الرئيسية » مقالات » التيار الصدري: لماذا قاعدته هم الفقراء والمستضعفون؟

التيار الصدري: لماذا قاعدته هم الفقراء والمستضعفون؟

بعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف، أو مع أو ضد، علينا الاعتراف بأن التيار الصدري وجيش المهدي المرتبط به قاعدتهما الآساس هم الفقراء والمستضعفون والمظلومون في الأحياء الفقيرة في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب العراقيين.

إن من أهم مهمات الباحثين والمعلقين والمراقبين السياسيين الحريصين على مهنهم وأقلامهم هو البحث الدقيق والموضوعي والحيادي في الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، ظاهرة انتشار واتساع قاعدة هذا التيار في هذه الأوساط من المجتمع العراقي، وبعيداً عن المواقف المسبقة السياسية والمذهبية والشخصية المتشنجة المنحازة الى هذا الطرف أو ذاك.

إن انطلاق هذا التيار وبهذه السعة والقوة بعد احتلال العراق أمر يدعو الى التأمل بعيداً عن التحليلات الجاهزة والمعتادة والمعروفة حول تاريخ عائلة الصدر الديني والمذهبي والنضالي وما تعرضت له من اضطهاد واغتيال لأبرز رموزها الدينية بدءاً من محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى مروراً بمحمد محمد صادق الصدر وولديه ، وقوة تجذر وتقديس هذه العائلة وسط الجماهير الشعبية الشيعية العراقية وخاصة البسيطة والفقيرة منها. وبما أن مقتدى الصدر هو ابن الشهيد محمد محمد صادق الصدر فقد كان بالضرورة هو الوريث الذي ينتقل إرثُ التقديس والاجلال والتبجيل والولاء اليه من تلك الجماهير، ليلتفوا حوله موالين ومقدسين وتابعين منحازين ومصغين لآرائه وأفكاره ودعواته ومنفذين أوامره وتوجيهاته الدينية و السياسية و غيرهما من مناحي الحياة دون تردد أو تلكؤ أو تفكير.

هذا هو التعليل العام والمنسجم مع ظواهر الأمور وتداعياتها، وفيه من الحقيقة شيء كثير. لكن اتساع القاعدة الجماهيرية لهذا التيار بهذا الشكل الإنفجاري وبهذه القوة والانتشار أمر يقتضي النظر الدقيق والموضوعي بعيداً عن الانحيازات الحزبية والايديولوجية والسياسية والتشنجات العصبية الدينية والمذهبية والشخصانية.

إن بروز شخصية السيد مقتدى الصدر بشكل مفاجئ وبالصورة التي حدثت وما رافقها من أحداث دامية ولغط أمر أحدث دهشة وارباكاً وبالخصوص على الساحة السياسية وفي أمر بناء الدولة العراقية الجديدة المزعوم تشكيلها على أسس الديمقراطية وحقوق الانسان والمجتمع المدني، وكذلك في موضوعة الاحتلال الأمريكي. وقد رافق ذلك ولا يزال الطعن في التيار وقائده على أساس أن مقتدى الصدر شاب صغير ليست لديه خبرة سياسية ولا خلفية نضالية شخصية ولاتعليم ولاثقافة تمكنه من قيادة مثل هذه القوة الجماهيرية بشكل سليم وبعيداً عن التحرك الموضوعي العقلاني المبني على منطلقات سياسية سليمة وحكيمة تحسب لكل حدث وخطوة وزمن وقوة حسابها الدقيق لكي لا يقع التيار في خطأ أو موقف يجر في أذياله نكبات وكوارث ومعاناة للشعب العراقي بعد كل المآسي التي مرت به والتي لا تزال تمر به.
لكن الملفت للنظر في هذا التيار ايضاً هو سرعة بروز مجموعة قيادية من الشبان المثقفين سواءاً من رجال دين أو من حاملي الشهادات العالية في مختلف الاختصاصات العلمية والانسانية. وقد ظهر العديد منهم بعقلية ناضجة ودراية أثبتوا بها قدرة سياسية قيادية وشخصية كارزمية مقتدرة ومعرفة بالأمور والنظر فيها بوعي وادراك، الى جانب شخصيات أخرى امتازت بغير ذلك لتوقع التيار في مطبات ومنزلقات يفترض أن لا يقع فيها من كان بهذه القوة والجماهيرية والتأثير في الساحة السياسية والاجتماعية والموقع الذي احتله داخلياَ وخارجياً كقوة فاعلة ومؤثرة لها حضورها وامتدادها. مع الأخذ بنظر الاعتبار أن القيادات المذكورة كلها كانت تنصاع الى أوامر وتعليمات وتوجيهات السيد مقتدى الصدر المحاط يالتأكيد يكادر يقدم له المشورة والرأي في الأمور. ويفترض فيه أن يكون حريصاً على عدم الوقوع في الزلل والخطأ اللذين يقودان الى مهالك ومنزلقات خطيرة عليها وعلى البلاد والعباد. وما يجري الآن على الساحة العراقية من أحداث دليل على ذلك.

لقد بادر الكثيرون من الناس حتى من غير مريدي هذا التيار الى الاسراع بالانضواء تحت خيمته منطلقين من أجندات مختلفة داخلية وخارجية، سواءاً من أزلام النظام السابق للحفاظ على حيواتهم أو تنفيذ مخططات جهنمية مرسومة مسبقاً قبل السقوط، أو من الانتهازيين الباحثين عن مصالح ذاتية، أو من العاطلين عن العمل بحثاً عن عمل أومنفعة مادية، أو من قوى الجريمة المنظمة للعمل بحرية باسم هذا التيار، أو قوى اخرى مرتبطة بأجندات خارجية يهمها اسقاط العراق في الفوضى حماية لمصالحها وأمنها واسقاطاً للمشروع الأمريكي. كل هذه المنطلقات والأهداف والاستراتيجيات والاجندات دخلت تحت ظل هذه الخيمة لتنفذ كل منها أجندتها، فيتحمل العراق والعراقيون تبعتها من حياتهم ودمائهم واموالهم، ولتستمر الفوضى في البلد كي يعيثوا هم فساداً بحرية وعلى راحتهم.

اضافة الى كل هؤلاء انضم الكثير من الطائفيين المتطرفين ليقوموا بالانتقام المقابل لما جرى من مذابح ارهابية بحق البسطاء والفقراء من أهل العراق في الشوارع والأسواق والبيوت، وبالذات في مناطق وأحياء في بغداد مثل مدينة الصدر والشعب والكرادة والحرية والكاظمية والعامل والبياع والدورة. وهي مناطق تجمعات سكانية ضخمة من الفقراء والمستضعفين والمظلومين الذين قدموا التضحيات في كل ما مر بالعراق من حروب وظلم واضطهاد ليزدادوا فقراً ومعاناة وظلماً، واستمرت هذه الحال حتى اليوم وبرغم التغيير الذي استبشروا فيه خيراً. لذا أخذ هؤلاء بالتساؤل حول أهمية وفائدة التغيير واسقاط النظام السابق إذا كانت الحال أسوأ مما مضى، وبقي هؤلاء المساكين هم مساكين وفقراء ومستضعفين، ورجال الدولة هم رجال الدولة أنفسهم بلباس آخر يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقون ثروة البلاد على مستحقيها وأهلها. بل العكس ازداد الفقراء فقراً، وانتفخ الأغنياء غنىً، وبخاصة الأغنياء الجدد من تجار الحرب وسماسرة الصفقات المشبوهة والوهمية والفاسدين وعتاة اللصوصية النفطية والعصابات المافيوية وغيرها. فأصبح اللصوص والسراق والفاسدين أثرياء يعيشون في القصور الفاخرة العامرة والبيوت المنهوبة من الذين هجروا في زمن النظام السابق والذين هجروا بعد السقوط بسبب الصراع الطائفي البغيض الدخيل على المجتمع العراقي المتسامح، اضافة الى الاستيلاء على قصور قادة النظام السابق.

هذه الأمور الى جانب المحتل ومجنزراته ودباباته وسمتياته التي تجوب الشوارع والسماء لتدمر البيوت على رؤوس أصحابها بالشبهة وخاصة بيوت الفقراء المعدمين من مختلف الجهات والطوائف دون استثناء بحجة ايواء الارهابيين، اي الى جانب الروح الوطنية عند الكثيرين والتي دغدغها التيار الصدري مدعياً للدفاع عن الوطن ومحاربة المحتل والدعوة الى خروجه وبناء الدولة الوطنية بعيداً عن المحاصصة الطائفية، كما انبرى التيار ليكون لسان الفقراء والمستضعفين والمدافع عن مصالحهم وحقوقهم والوقوف بصلابة ضد الصداميين، وحماية المناطق التي كانت تتعرض للعمليات الارهابية لتحصد أرواح الناس دون تمييز وعلى أساس طائفي. اتجهت بالضرورة عواطف الكثيرين نحو هذا التيار لأنهم وجدوا فيه تعبيراً عن دواخلهم، كلاً من منطلقه ومعاناته، فالتف هذا العدد الضخم حوله مؤيداً ومسانداً ومدافعاً عنه بحياته، وهم فيما نرى أناس بسطاء فقراء ليس على أجسادهم الا ملابسهم العادية المهلهلة الدالة على الفقر والعوز والمعاناة. وهو ما يدفع الى التساؤل المهم:
لماذا هذه القاعدة الكبيرة من الفقراء والمستضعفين والمظلومين حول هذا التيار الى حد الدفاع عنه بأعز ما يملك الانسان وهو حياته؟!

وليس من الحكمة والموضوعية ان نلصق بهم تهمة الشراذم وشذاذ الآفاق واللصوص والحرامية والمكبسلين، ومن المعروف أن مثل هؤلاء هم الأحرص على حياتهم من غيرهم من الناس، وهم غير مستعدين الى تعريضها الى الموت!

ابحثوا عن الاسباب الحقيقية الكامنة وراء التفاف هذا الزخم الجماهيري القوي الواسع حول التيار الصدري، وبغض النظر عن الاختلاف والتضاد والمعارضة والرفض! ثم ادرسوا وسائل الوقوف في وجهه دون اراقة دماء الأبرياء.
ويا ترى هل سينجح الحل العسكري في حسم الصراع مع هذا التيار الجارف؟!

السبت 29 آذار 2008