الرئيسية » مقالات » بحثا عن تعريف للحرية….

بحثا عن تعريف للحرية….

هناك ظاهرة تستحق التوقف في وعينا و في ممارستنا المحدودة للسياسة و حتى لأي فعل عقلي واعي أو في التأثيرات غير الواعية على هذا الفعل , هي أن هذا الوعي في حال محاولته الخروج على السائد فإنه يبقى مشدودا إلى الوضع القائم برباط لا سبيل إلى التخلص منه , هذه العملية تشبه السائل أو الغاز الذي يتعرض لضغط في الوسط الذي يوجد فيه فيتمدد عبر النوافذ و الثقوب الموجودة أصلا دون أن يصل إلى درجة تفجير الوسط , أي الواقع الذي يوجد فيه..في مقاربة بسيطة سنجد أن الاحتجاج , بما في ذلك الجذري , على سلبيات الواقع القائم في بلادنا ( إن كان وصف الواقع القائم بالسلبي يكفي لوصف فداحة أوضاع الجماهير اليوم ) يأخذ أساسا شكل التطرف الأبوي أو البطريركي التسلطي على الآخرين , أي استخدام أسلحة فكرية و عقيدية هي تقليديا أسلحة سلطوية , أي أنها كانت في خدمة هذه السلطة حتى منذ لحظة قيامها عدا عن طابعها البطريركي الاستبدادي العميق , ضد نفس السلطة السياسية و الفكرية و العقيدية في المجتمع , أي الدين بشكل أساسي..إن الصورة شبه الوحيدة للثائر على الوضع القائم تتطابق مع صورة أحد أفراد فرقة الخوارج التاريخية الذي يحارب تحت راية المقدس الديني و تحت شعار فرض هذا المقدس على المجتمع و السلطة بشكل كامل لا يعرف المساومة , أي أبعد ما يكون عن صورة ثائر يحتقر الفكر السائد و يعارضه بممارسة فكرية و عقيدية و سلوكية تقترب من المطلق فقط في درجة إيمانها ب و ممارستها للحرية و تعارض قداسة دوغمائياتها بقداسة الثورة وحدها كمفهوم وحيد للتغيير و الحياة الجديرة بالبشر , التناقض هنا مريع جدا , الثائر المفترض في مجتمعنا يقدس ذات وسائل و مبررات وجود و ممارسات السلطة و إدعائها بامتلاك المجتمع و السهر على “مصالحه” , إنه يقدس الوعي البطريركي الذي يشكل أساس وجود الدولة و القمع و الاستبداد , لكنه يعارضها فقط لأنه يرى أن التزام السلطة و غالبية المجتمع به أقل درجة و صدقا و إخلاصا مما يجب , السبب الذي يستجلب كل هذه الأزمات على المجتمع ككل , أو الذي يبرر لهذا المقدس غضبه على مجتمعاتنا , هذا الغضب هو السر في كل أزماتنا..هذه القداسة و الالتزام بالممارسة الفكرية و العقيدية بشكلها الأبوي البطريركي نراه في ممارسة النخبة أيضا و مقاربتها المازوخية للسلطة..ترتبط الحقيقة في وعي النخبة بالسلطة , و ترتبط فكرة الحرية بالسلطة أيضا , الحقيقة لا بد أن تكون حقيقة ترتبط بسلطة ما , حقيقة سلطوية باختصار , إن الجماهير أو أتباع السلطة ليسوا في رؤية النخبة هذه قادرون على خلق و ممارسة حقيقة ما , و لا حرية ما خارج سلطة ما..هكذا عندما وجدت النخبة نفسها في معارضة أنظمة كالأنظمة القومية أو حتى أنظمة التي توصف بالرجعية أي الموالية لأمريكا كنتيجة طبيعية لسقوط هذه الأنظمة و انحطاطها , بحثت عن “الحقيقة” أو الفكر البديل لدى مرجعية سلطوية أكثر قوة كما قد تبدو : أمريكا , ترتبط جدية أي فكر بالسلطة التي تزعم أنها تتأسس عليه , هذا ما جعل اللينينية تبدو جدية و تستقطب ولاء قسم هام من النخبة رغم مضمونها الاستبدادي الصريح طوال النصف الثاني من القرن العشرين..حتى حدود الحرية ( لأن الحرية عند النخبة تعرف بحدودها أو بالقيود “الضرورية” على ممارستها ) هي قيود ترتبط باشتراطات السلطة و ضروراتها و استمرار سطوتها على حياة الناس و المجتمع..هذا الشكل البطريركي للممارسة السياسية و الوعي الفكري و العقيدي يصم حتى مشاريع الثوار أو مشاريع التمرد لإعادة تأسيس الواقع..إننا أمام واقع عربي يكاد يختفي فيه أي وجود ليسار عنفي أو “جهادي” بتعابير هذه الأيام , ليست القضية في لجوء اليسار للعنف , بل في أننا أمام يسار يرفض الحلول الجذرية و يفضل حل الأزمات بأسلوب الحوار الفوقي الهادئ حتى في حالة وجود تصادم لا يمكن حتى تلطيف حدته بين الجماهير و المجتمع و بين السلطة و قوى الاستبداد الفكري و العقيدي..حتى في حالة صدامية عميقة الجذور كالظلم التاريخي الرهيب الذي تعرض له الشعب الفلسطيني أو وجود الاحتلال الأمريكي في العراق و نشوب حرب طائفية دموية تشنها طغم الملالي و الشيوخ ضد بعضها و ضد الجماهير , فإن اليسار عموما كان مسالما إلى حد كبير , عدا عن فترة قصيرة كان فيها اليسار الفلسطيني في طليعة الصدام المسلح و عدا عن محاولات اليسار اللبناني التي بدأت بالحرس الشعبي وصولا إلى مساهمته المباشرة في الحرب الأهلية , لكن طبيعة الصدام المسلح النخبوي لليسار الفلسطيني مع الاستخبارات الأمريكية و الإسرائيلية و العربية الرسمية و الرجعية و افتقاده إلى مشروع متكامل لبديل سياسي فكري اجتماعي جماهيري على الأرض أبعد من مجرد مقاومة المشروع المعادي في الحالة الفلسطينية قد أدى إلى نجاح احتواء هذا المقاومة , و من جهة أخرى غياب مشروع بديل اجتماعي واضح في الحالة اللبنانية ( الأمر الذي تمثل بالتحالف مع القيادات الطائفية الإسلامية مثلا التي هي جزء من الوضع القائم فيما يتحدد هدفها الحقيقي في إعادة تشكيل النخبة الحاكمة بقصد تجاوز “الغبن” التاريخي الذي لحق بها عند توزيع السلطة و الثروة بين أقسام النخب الطائفية ) الأمر الذي نرى نتيجته في النظام الذي تمخضت عنه الحرب الأهلية اللبنانية..يجب أن نعترف أنه كان للنظرية هنا تأثير ما على هذا الموقف من وسائل النضال و أهدافه , الستالينيون مثلا كانوا أكثر القوى تسليما بمنطق التوافق مع السلطة و أكثرها تسليما بوجود سلطات تمثل قوى اجتماعية مستغلة و ذات سياسات استبدادية و خطابات بطريركية , الماويون أو الخاضعون لتأثير الماوية كانوا الأقل استسلاما للسلطة و خطابها البطريركي , بينما كان التروتسكيون في الوسط . انتهى اليساريون العرب اليوم إلى أن تشتتوا بين “الثابتين” على “الثوابت” أي الموقف الستاليني القديم في دعم أنظمة الاستبداد التي تزعم مقاومة المشروع الأمريكي الإسرائيلي و بين من تحول إلى التهليل لأمريكا و حتى للأصوليين الإسلاميين , أي باختصار تحديد أية صيغة سلطوية فوقية هي الأفضل , و اختيار السلطة أو القوة البطريركية السلطوية التي تستحق التصفيق و دعوة الجماهير للاستسلام الكامل أمام جحافل قواتها العسكرية و السياسية و الفكرية و العقيدية..إن اليسار و النخبة عموما هي اليوم قوى فاقدة للقدرة حتى على التأثير المحدود في الجماهير , لا أحد يراهن عليها رغم أن الجميع يستخدمها , خاصة ضد الأصوليين باسم ذلك “القدر من الحرية” “الاستثنائي” في حجمه و كمه و مقداره الذي توفره التبعية و الخنوع لهيمنة أمريكا “الليبرالية” و احتكاراتها..إن اليمين المحافظ الأمريكي الحاكم هو في حقيقته لا يختلف كثيرا عن الأصولية الإسلامية , ليس فقط أنه يرى و يفرض إسرائيل كدولة “يهودية” أي كدولة ذات هوية دينية بحتة , بل أن حقيقة “حربه على الإرهاب” و اعتماده للإسلاموفوبيا كجوهر لسياسته من الآخر لا سيما إصراره على “مسيحية” مجتمعه الطهرية تكشف عن رؤية مغرقة في أصوليتها الرجعية للإنسان و حريته و حاضره و مستقبله , إن ما يجري اليوم ليس إلا صراع أصوليات لكن النخبة مصابة بعمى ألوان فاضح يجعلها , كما كانت حتى اليوم , مضطرة لتختار بين القوى التي تتصارع أي أبعد ما تكون عن خلق بديل فعلي..إن اليسار , و خاصة النخبة المثقفة , هي بلا شك أقل خطرا و أكثر تهافتا في عيون الناس ضحايا الوضع القائم من الأصوليين الجهاديين الذي يبالغون في تقديس الموقف البطريركي السلطوي من الإنسان , الذي يجمع الكل على تقديسه , من السلطة القائمة إلى أمريكا إلى النخبة حتى جماهير المضطهدين و المستغلين , و يتفانون في فرضه على الجميع , ما تحاول النخبة فعله ليس إدانة الموقف البطريركي للأصوليين من الإنسان بل إدانة البطولة التي يدعيها الأصوليون , ليس فقط أنهم تخلوا عن الهالة التي تحيط بالمتمرد الأصولي بل إنهم يقومون بإعادة تشكيل خطابهم ليدين هذه الهالة البطولية تحديدا و ليصمها بالشعبوية , لا يوجد على الإطلاق أي “تطرف” في الإيمان بالحرية و لا في ممارستها أو تحطيم السائد البطريركي , هناك على العكس إيمان صوفي بالشكل البطريركي للتفكير والحياة..