة حزبية أو طائفية أو قومية ـ مناطقية. فجماعة الإسلام السياسي تراه في ” الإسلام هو الحل ” وعليه بناء نظام تسود فيه الشريعة ولتسهيل ذلك بناء فدرالية على أسس طائفية ـ قومية. أما مخلفات النظام الساقط يريدون إعادة عقارب الساعة للوراء لعودة حزب البعث. أما الأحزاب القومية المختلفة فأنها ترى الحل في تفتيت العراق على أساس دول داخل الدولة، ليس للمركز أي دور.
إن صراع الأحزاب الحاكمة الحالية على السلطة وتطاحنها عبر السلاح من اجل الفوز بأكبر المكاسب على حساب الوطن والمواطن واندفاع أحزاب الإسلام السياسي في خط بعيد عن المصلحة الوطنية في خلال السنوات الخمسة بعد سقوط النظام وكذلك الأحزاب القومية التي تبني وطن على أشلاء العراق أصبح كابوس يؤرق الخيريين من العراقيين ويزيد من إحباطهم لخصه أحد المسئولين الكبار عن الأمن الوطني العراقي في رسالة شخصية بتاريخ 19 مارت الحالي لخبير عراقي: ” خذها مني بأن جميع الطاقم السياسي فاسد بطريقة أو أخرى، ونحن بحاجة إلى ثورة لتغيير هذه الفئة السياسية بكاملها. ” هذه صورة للذين يسوسون الوطن الآن. اما جيشنا الوطني فلم يصبح وطنيا لان ولاء عناصره طائفي وحزبي على حساب الوطن وأمنه . فقد اعترف قاسم الموسوي الناطق باسم خطة امن بغداد السبت 29 مارت الحالي بقيام جنود عراقيين بالهرب وتسليم أنفسهم إلى عدد من مكاتب الصدر. واختطفت مجموعة من الضباط التابعين لجماعة جيش المهدي الناطق المدني باسم خطة فرض القانون تحسين الشيخلي الذي وجه رسالة صوتيه بثتها قناة الشرقية الفضائية مساء اليوم السبت 29 مارت الحالي أكد ذلك قائلا : “أنا محتجز لدى عدد من الضباط وفي مكان آمن وأعامل معاملة جيدة وحسنة.”

إن هذا الواقع يزيد القناعة بأن الخروج من الوضع الحالي يتم بإيجاد تيار وطني عراقي لبرالي التوجه ، يأخذ على عاتقة تبني فكرة العراق أولا والوطنية العراقية هي المعيار من اجل بناء وطن واحد ديمقراطي فيدرالي الإدارة، لكل العراقيين بغض النظر عن القومية والدين والمنطقة يتعايش فيه أبنائه كما كانوا ، بعيدا عن الطائفية والنزعة القومية والولاء لمن هو خارج حدود الوطن. يصونون ثروات العراق لأبنائه، يفتخر بتأريخه وتراثه الثر الذي ساهم في بناء الحضارة الإنسانية، يتعايش مع محيطه بسلام دون التدخل في شئون الآخرين ولا يسمح لأحد التدخل في شأنه على أي أساس كان. الإقرار بانتماء العراق إلى محيطه العربي والتجانس مع طموحاته في العمل المشترك من اجل حرية دول المنطقة ومساعدة شعوبها على بناء نظام ديمقراطي يضمن لها حقوقها. التعامل مع الاحتلال على انه قضية وقتية والاستفادة القصوى من إمكانيات اكبر دولة في العالم التي تقف على رأس دول التحالف في العراق، ليس فقط للدفاع عن العراق وإنما أعماره وإعادة بنائه . اعتبار مبدأ الفدرالية نموذج متحضر في أسلوب الحكم على أساس إعطاء صلاحيات للأقاليم والاعتراف بالحقوق المشروعة للقوميات والديانات المختلفة المتعايشة في العراق، ولكن وليس بناء دولة داخل الدولة. إعطاء صلاحيات واسعة لهيئة النزاهة وإصدار تشريع ينص على أن الفساد الإداري ومن يساعد على تفشيه خيانة بحق الوطن يحاسب عليه على أساس فعله. إبقاء أربعة وزارات، في كل الظروف خارج اللعبة السياسية، ومهما كان نوع واتجاه الحزب الذي سيفوز في الانتخابات الديمقراطية وهي : الدفاع ، الداخلية( قوى الأمن الداخلي)، الخارجية والتربية والتعليم .