الرئيسية » مقالات » قمّة سوريا والمواجهة العربية الايرانية

قمّة سوريا والمواجهة العربية الايرانية

كانت القمة العربية المنعقدة في سوريا مصداق مهم لما قلناه في مقالات عديدة سابقة رداً على بعض شراذم العرب وعلى رأسهم الشرذوم الكبير الرئيس الليبي معمر القذافي حينما وصفوا ويصفون العراق دوماً بدولة محتلة، حيث كتبنا ولم نزل نؤمن به بانه لا توجد دولة عربية واحدة مستقلة غير محتلة سواء من جيوش لدول غربية ام من سفارات هذه الدول بل حتى من معاهدات ثانوية بينها وبينهم تلزم بأمور تنتفي معها الاستقلالية في حدودها الدنيا، وقلنا ايضاً بان كل الدول العربية لا ترفض طلباً للمحتل فما الفرق ان كان هذا المحتل على ارضها ام على ارضه، ما دامت كلمته هي العليا.

بهذه المقدّمة وددت ان ابيّن للعالم وخصوصاً للمطبّلين لاحتلال العراق مدى صحة هذا الكلام من خلال ما جرى في اجتماع القمة العربية في دمشق، حيث امتنعت احدى عشرة دولة من دولنا العربية عن المشاركة الاّ بوفد بسيط لا يرقى الى مكانة ومنزلة هذا الحدث الذي من المفروض ان يكون حدثاً كبيراً وقاطعته دولة واحدة وهي لبنان .. مما اكّدت على وجود مقاطعة عربية مقنّعة لاعمال هذا المؤتمر، وهنا يأتي هذا التساؤل ؟ لماذا يا ترى قاطعت العرب قمة سوريا ؟

طبعاً لا يحتاج المرء الى استعارة عقل ارسطو او افلاطون او اي فيلسوف آخر ولا الاضطرار لقراءة ملخصات شوم العلمية لمعرفة ما كان وراء مقاطعة العرب لهذه القمة وما هو السبب في محاولة عزل سوريا سياسياً او على الاقل احراجها امام العالم من خلال اظهارها بانها دولة نشاز وغير محببة من قبل البلدان العربية الاخرى. فقد كانت الهراوة الامريكية او ما تسمّى باللهجة العراقية (الصوندا) وراء هذا التصرّف لتؤكد حقيقة واحدة وهي لا وجود للاستقلالية العربية اطلاقاً وما تريده امريكا يسري بسرعة البرق في عروق قادة العرب التاريخيين ويأخذ مجراه دون ادنى معارضة او ممانعة لا سمح الله.

في مقابلة تلفزيونية لوزير خارجية العراق هوشيار زيباري عبر برنامج (من العراق) على قناة العربية سأل الاعلامي ايلي ناكوزي فيما اذا كانت اميركا وراء خطوة العرب شبه المقاطعة هذه للقمة السورية، وهل ضغطت على العراق لغرض عدم المشاركة، فأجاب زيباري بكل صراحة كما معهود عنه دائما بانه (كانت هناك فعلاً اشارات اميريكية بهذا الاتجاه ولكننا رفضنا ذلك وقلنا بضرورة المشاركة في هذه القمة لان قدرنا نحن العراقيون ان نعيش بين دولتين لديهما مشاكل مع اميركا وهي ايران وسوريا ولا يمكن التخلي عن علاقاتنا معهما ابداً لانها ليست من مصلحتنا).

سادتي الافاضل .. هذا كان جواب وزير خارجية دولة العراق (المحتلة)، فماذا كانت اجوبة الدول العربية المستقلة وغير المحتلة ؟! لنرى موقف دول الهلال العربي السني (مصطلح مأخوذ من فم ملك الاردن عبدالله وليس من اختراعي) وهما السعودية والاردن ومصر الذين يمثلون القيادة الثلاثية للمواقف العربية ولهم تأثير على القرار العربي برمته ناهيك عن انها دول مستقلة غير محتلة كما تدّعي ودائما تعيّر العراق باحتلاله الذي كان بسبب تخاذلهم هم وليس غيرهم، فقد امتثلوا لاوامر سيدهم المفدّى ديك تشيني حينما نقل لهم آمال (آمال وليس اوامر بالطبع) الرئيس الاميركي بوش في محاربة قمة الاسد وعدم حضورها خلال جولته الاخيرة في منطقة الخليج .. وبالفعل فقد امتنع الثلاثي العربي ومعهم عدد غير قليل من الدول العربية الاخرى تناغماً معهم في ذلك وانصياعاً لهذه الاوامر – عفواً الآمال – عن الحضور الى هذه القمة باستثناء تمثيل بسيط جدا لا يذهبون به الى الصين اذا ما ارادوا التعاقد لاستيراد (عكل) لروؤسهم او الى سواحل الادرياتيك للمشاركة في احدى النزهات البحرية هناك.

التيار العروبي الطائفي الذي تقوده المملكة العربية السعودية مع حليفتيها الاردن ومصر لتدعم من خلاله العديد من الفصائل المتواجدة في الدول العربية الهشة سياسياً كلبنان والعراق، في تصادم مستمر مع التيار العروبي القومي الذي يلقى الدعم والاسناد من سوريا العربية، فقد مارس السعوديون ضغوطاً على حلفائهم اللبنانيين من فريق الرابع عشر من آذار (وهم اصحاب السلطة الآن والعمق السني الموازن للعمق الشيعي الايراني في لبنان) من اجل عدم حضور قمة سوريا التي وصفها عدد من الكتاب السعوديين في ادبياتهم بانها قمة ايران وليس قمة العرب وهي اشارة واضحة على التحالف القوي والمتين بين سوريا وايران .. هذا التحالف الذي يدعم الغريم التقليدي والفصيل اللبناني الآخر المتمثل بالمعسكر الشيعي – القومي اي معسكر نيبه بري ونصر الله مع التيار العوني لميشيل عون .. فقد حمّلت السعودية بصورة غير مباشرة كل مصائب العرب خصوصاً في الجزء العربي الآسيوي الى سوريا وقالت بانها تمارس دوراً سيئاً مع حليفتها ايران في لبنان (من خلال تعطيل الحل العربي في انتخاب رئيساً له) وفلسطين وشمال اليمن (اشارة للحوثيين) ومناطق الخليج الاخرى اضافة الى العراق وبالاخص في جنوبه، حتى دفع هذا بعض الكتاب السعوديين الى القول بانه كان الاجدر بسوريا عقد هذا المؤتمر في طهران وليس دمشق .. لهذا كان السبب الثاني وراء مقاطعة هذه الدول العربية لقمة دمشق اضافة ً الى هراوة تشيني الامريكية هو الشعور العربي المتنامي بان سوريا لا تمثل الطموح العربي المستقبلي – وهو الطموح الذي يتجسّد من خلال الطائفية المقيتة وليس القومية او الدين – ذلك لانها خارج السرب الطائفي ولم تشارك في حلف المعتدلين السنة ضد الهلال الشيعي في المنطقة، فكان من بين اسطر المطالبات العربية لسوريا هو مغادرة الخندق الايراني وهي ايضاً استجابة لرغبة اميريكية بهذا الصدد (كي تنضم فيما بعد للحلف الاسرائيلي من خلال التطبيع والتمييع) كشرط اساسي للمشاركة في هذه القمة. لذا كانت هذه المواقف الرافضة للمشاركة بهذا المحفل معبّرة عن صميم المواجهة العربية لايران ومستسلمة لارادة (الاصدقاء) الاميريكان في اجلى صورة من صور الانبطاح والخضوع الذي يسمّى استقلالاً في البلدان العربية واحتلالاً بغيضاً في العراق.

من بين هذه المواقف المتناثرة والمرتبكة انبرى لنا القائد الليبي القذافي بملبسه المقزّز وكعادته في استغلال هكذا محافل لابراز حركاته الاستعراضية السخيفة وبلغة متلعثمة ومشوّهة لم افهم منها اي شيء سوى انه تمخّض ليلد لنا فأراً يحاكي فيها فأراً آخراً زميلاً كان قد اُلقي القبض عليه في احد منهولات تكريت وهو رفيق دربه صدام حسين واُعدم فيما بعد، فقد طالب القذافي بفتح تحقيق في مسألة اعدامه ومن هو المسؤول عنها رغم انه قال باننا كقادة عرب كنا معارضين له في حياته ولكنه رئيساً عربياً على اية حال وقد يأتي اليوم الذي تُحاكمون وتُعدمون انتم ايضاً بنفس الطريقة موجّهاً كلامه للرؤساء العرب الحاضرين .. هذا الموقف يكشف من خلاله القذافي بكل وضوح مدى المستوى الضحل للتفكير والاستهتار الكبير بمقدّرات الشعوب العربية من قبله واقرانه الرؤساء البقية، حيث لا عقيدة ولا فكر ولا قومية ولا شعارات ولا اي شيء آخر مقدّس ومبرّر وراء الدفاع عن صدام ومعارضة اعدامه سوى الخوف من ان يأتي ذلك اليوم الذي يكونون هم مكانه لتحاكمهم شعوبهم المضطهدة على ما اقترفوه من جرائم بحق مواطنيهم.
بصراحة ان القذافي قد ترجم ما بنفوس كل القادة العرب من انهم عارضوا اعدام صدام ليس لانه لا يستحق بل لان ذلك فألاً سيئاً وغير حسناً لهم، فضلاً عن انه تهديد لكراسيهم .. وليس انا من يقول ذلك بل هو اعترف اعترافاً صريحاً بانه كان معارضاً لسياسات صدام لكنه رفض اعدامه لانه لا يريد ان يكون بمكانه يوماً ما ويجري عليه ما جرى له !!! والسؤال هنا: لماذا يكون بمكانه اذا كان منصفاً بحق نفسه وشعبه !!! لا ادري ان كان قد سال نفسه هذا السؤال ام لا ؟

على العموم وسط خطرفات قذافينا هذا وكلمته المترنّحة يميناً وشمالاً تناغماً مع ترنّح رأسه غير المستقر، اظهر في فلتات لسانه ما كان يطلبه المقاطعون للمؤتمر في هذه القمة وعلى رأسهم كما قلنا مثلث الرمح العربي (السعودية ومصر والاردن)، حيث بيّن ان العداء لايران ليس في مصلحة العرب خصوصاً وان ايران جار مسلم كبير والاولى ان نحسّن علاقاتنا معه ونقطع علاقاتنا باسرائيل – هذا كان على ما يبدو رداً على مطالب العرب المقاطعين وما ارادوه خلف الكواليس لهذه القمة ان تنحى منحاً طائفياً في مواجهة ايران الشيعية – واما بخصوص الجزر الاماراتية الثلاث فقد نصح القذافي بضرورة النأي عن هذا الموضوع لانها مسألة معقدة وغير واضحة ويجب ان تُحال الى الامم المتحدة والمحكمة الدولية كي تأخذ قراراً به وليس من الصحيح ان تكون هذه القضية حجر عثرة بين العلاقات العربية – الايرانية .. كلام سليم لا اعرف ان كان القذافي مؤمناً فعلاً به ام انه يقول ذلك كونه موجود على ارض دولة لديها تحالف قوي مع ايران ؟! وهو الذي عهدناه مغيّراً لمواقفه في كل دقة ميل من اميال الساعة.

لست محبّاً لايران ولا لسوريا نتيجة ً لسياساتهما وتدخلاتهما المتشعّبة في الشأن العراقي ولي عليهما ما يملي مجلّدات وليس مقال واحد بطبيعة الحال، لكني اسأل فقط هل ستكون هذه القمة عاملاً مساعداً في ترويض العرب للقبول بالدور والمحور الايراني الجديد والتأقلم معه ؟؟؟ ام ستكون بمثابة جدار برلين بين الايديولوجية الايرانية الدينية والموقف العربي المنقسم والواقع تحت مطرقة الضغط الاميريكي وسندان المرض الطائفي ؟؟؟

هل سنبقى نردّد بلا عقل الرواية العربية الرسمية بان العراق وحده محتلاً ؟؟؟ ام اننا ادركنا بعين اليقين بان الأخوّةً العربية ليست في العقيدة واللغة والقومية فقط بل في الاحتلال كذلك .. واي احتلال ؟! ربما اسوأ من احتلال العراق بل هو الاسوأ فعلاً من اي احتلال ٍ آخر.