الرئيسية » مقالات » الاقتصاد السياسي لسيطرة الاستبداد و الميليشيات و للبديل الشعبي

الاقتصاد السياسي لسيطرة الاستبداد و الميليشيات و للبديل الشعبي

في العراق و سوريا و فلسطين و لبنان و في كل مكان من الشرق حيث الفقر و البطالة هي الشكل الوحيد المتاح لحياة معظم الناس و حيث الارتزاق لصالح السلطة أو الميليشيا هو بالمقابل الشكل الوحيد الممكن تقريبا للبقاء , يتحول الفقر و البطالة في نهاية الأمر إلى أفضل صديق لسلطة الاستبداد أو قيادة الميليشيا الطائفية أو الصحوة أو النخب التي تجمع بين المال إلى ريادتها الطائفية أو السلطوية أو الأمنية أو سيطرتها على بيروقراطية الدولة..هكذا حول صدام ملايين العراقيين إلى بعثيين قبل أن يصبحوا هم أو نظرائهم من ملايين البسطاء أعضاءا ( أو مقاتلين ) في حزب الدعوة أو المجلس الأعلى أو الصحوات و حتى المقاومة..هذا يصح على النظام البعثي السوري و على خصومه عبر الحدود في بيروت و أيضا على أعوانه هناك , فلا الحريري و لا حزب الله يمكنه أن يستمر بدون المال السعودي أو الإيراني أولا و بدون التحشيد ضد الآخر الطائفي و إقامة سيطرته على طائفته على كراهية هذا الآخر..و يصح هذا على سلطة رام الله و منافستها في غزة في نفس الوقت..هذا يجعل من المبرر الرئيسي للتغيير و حتى للثورة ( الفقر و البطالة ) عاملا أساسيا في إعادة إنتاج سلطة الاستبداد أو بناء سلطة النخب..و هذا يترك الباب مغلقا في وجه تغيير أو بديل جماهيري ديمقراطي في ظل أوسع تصعيد للكراهية ضد الآخر و تمزيق هذه الجماهير إلى مجموعات خاضعة تماما إما لسلطة الاستبداد أو للنخب الطائفية بالتوافق مع مركزية دور المال السياسي في خلق مجموعات ميليشيوية الطابع سواء تحت اسم أجهزة أمن النظام أو قوات حرسه الجمهوري “النظامية” أو ميليشيات غير نظامية تأخذ أوامرها من القيادات الطائفية مباشرة , هذا الأمر الذي يعني استمرار سيطرة الاستبداد أو سلطة النخب البديلة الذي تجري محاولة قوننته أو إثبات شرعيته عن طريق الحديث عن ضرورة القبول بالأقل سوءا بين هذه الخيارات التي يصبح عندها تحديد هذا الأقل سوءا خاضعا لأهواء المثقف أو السياسي الذي يقوم بالمفاضلة بين مقاومة يمثلها النظامان في دمشق و طهران , أنظمة تقوم على نهب كل شيء و قمع كل شيء , أو مقاومة على نمط التفجيرات الانتحارية التي تستهدف فقراء الشيعة نيابة عن الاحتلال الأمريكي و طغمة ملالي الشيعة و شيوخ السنة الحاكمة في بغداد , و بين هذه الطغمة الحاكمة في بغداد باسم “عملية سياسية ديمقراطية” أو أنظمة البترودولار التي بعيدا عن استزلامها الدائم لأمريكا فإنها تمثل و ترمز لكل ما يشكل تخلفا سياسيا و فكريا و عقيديا و اجتماعيا بل أكثر أشكال هذا التخلف تطرفا , إضافة إلى سائر النخب الطائفية الدينية و الاجتماعية و رأس المال الموالي لأمريكا..هذا يكشف بكل بساطة عن تهافت أي بديل مزعوم ضمن هذه الدائرة الجهنمية من القوى الدموية التي تعامل الجماهير كأتباع أو ضحايا , أي كعبيد في كل الأحوال..و يضعنا هذا أيضا أمام تحدي صياغة و بناء هذا البديل العتيد..هذا يعني أن مشروع هذا البديل يجب أن يقوم ليس فقط على مجرد دعوة بريئة ساذجة لإقامة ديمقراطية تمثيلية تسلم السلطة للنخب التي تستطيع أن تجند أكبر مجموعة من الناس لحسابها اعتمادا على كراهية متطرفة ضد الآخر و على المال الذي بتصرفها أو بسبب نهبها للدولة و المجتمع و توفير حياة معقولة لأزلامها بواسطة ذلك , ولا مجرد دعوة عامة أو غامضة للدفاع عن حقوق محدودة , رغم أنها ضرورية بلا شك , لفئات بعينها , بل يجب أن يكون جوهرها دعوة لاستعادة زمام المبادرة التاريخية إلى أيدي الجماهير..هذا يعني فقط أنه لا بد من تهديم كامل لكل أفكار كراهية الآخر الطائفي و القومي , المصدر الثاني لسطوة أنظمة الاستبداد و النخب الطائفية و الاجتماعية و المالية , و أنه أيضا يجب بناء بديل اقتصادي اجتماعي يحقق أوسع حرية للجماهير و ليس للنخب و بالتأكيد ليس للأنظمة الفردية..هذا البديل لا بد أن يقوم على مبدأي الحرية أو الطوعية في الانتماء و جماعية القيادة أو الإدارة الذاتية للجماهير , و على مبدأ العدالة و حتى المساواة بين الجميع , بما يحول النخب إلى مجرد أفراد تمارس إنسانيتها كسائر أفراد المجتمع , تتمتع بذات الحرية و المساواة , دون تلك الامتيازات التي تزعم هي أنها طبيعية لكنها في حقيقة الأمر تعيد إنتاج هيمنتها من خلال سيطرتها على بيروقراطية الدولة و خاصة المال و عبر خطاباتها العدائية لمجموعات بشرية أخرى..قد تكون التعاونيات و الكومونات التي أقامتها الثورة الإسبانية التي قامت في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي نموذجا ملهما لمجتمع حر لا يعرف الظلم و لا القمع أو الاضطهاد العرقي أو الطائفي أو الأثني أو الاستغلال تحت أي مبرر أو شكل….