الرئيسية » مقالات » الرسوم الدنماركية والرسوم ال( بن لادن ) يه !

الرسوم الدنماركية والرسوم ال( بن لادن ) يه !

تعيش الأمة الأسلامية هذه الأيام الذكرى العطرة المتعلقة بولادة النبي محمد صلى الله عليه واله , وهي الذكرى التي تزامنت _ لكل أسف _ مع قيام بعض الصحف الدنماركية بأعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي بعد مرور اشهر عديدة على قيام صحيفة جيلاند بوستن الدانماركية ومجلة ماغازيت النرويجية بالبدء بنشر رسوم مهينة لمشاعر المسلمين حول نبيهم الأعظم .
ومن الطبيعي أن لايقبل أي شخص يؤمن بدين معين سواء كان الأسلام او المسيحية او اليهودية أو حتى بقية المعتقدات والأديان الاخرى , من الطبيعي ان لايقبل بأن يرى رمزه الديني في موضع النقد ناهيك عن الأستهزاء والسخرية التي تعني لدى المؤمنين الأستخفاف والأستهانة بكرامة هذا الرمز وباتباعه في مختلف بلاد العالم .
هذا كله مفهوم وواضح ولايحتاج لجدال أو نقاش … ولكن ماهو غير المفهوم والطبيعي أن تمر هذه القضية والأهانة من غير ان نفكر في جملة من الأمور التي تتعلق بماحدث …وكيف حدث…ولماذا حدث !!
نريد أن نفكر في السبب الذي أدى الى ظهور هذه الرسوم في الفترة السابقة , وفي أعادة نشرها في الفترة الحالية …..
نريد أن نجعل من حادثة الرسوم المسيئة مناسبة واقعية لكي نقوم… بالمراجعة والمساءلة والنقد …
مراجعة سلوك وتصرفات المسلمين ورموزها الحالية وماقدموه من صورة للعالم حول الأسلام ونبيه …
مساءلة انفسنا عما ارتكبنا من سلوكيات أمام العالم الغربي وكيف فهم الغربيون هذه السلوكيات …
نقد المتبنيات الفكرية والايديولوجية لبعض المسلمين الذين يتحملون مسؤولية تصدير صورة الأسلام للغربي الأخر …
وقبل أن أمارس بيني وبين نفسي بصوت عالي هذه المسائلة والنقد والمراجعة لابد لي أن اضع أمامكم الحقائق التالية :
1. أن النبي محمد صلى الله عليه واله أسمى وأكبر واعظم من أن تؤثر عليه وتنتقص منه رسوم تافهة لرسام مغمور .
2. أن هذه الرسوم مدانة في حد ذاتها لانها ” بغض النظر عن مخالفتها الصريحة لأسس كل دين ” ضد مبادئ حقوق الأنسان الذي توجب احترام الرموز الدينيه و المقدسات التي تخص الديانات وعدم السماح لاي احد بالعبث او الاستهزاء بها.
3. كما أن هذه الرسوم مخالفة بشكل كبير لمبادئ الحداثة الاولى ومابعدها في اوربا التي تقر باحترام وتقدير الخصوصيه الثقافية لكل فرد والتي يعد الدين بشكل لاشك فيه في بعده النظري أو العملي جزءاً لا يتجزأ من تشكيل الفرد الانطولوجي.
4. أن الرد اللامعقول والغير منضبط على الرسوم يمكن أن يؤدي الى تغيير مسار القضية وتحويلها من موضوع الى موضوع أخر , حيث قد يصبح المجرم ضحية والمغمور التافه بطلاً وكبيراً , اي قد يؤدي الى عكس نتائجه المرجوة , فحينما يبغي المسلمون أن يثبتوا أن الرسام الدانيماركي قد أخطى حينما تصور دينهم ونبيهم يدعو للارهاب فلايمكن أن يتم ذلك عن طريق أساليب العنف والأرهاب والحديد والنار .
5. أن الأستهزاء بالأديان والتهكم بحق رموزها على طريقة فولتير قبل حوالي اربعة قرون , هي وسيلة غير سويه لنشر أي ثقافة او فكرة ما سواء بصورتها العلمانية او الدينية المضاده لهذا الدين الذي يتعرض للسخرية .
6. لايجب ان يخلط المسلمون بين الفعل الفردي للصحيفة أو لرسامها وبين الشارع الدانيماركي بمجمله من جهة والعالم المسيحي من جهة ثانية , اذ ندد الكثير من الدانيماركيين والمسيحيين بهذا العمل المشين ولايمكن مطلقاً ان نعتبره شي موجه من قبل العالم المسيحي نحو المسلمين .
7. على العالم الغربي أن يتذكر كيف أنهم أنتقدوا جميعاً طالبان عندما دمرت تماثيل بوذا الشهيرة وكيف قالوا إن هذا ضد حقوق الإنسان والرموز الدينيه لثقافة وحضارة بوذا , فكيف يريدون من المسلمين ان لايغضبوا وهم يرون الإساءة توجه الى الرمز الكبير لدينهم.
8. أن الأسباب التي أدت الى ظهور هذه الرسوم بل واعادتها مرة ثانية ترجع الى سببين لاثالث لهما :
الأول : أن الأمر كله مُدبر من قبل جهات لديها أهداف معينة ترجع لعدائها للدين ألأسلامي أو لتحقيق مآرب أخرى , وبذلك كان الرسام الدنماركي أداة تنفيذية رخيصة لهذه الأجندة وحينها يكون فعله قد تم حسب الطلب .
الثاني : أن الأمر كله يعود الى الرسام الدنماركي وحده وليس الى جهة خارجية , فالرسم جاء نتيجة لرؤية هذا الرسام الذي أعتقد بان مايرسمه صحيح ويمثل وجه نظره التي تبناها وفقاً لمشاهداته وما رآها عند بعض من يمثلون الأسلام .
هنا يجب علينا ان نبدأ المساءلة والنقد والمراجعة كما أشرت أعلاه …فالرسام الدنماركي قد نظر _ أن كان اصلاً لايحمل حقداً دفيناً ضد الاسلام او قد حركته جهة خارجية كما أشرت _ وهو يقوم بهذا الفعل في عالم ممكناته بالمعنى الذي اطلقه الفيلسوف الامريكي جورج سانتيانا, قد نظر لتفجيرات بن لادن المتوحشة ولاعمال الزرقاوي المشينة وللسلوكيات الأرهابية للجماعات المسلحة والتكفيرية التي حدثت في لندن ومدريد وغيرها من الدول العربية التي اضرت بالمسلمين اكثر من اضرارها بالاخر الغربي …
نعم …..نحن نعترف وندرك بأسى أن هنالك خطأ فادح تجسد في هذه الرسوم التي أساءت لمشاعر المسلمين …ولكن في مقابل ذلك توجد رسوم أخرى ” بن لادنية ” رسمتها فرشات أسامة بن لادن من خلال خطاباته التحريضية على الأرهاب والعنف والكراهية والحقد , وسلوكياته الأرهابية وتصرفاته الهمجية وافعاله البربرية التي أساءت للأسلام والمسلمين ولنبيهم بل قد تكون هي من منح الرسوم الدنماركية رئة لكي تتنفس منها وتظهر للوجود على يد هذا الرسام …
هذا هو النقد … وهذه هي المساءلة … وتلكم هي المراجعة التي علينا ان نصارح بها أنفسنا… ونواجه بها ذاتنا … ونحاكم بها تصرفاتنا ….
أنها قضية صورتنا عند الأخر !
هذه الصورة التي يحملها ألأخر عنا تقتضي طرح ثلاثة أسئلة كبرى وواقعية وصريحة وهي ..
ماهي الصورة التي يحملها الأخر للاسلام والمسلمين ؟
ومن هو المسؤول عن خلق هذه الصورة ؟
وكيف يمكن للمسلمين تغيير هذه الصورة أن كانوا غير راضين عنها ويعتقدون أنها لاتمثلهم وتظلمهم ؟
لاريب إن التفكير _ وأستناداً الى فلسفة أرسطو _ مستحيل دون صور , لذلك حينما يفكر الغرب في الأسلام لابد أن يستحضر صور معينة تتعلق به كدين ,ولما كان ذاكرة الغرب قد توقفت ولم تقرأ الأسلام من خلال ماصنع لاوربا والأنسانية من حضارة أمتدت شرقا وغربا , فقد قرأت الأسلام وفقاً لصورته الحالية التي يُعد بن لادن وأمثاله من أبرز الشخصيات التي شكلوا وصنعوها لدى المجتمع الغربي.
أن العصر الحاضر _ وكما قلت في مقالة سابقة _ هو عصر الحضارة الرقمية المتمثلة بالصورة التي تمارس في بعض الأحايين الهيمنة والسيادة والسيطرة على الكثير من العقول والأفكار بحيث أصبحت مصدر وأداة من مصادر وأدوات المعرفة وتشكيل الرؤى والأفكار وهي أي الصورة تزاحم الأدوات المعرفية التقليدية سواء كانت على الصعيد المعرفي الابستمولوجي أو الثقافي العام أو الاقتصادي أو حتى ألقيمي الاكسيولويجي.
ولهذا فالصورة التي يحملها الغربي تجاه الأسلام لكل أسف سيئة ومشوشة بسبب الرسوم ال (بن لادن)يه التي شوهت صورة الأسلام وقدمته كدين يمارس الارهاب والعنف عبر التفسير الذي أعطاه مشايخ التكفير لتعاليم الدين الأسلامي , وهذا الصورة السلبية لم تكن مجرد قضية عفوية عشوائية بل أضحت تمتد وتتسع لدرجة أن صنعت ثقافة خاصة بها سميت بالثقافة البصرية(visual culture )والتي حكمت على الأسلام هذا الحكم فصور القتل والذبح التي تبثها الجماعات التكفيرية والفديوات التي تطلقها عن أعمالهم المشينة في العراق وافغانستان وباكستان وغيرها من الدول ……….تلك الصورة قد صنعت ثقافة معينة سلبية حول الأسلام …وهي في أغلب الظن ثقافة الرسام الدنماركي …
مالذي تريد ان يفكر به الغربي وهو يرى مجموعة ملثمة تمسك سيفاً وبينها رجل أسير معصوب العين وموضوع ورائها قماش اسود مكتوب عليه الله اكبر او لا اله الا الله محمد رسول الله ثم تقوم بقطع راساً علنا وامام العالم اجمع ؟
مالصورة التي ستتركها عمليات الذبح والتفخيخ والقتل التي مارسها المجرم الزرقاوي في العراق ؟
وما هلي اللوحة التي رسمتها مخلية الغرب حول الأسلام وهي ترى بعض المشايخ يمارسون التكفير ويحرضون على العنف والكراهية والارهاب ؟
ومالذي تتوقعه من الغرب وهو يرى بعض المسلمين يقومون بتفجيرات دامية في الغرب كما حدث في تفجيرات 11 سبتمبر ولندن ومدريد وغيرها ؟
أنها اسئلة مهمة تختصر المقالة والموضوع وتوضح حقيقة ماجرى ومايمكن ان يجري مستقبلاً اذا ما لم يتخذ المسلمون موقفاً حازماً أزاء مايفعلع التكفيريون والمتشددون .
ويجب ان لايغيب عن بالنا حقيقة أن بن لادن وأمثاله هم نتيجة لرؤية تفسيرية دوغمائية وقراءة تأويلية أحادية للدين الأسلامي نظرت اليه عبر مناهج وأدوات مغلقة وفتاوى تكفيرية قال بها بعض من هؤلاء المشايخ والعلماء والتي لم تحض بأجماع علماء الأسلام والمسلمين ولعل أحدى نماذجها المعاصرة الفتوى التكفيرية التي قال بها الدكتور خالد المشيقح حول الشيعة والتي صدرت بتاريخ 31-1-2008 .
أذن الصورة التي يحملها الغرب سيئة وهذا هو جواب سؤالي الأول , والفكر الذي تبناه بن لادن واضرابه هو من يتحمل مسؤولية تصدير هذه الصورة والأساءة لسمعة المسلمين …أما ما هو الحل فيكمن في أجتثاث الفكر والمنهج التكفيري الذي يُنتج عقلية ” بن لادنية ” جديدة ترسم لوحات مشينة عن الأسلام وتوفر أرضية لوصفه بأوصاف الشر والعنف , وهذا الأجتثاث يتضمن وضع أجندة وبرنامج لمحاربة هذا الفكر عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وأجتماعياً وايديولوجياً أنطلاقاً من المناهج الدراسية وأنتهاءاً بالجوامع والمساجد التي تُربي _ بعضها_ القنابل البشرية الموقوتة , كا يجب الدعوة لتظاهرات مليونية كُبرى ضد الفكر التكفيري عموماً وأسامة بن لادن وأضرابه خصوصاً من أجل أن يعرف العالم أن هذه النماذج لا تمثل الأسلام ولايمكن أن نعدهم متحدثين بأسمه , ويجب علينا أيضاً الدخول في حوار حضاري مع الأخر منطلقاً من مبادئ التسامح والود ومحاولة فهم الرأي الأخر من أجل الوقوف على المشتركات الأنسانية التي تجعلنا ننظر للأخر اما كأخ لنا في الدين أو كنظير في الخلق كما قالها قبل مئات السنين الامام علي بن ابي طالب .