الرئيسية » مقالات » ليتعض التيار الصدري من مصير {القاعدة} في العراق

ليتعض التيار الصدري من مصير {القاعدة} في العراق


نردد بين الحين والآخر الحكمة المعروفة “لا يُلدغ المرء من جحر مرتين”، ولكن في واقع الأمر أن هذه الحكمة لا تصمد أمام الواقع. فالبشر يلدغون عشرات المرات من هذا الجحر ولكنهم لا يتعضون. وهذه هي أحدى الألغاز التي تعصف بالنفس البشرية. فهناك نفر غير قليل من أبناء آدم يصر على أن يدور في حلقة مفرغة ويرتكب الخطأ تلو الخطأ ولا يتعض من تجاربه وتجارب الآخرين في أصرار غريب على الخطأ والشر رغم مرارة الدروس التي تلقّنها الحياة للأنسان. ورغم ما قيل أن “الاعتراف بالخطأ فضيلة”، إلاّ أن هذا الأصرار على الخطأ وعدم الاعتراف به وعدم أخذ العبرة من أخطاء الآخرين هي ميزة طغت على غالبية من استهوتهم مغريات سراب لا يصمد أمام الواقع. وتكاد تنطبق هذه الحالة وبشكل صارخ على تصرفات وتناقضات التيار الصدري ومنذ انهيار النظام السابق في نيسان عام 2003.





مشهد مثير ينبغي أن يتعض به أقطاب التيار الصدري


صورة أخذت أثناء المواجهات العنيفة عام 2004 في بعض المناطق الساخنة حيث إرتفعت صورة صدام إلى جانب صورة مقتدى الصدر



فهذا التيار يرفع، كما يرفع أنصار القاعدة في العراق، شعار مواجهة المحتل. ولكن وقائع السنوات الخمس الماضية قد فضحت حقيقة نوايا من يردد هذا الشعار سواء من قبل الأرهاب الدولي أوفلول النظام السابق أو من جانب التيار الصدري. فالأسحة التي تم السطو عليها من قبل هذه الفئات لم توجه في حقيقة الأمر ضد الوجود العسكري الأجنبي، أو ضد وجود وهمي اسرائيلي أو كفار في العراق، كما كان يردد من قبل المتطرفين والتيار الصدري. فهذا السلاح توجّه بالأساس ضد الشعب العراقي وضد كل البنية التحتية والاقتصادية للعراق بهدف تهديمها. كما إن التغيير الذي حصل لم يلغ الدين الاسلامي، ولا هو جزء من حملة مزعومة ضد المسلمين. فالوقائع تشير إلى أن أسقاط النظام السابق أعطى للمتدينين وأنصار الأسلام السياسي فرصة لم يحلموا بها طوال حياتهم، بل ومنذ ظهور الأسلام، بحيث مكّنهم من تصدر السلطة والدولة. كما لم نعثر في خلال السنوات الخمس الماضية على مخبر أو عريف اسرائيلي أو حتى على فراش اسرائيلي على الأراضي العراقية. كما لم يتم نهب النفط العراقي من قبل القوات الغازية، كما صرح سدنة الحكم السابق وحلفائه العلنيون والمتسترون. فالخزينة المركزية أتخمت بواردات النفط العراقية، حيث تجاوزت الميزانية العامة المالية لهذا العام مبلغ يزيد على 44 مليار دولار، وبلغ الاحتياطي من العملة الصعبة في البنك المركزي ما يزيد على 22 مليار دولار. وهو دليل دامغ على أن النفط ومداخيله أصبحت بالفعل في ذمة الدولة العراقية وليس في ذمة صدام حسين وعدي وقصي والشرذمة الفاسدة التي حكمت العراق، ولا في ذمة الأمريكان وحلفائهم “الكفار”. ويكفي أن نشير إلى أن هؤلاء المحتلين كانوا وراء ألغاء حوالي 120 مليار دولار بذمة العراق من ديون جراء فذلكات النظام السابق وصولاته و”جهاده”.


وفي الحقيقة أنطلت في البداية شعارات هؤلاء على وسط غير قليل من العراقين ممن هالهم وقوع البلاد بيد الغزاة. ولكن مع مرور الوقت بدأت تتضح أيضاً نوايا هؤلاء الملثمين من شتى الأصناف بإعتبارهم قوى لا تسعى إلى خروج المحتل، بل إلى تعطيل حياة العراقيين ومنعهم من بناء دولة القانون والمؤسسات. فقد أوضحت تجربة سطو هؤلاء على العديد من المدن والمناطق بأنهم قوى ظلامية لا تطيق وجود معاهد تعليمية ولا دور للنساء في عملية بناء البلد، وفرضوا نمطاً ظلامياً لم تشهده حتى أشد العهود رجعية في تاريخنا. كما أصبح النهب والسطو على الممتلكات العامة والقتل العشوائي هو النهج الوحيد لهذه الزمر الأجرامية. وبذلك فقدت هذه الزمر التعاطف معها خاصة بعد أن فشلت في تبرير شعارها ضد المحتل وانتقلت إلى ممارسات القتل والتهجير الطائفي المشين الذي لم يعهده العراقيون. وهنا تناوب التيار الصدري وجيش المهدي مع هذه الزمر في عملية الاقتتال الطائفي المتبادل الوحشية والمخجلة في نفس الوقت. وكان حصيلة كل هذه الجرائم تكريس واقع جديد يتمثل في العزلة التامة لهؤلاء واندفاع ابناء الانبار المخلصين لعراقهم إلى هبة عفوية لطرد هذه الزمر من محافظة الأنبار والشروع بتطهير ديالى والموصل وصلاح الدين من رجسهم.


وسوف لا ينجو التيار الصدري من هذا المصير إن لم يتعض بعد الشرور التي أرتكبها في النجف وكربلاء والقادسية والمثنى وبغداد والبصرة أخيراً. فبعد أن أستطاع هذا التيار سواء بالإقناع أو بالأكراه أن يجذب أوساط غير قليلة من الشباب الذين هزّهم الزلزال الهائل المتمثل بسقوط أعتى الأنظمة الفاشية في عالم اليوم، إلاّ أن انعدام أي برنامج واضح للتيار الصدري وممارسته الهمجية ضد أوساط شعبية واسعة، أفقده تدريجياً تلك الهالة بين أوساط الشعب، بحيث أصبح من السهولة أن يتم عزلهم في مدن مقدسة كمدينة النجف وكربلاء. وهو أمر منطقي لأن هذا التيار لم يقدم أي مشروع أو مقترح لرفع الغبن والحيف وحل مشاكل متفاقمة في مناطق هيمنوا عليها كمدينة الثورة في بغداد مثلاً، والتي عرضوها إلى مخاطر وويلات جراء مغامرات وطيش غير محسوب. ولذلك بدأت أوساط متذمرة واسعة في مدينة البصرة ترفع صوت الإدانة والتذمر ضد الميليشيات المنفلتة ومنها جيش المهدي، الذي تصرف بشكل مشين لا يختلف عن سلوك جيوش ارهابية طوى الزمن صفحة عليها أخيراً، أو زمر القاعدة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة في العراق بعد أن شمر العراقيون عن ساعدهم لملاحقتها.


كان من الممكن أن يجنح التيار الصدري إلى جادة السلم وينبذ حمى جمع السلاح والتهديد به لو جرى تبصير التيار الصدري من قبل بعض أصدقائه ومنذ البداية بخطورة الجنوح إلى السلاح وتشكيل جيش المهدي. فالسلاح مهما تميز بقوة تدمير وترهيب لا يجلب المجد والعزة والأنصار لعاشقيه. فصدام حسين جلب السلاح من كل أنحاء العالم والأشد فتكاً منها، ولكنه لم يصمد إلاّ أيام معدودات أمام إندفاع سادته القدامى بهدف إزاحته. ولم يجر تبصير التيار الصدري بأن السلاح كوسيلة “للحوار” بين الأطراف المختلفة هو سلاح ذي حدين، وسينقلب على المولعين به في نهاية المطاف. كما لم يجر تبصير ووضع شرط أمام هذا التيار وهو أن مشاركته في العملية السياسية وقبوله في “الأئتلاف العراقي الموحد” لابد أن يقترن بتسليم أسلحة هذا الجيش المزعوم إلى الدولة التي يجري إعادة بنائها. وهكذا تمتع هذا التيار بحصانة المرجعية الدينية لكونها ومع شديد الأسف قد تبنت هذه القائمة رغم أعلانها أنها خيمة لكل العراق، ورغم الهجوم والتعريض المتواصل للتيار الصدري بالمرجعية نفسها وطرح نفسه كبديل لها. ولم يكن هذا التستر على التيار الصدري وخروقاته وتشكيله لميليشيات مسلحة إلا بسبب أن البعض من منافسيه في القائمة نفسها مولعين أيضاً بجمع الأسلحة، إضافة إلى طموح البعض من تجار السياسة في داخل القائمة نفسها إلى استخدام التيار الصدري وجيشه كعنصر ضغط في التنافس السياسي الحاد في داخل قائمة الأئتلاف الموحد التي لم تكن موحدة، وتمزقت بعد حين.


أن أمام السيد نوري المالكي مهمة ألتزم بها عن أستيزاره وهي تأمين الأمن للمواطنين والشروع بعملية أعادة أعمار بلدنا التي تتعثر بسبب انعدام الأمن. وبالرغم من تأخره في ذلك، وباعترافه أخيراً، فأن الفرصة مازالت سانحة بفضل وحدة وقدرة قواتنا المسلحة التي أثبتت قدرتها على التصدي للعابثين بالأمن، وأن تخوض معركة مشرفة ضد العابثين في القانون، بغض النظر عن عمائمهم وهوياتهم من الموصل إلى البصرة. ويجب على رئيس حكومتنا أن لا ينصت إلى من يتستر على الزمر الأرهابية والميليشيات بدعاوى مختلفة. فهذه الزمر، كما أشار رئيس الوزراء في خطابه الأخير الخطير، لا تسعى ألا إلى تدمير البلاد وتحويلها إلى مرتع لتدخلات أقليمية وميدان لنشاط عصابات الجريمة والمخدرات وتجار السلاح وفلول القاعدة والنظام السابق. ينبغي على رئيس الوزراء أن يمضي بعزم راسخ ومستنداً إلى أرادة شعبنا المظلوم من أجل أزالة الفوضى وفرض القانون، وأن لا يرجع إلى بغداد بدون تحقيق هذه المهمة النبيلة، مهمة جمع الأسلحة غير القانونية. فأي تراخ في تحقيق ذلك وأي تراخ وفي مواجهة عصابات التخريب هو تكرار لأخطاء مريرة أرتكبها حكام وطنيون في تاريخنا القريب. فالزعيم الراحل عبد الكريم قاسم عمل بمبدأ عفا الله عما سلف لمن لا يستحق العفو، وأخرج المفسدين من سجونهم، ولم يستمع إلى نصائح المخلصين للعراق ومنهم نابغة الشعر والعراقي الأصيل محمد مهدي الجواهري عندما قال محذراً الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم:


فضيق “الحبل” وأشدد من خناقهم


فربما كان في إرخائه ضرر


تالله لأقتيد زيد بإسم زائـــــــــــدة


ولأصطلى عامر والمبتغى عمر



نعم أنه تحذير لرئيس وزرائنا كي يتفادي تكرار جريمة شباط عام 1963، هذه الجريمة التي مهدت لليل طوبل ثقيل وسنوات عجاف ومريرة ومثقلة بالجريمة على العراقيين بكل أطيافهم. أننا على عتبة خيارين، فأما دولة قانون وحريات وديمقراطية وأحترام حقوق العراقيين ورفع مكانة العراق عالياً بين الأمم، وأما دولة طوائف وعصابات وصعاليك على غرار دولة ملا عمر والرهط الآخر من المستبدين القابعين على أنفاس شعوبهم في عالمنا العربي المريض. إن أي أصغاء لسليلي أبو موسى الأشعري والوقوع في فخهم من أمثال أبراهيم الأشيقر وأضرابه من الذين يحمّلون الحكومة ما آل أليه الوضع في العراق، لا يعني إلا جر العراق إلى حريق لا يعرف مداه. أن الهدف المبطن لهؤلاء هو جر العراق إلى حافة هاوية أشد شناعة من أنقلاب شباط 1963 وأكثر دموية من أنقلاب تموز عام 1968. فليستمع السيد رئيس الوزراء إلى وجدان العراقين وضميرهم، ويسير بخطى ثابتة ومستنداً الى الشعب الذي أنتخبه من أجل فرض القانون في كل ربوع العراق وتحرير العراق من قبضة الأرهاب والميليشيات وتجار الأسلحة والمخدرات.


أن قرار مجلس الرئاسة بدعم خطوات الحكومة ورئيسها في فرض القانون في ثغر بلادنا البصري، هو القرار الصائب الذي يجب أن تسير عليه كل القوى السياسية الحريصة على مستقبل البلاد ومستقبل البناء الديمقراطي الاتحادي الذي صوت عليه العراقيون. أما تشكيل لجان فاشلة للحوار مع عصابات السطو والأجرام، ووضع الحكومة وأجراءآتها على قدم وساق مع الشلل الأجرامية في البصرة، فهي دعوات تريد التستر على هذه العصابات وأنقاذها من مصيرها المحتوم، كي تعود من جديد لتعبث في مصير البلاد وشعبها كما جرى في السنوات السابقة. على جميع الحركات السياسية الحريصة على العراقيين ووطنهم أن يتحلوا باليقظة يقولوا كلمتهم الصريحة في دعم أجراءات الحكومة وضد الأرهاب وضد كل العابثين بأمن البلاد من الميليشيات والجيوش غير الشرعية، وليرفعوا شعار “وداعاً للسلاح”.


30/3/2008