الرئيسية » مقالات » مواجهة بين ألجواهري وسهيل إدريس

مواجهة بين ألجواهري وسهيل إدريس

في المقال الذي كتبه الأستاذ رواء الجصاني عن ألجواهري الكبير في إحدى مواجهاته الغاضبة وجدت ما يستحق الرد والإضافة ،فالقصيدة موضوعة البحث من الغرر الخوالد في تاريخ الشعر العربي وتلخيص مبدع لما حفل به التاريخ الأدبي من صراع بين الواجهات الشعرية،وللتمهيد لما يريد بدأ الشاعر قصيدته بالتأكيد على انتسابه العراقي بمواجهة الأقاويل التي حاولت نزع هذا الانتماء والتشويش عليه ،ويشير بكل وضوح للصراع المرير الذي خاضه بمواجهة مناوئيه الذين قلبوا له ظهر المجن في كل زمان ومكان وحاولوا بكل الوسائل النيل منه ومن عبقريته الخالدة التي لن تبليها الأيام،وما عانى في حياته الطويلة من آلام ودموع بسب الانتماء ألصميمي للفكر الوطني والصراع الذي خاضه لرفعة الوطن وسموه ،والدفاع المستميت عن شعبه ووقوفه لعقود في مواجهة الأعاصير غير عابئ بما يصيبه من أضرار،وبانتقاله ذكية يعرج إلى الإشارة على ما جبل عليه من نفس أبية تأبى الضيم ولا ترضخ له ومواقفه الخالدة في مواجهة الحكام المستبدين وما ناله جراء ذلك من حيف وظلم، ليصرح وعلى رؤوس الأشهاد رغم الفترة التي يعرف صعوبتها والظروف الحرجة التي يعيشها واحتمالية ما يتعرض له جراء مواقفه التي قد تعرضه لأفدح الأضرار، ويشير بجدارة إلى ما يربطه من علائق مع مالئ الدنيا وشاغل الناس أبي الطيب المتنبي الكوفي الذي ساماه ألجواهري إبداعيا وقرن اسمه بأسمه من قبل النقاد والباحثين ،وهذه القصيدة على ما أرى امتداد لرائعته الرائية التي أنشدها في الحفل المقام لتكريمه بعد عودته من المنفى ومطلعها:
أرح ركابك من أين ومن عثر كفاك جيلان محمولا على خطر
وهي امتداد ورد على قصيدته الأكثر شهرة يا دجلة الخير:
حييت سفحك عن بعد فحييني يا دجلة الخير يا أم البساتين
فقد كان في قصيدة الرائية الكثير من الإحالات على قصيدته يا دجلة الخير،وقد أثارت هذه القصيدة في حينها تحرك الشعراء الموالين للنظام من البعثيين الحاقدين وفرسان شباط الأسود الذي رد عليها أحدهم بقصيدة على نفس الوزن والقافية فيها تهجم على شخص ألجواهري وتذكير بقصيدته الذائعة الرائعة التي يقول فيها:
فضيق الحبل وأشدد من خناقهم فربما كان في أرخائه ضرر

والله لاقتيد زيد بأسم زائدة ولاصطلى عامر والمبتغى عمر
ولا يحضرني الآن نص ما قاله ذلك الشاعر ولم أعثر عليه فيما تحت يدي من أوراق،لذلك كانت السلطة تعمل من وراء الستار وتحرك بعض الأدعياء للنيل منه والتطاول على شاعريته بطرق وأساليب تبدو غير مقصودة بعض الأحيان ,أتذكر يومها كنا نشاهد من خلال التلفزيون وقائع المهرجان،وعندما ألقى ألجواهري قصيدته ووصل إلى المورد التالي الذي يخاطب فيه قالت الشعر ورجال الأدب في محاسبة أو معاتبة على سكوتهم الطويل على ما جرى له:
ويا جديرين بالحسنى مطارحة في كل ما انتقدوا منها وما انتقدوا
لا تغضبوا أن في عتب محاورة وأن في القول إصدار لمن يرد
سبع رمتنا ولم نجرم بقارعة كأننا من رعيل مجرم طردوا
وخلفنا من أحاسيس وأفئدة شتى ملايين فيها الحزن والكمد
تدعوكم أن تذبوا عنهم جنفا يا مسرفين وأن بالحرف يقتصد
فما استدار فم منكم ولا قلم ولا تقطر من بحر الندى ثمد
سبع عجاف وقد كن السمان لكم فيها اللها واللهى والجاه والرغد
وقبل أن ينتقل للمقطع التالي قال بلهجته العراقية المحببة وطريقته في اللفظ السريع (أخونا يوسف إدريس نغزنا) وكان من ضمن المشاركين في المهرجان وقد ألقى كلمة أتهم فيها شيوخ الشعر بالبقاء على القديم ومتزلفا إلى الشباب في شعرهم الجديد ومما قاله وقد آن لكبار الشعراء العموديين ترك الساحة للشعراء الشباب:
وصاحب لي لم أبخسه موهبة وأن مشت بعتاب بيننا برد
نفى عن الشعر أشياخا وأكهلة يزجي بذاك يراعا حبره الحرد
كأنما هو في تصنيفهم حكم وقوله الفصل ميثاق ومستند
وما أراد سوى شيخ بمفرده لكنه خاف منه حين ينفرد
مهلا رويدك لا تبعك موجدة عن الطريق سواء نهجها جدد
بيني وبينك أجيال محكمة على ضمائرها في الحكم يعتمد
إلى أن يقول بعد عدة موارد كلها من العيار العراقي الثقيل في الرد على إدريس ورهطه من المتشاعرين الذين يحاولون النيل منه ويناطحون بقرونهم الطينية:
يا شاتمي وفي كفي غلاصمهم كموسع الليث شتما وهو يزدرد
وعاضضي وفي أفواههم شلل أرخى الشفاه وفي أسنانهم درد
أتلطمون جبين الشمس أن قذيت عيونكم فبها من ضوئها رمد
أم تفرغون مياه البحر أن نضبت حياضكم فهي نزر موحل صرد
يا أبن الركائك والأيام هازئة من ميتين على ما أستفرغوا جمدوا
ما ضر من آمنت دنيا بفكرته أن ضيف صفر إلى أصفار من جحدوا
أن هذه القصيدة تعد من معلقات ألجواهري وخرائد شعره لما فيها من صور رائعة عز مثيلها في ديوان الشعر العربي وتستحق أكثر من دراسة لما فيها من شؤون وشجون حرية بالإشارة والتسجيل عسى أن تسعف الظروف في مرة قادمة لدراسة جوانبها المثيرة وتسليط الضوء على ما فيها من أفكار.