الرئيسية » مقالات » الرجل الحديدي محمد حسن مبارك(أبو هشام) 2-2

الرجل الحديدي محمد حسن مبارك(أبو هشام) 2-2

كان صلبا في بعض المواقف التنظيمية،وقد يتخذ مواقف مغايرة لإرادة المسئول الأعلى ويناقشها ويبين مواطن الخلل فيها وكثيرا ما انصاعت المنطقة لأرائه لما فيها من صحة وأصالة،وعندما اصدر حميد الحصونة قراراته التعسفية بمنع توزيع جريدة الحزب وإغلاق المكتبات ومحاربة الموزعين،اتخذت المحلية تدابيرها لإفشال هذا القرار وأوجدت الطريق الكفيلة بتجاوزه ،وتمكنت من إيصال الجريدة إلى أبعد نقطة في الفرات الأوسط بفضل الهمة العالية التي كان عليها الشيوعيين آنذاك،وقد أضطر الحزب للعمل السري المصحوب بالتضييق والملاحقة،فكانت الأعمال تأخذ طريقها السليم بفضل الخطوات الاحترازية التي أقدمت عليها المنظمة،فاهتم الفقيد بإيجاد الأماكن اللازمة لاختباء الرفاق المطلوبين للسلطة،فإذا أحس أحدهم بخطر ما كان يؤمن له السكن المناسب بغض النظر عن مركزه الحزبي،وكانت البيوت الحزبية ملاذ للحزبيين المتفرغين والمطلوبين للسلطة،وكان يتمتع بجرأة نادرة فقد دوهمت الدار الحزبية التي يسكنها ذات يوم،وقام رجال الأمن بالعبور الى البيت من الأسطح المجاورة،فتمكن من الإفلات منهم ،وحمل مروحة منضدية بعد أن تلفع بيشماغ ليخفي شخصه حيث قام الرفيق فلاح الرهيمي الذي كلفه الحزب بالتوجه الى المكان الذي جرت مداهمته وأعطاه دراجة هوائية لمساعدته في الهروب.
وبعد انقلاب شباط الأسود1963 وما جرت فيه من تصفيات اعتقل صالح دكلة مسئول المنطقة الجنوبية،وقامت عناصر الحرس القومي والقوى الأمنية بحملة مداهمات واعتقالات ليس لها مثيل طالت الكثير من قيادات التنظيم والكوادر والأعضاء والأصدقاء وحتى المستقلين منهم،وبسبب الانهيارات والخيانات الكثيرة تمكن الحرس القومي من توجيه ضربات قوية لمنظمات الحزب وكشف أوكاره وبيوته السرية،مما جعل المئات يلجئون إلى الأرياف والعمل في المناطق البعيدة عن مركز المدن،وشكلت المفارز الأنصارية في وسط وجنوب العراق لقيادة الهجمات على العناصر الرجعية والمتواطئة مع الانقلابيين،فأضطر أبو هشام مع مجموعة من المناضلين الى اجتياز الحدود والعبور الى إيران حيث تفرقوا هناك على أن يجد كل منهم الطريقة التي تؤمن سلامته،بسبب المضايقة الشديدة وقيام السلطة الإيرانية بتكثيف حملتها بحثا عن الهاربين وتسليمهم للسلطات العراقية،فتمكن الفقيد من الوصول الى أحد العناوين التي لديه لحزب تودة الشقيق،حيث أمنوا له الملاذ اللازم تمهيدا لإخراجه الى الاتحاد السوفيتي،وبعد توفر الإمكانية اللازمة لتسفيره،سلك طريق شاقة ومضنية وتمكن من الوصول الى الاتحاد السوفيتي حيث القي القبض عليه وبعد الاتصال بالحكومة السوفيتية نقل الى موسكو حيث عولج في أحد مصحات موسكو،وبعد أن تماثل للشفاء نقل الى أحد الفنادق الراقية التي خصصت للشيوعيين العراقيين،وعرض عليه القيام بسفرة للاطلاع على المعالم السياحية والأثرية إلا أنه رفض ذلك وطلب العودة الى العراق، لممارسة مهامه النضالية وإعادة بناء الحزب،فحاولت القيادة أثناءه عن العودة بسبب حملات القمع الوحشية إلا أنه أصر على عودته لوجود الكثير من العوائل الحزبية التي تحتاج العون ولا يعلم بها أحد غيره،فجرى الاتفاق معه على البقاء في الأراضي الإيرانية وإعادة الاتصال بالمنظمة الجنوبية واستلام التعليمات عن طريق إذاعة صوت الشعب العراقي،وفعلا عاد الى عربستان وتمكن من أعادة الصلة مع المنطقة الجنوبية عن طريق نقطة بريد حزبية في عبادان،ومنها تم ربط المنظمات الأخرى وأعاد الحزب بناء منظماته في المنطقة الجنوبية والوسطى والفرات.
وبعد انقلاب عبد السلام عارف على أصدقائه البعثيين في 18 تشرين1963 وعودة الأوضاع الى الهدوء النسبي عاد الى العراق،وشكل المركز القيادي لإدارة عمليات المنطقة الجنوبية،وبعد الهجمة الشرسة للنظام العارفي البغيض على منظمات الحزب واعتقال آلاف الشيوعيين،وإنهاء الكثير من المراكز القيادية في الألوية الوسطى،واعتقال الفقيد حسين سلطان سكرتير منطقة الفرات الأوسط وبعض أعضاء المنطقة،نسب للعمل في منطقة الفرات الأوسط،فاستطاع في فترة قياسية أعادة ربط الصلات وبناء المنظمات بالتعاون مع الرفاق الآخرين الذين سلموا من الاعتقالات رغم الصعوبات التي تعاني منها المنظمة بسبب الانهيارات التي حدثت وأدت الى كشف بعض الأوكار الحزبية والوصول الى الكثير من الخطوط التنظيمية.
وبعد حدوث الهروب الكبير من سجن الحلة،الذي شارك فيه مجموعة من قيادي الحزب بأشراف حسين سلطان وما رافقه في اللحظات الأخيرة من اضطراب بسبب التزاحم عند الخروج والمشاكل بين الحزب وجماعة القيادة المركزية وكشف عملية الهروب قامت منظمة الحلة وتوابعها بأعمال باهرة في أخفاء الهاربين وتقديم العون لهم وهو ما سنتناوله في مقال قادم،فالتحق حسين سلطان بالمنظمة وأسكنه أبو هشام معه في البيت الحزبي،فتعاون الاثنان في العمل،وتمكنوا في فترة قياسية بناء منظمة فاعلة في الفرات الأوسط كان لها تأثيرها المستقبلي في الأعوام التالية،وبعد ذلك التحق الى كردستان للمشاركة في أعمال الكونفرنس الثالث للحزب وبعد انتهاء أعمال الكونفرنس وما صدرت عنه من توصيات توجه للعمل في منطقة الفرات الأوسط،سكرتير لمحلية بابل ،وقد تعرض مع مجموعة من الرفاق الأشداء لمداهمة الشرطة في احد البيوت الحزبية وجرى اعتقالهم،وقد تعرضوا لتعذيب وحشي دون أن يتمكن الجلادين من الحصول على معلومات منهم،وقد أعطوا أسماء وهمية عند اعتقالهم،ثم نقلوا الى مديرية الأمن العامة،وظل رهن الاعتقال حتى انقلاب17 تموز 1968 حيث صدر قانون العفو عن المعتقلين والسجناء السياسيين ولم يطلق سراحه أسوة بأقرانه،إلا بعد جهود مضنية من قيادة الحزب،وبعد أطلاق سراحه نسب للعمل في لجنة منطقة الفرات الأوسط وشارك في أعمال المؤتمر الوطني الثاني المنعقد في كردستان العراق عام 1970،وقررت قيادة الحزب إرساله للدراسة في بلغاريا حفاظا على سلامته بعد قيام السلطة العفلقية باغتيال واعتقال عشرات الكوادر الحزبية النشيطة أمثال الشهداء محمد الخضري وكاظم الجاسم وستار خضير وغيرهم،ومكث في بلغاريا حتى عام 1972 حيث عاد الى العراق بعد حصول تقارب بين السلطة والحزب الشيوعي،وحدوث انفراج نسبي في العلاقات،وعمل في لجنة منطقة الفرات الأوسط،ونسب للأشراف على محلية بابل وأشرف على محليات كربلاء والمثنى،وقد تميز بالدقة والحرص الشديد والحس الأمني العالي الى حد المغالاة،وكان يتولى المسئولية العملية لتواجد سكرتير المنطقة في بغداد،ومما يذكره الرفيق أبو عادل سامي عبد الرزاق عن حسه الأمني المفرط أنه شاهد ذات يوم أحد الأشخاص يقف بالقرب من شباك غرفته المطلة على الشارع ويتنصت لما يدور من حديث،فما أسرع ما قام بتغيير سكنه والانتقال الى بيت آخر لتوجسه من أعمال السلطة التي لا تحدها أخلاق أو يعصمها ضمير.
وكان لا يتهاون في أداء الأعمال الموكلة إليه،ويشدد على الضبط والإدارة السليمة،ويتحاشى السلبيات،ويحاول ما وسعه الجهد إرساء أسس متينة للعمل الحزبي،وعندما نسب للأشراف على محلية المثنى التي كانت وقتها تعاني من ضمور،ووجد أن مسئولها غير جدير بتولي هذه المهمة ولا يستطيع الوفاء بمسؤوليته في أدارة لجنة اللواء،ولا تتوفر فيه صفات المسئول الناجح،ويميل الى أحداث علاقات وتكتلات جانبية،فخاض معه صراعا مريرا في محاولة لأعادته الى جادة الصواب،إلا أنه ظل سادرا في تصرفاته الخاطئة،مما جعل الراحل أبو هشام يفاتح لجنة المنطقة لتنحيته من المسؤولية لما يشكل وجوده من أضرار على سير عمل المنظمة،وعندما يأس من أصلاحه طلب إعفاءه من مسؤولية الأشراف ونسب لها مسئول آخر،لذلك كان العمل معه يحتاج الى أكفاء قادرين على القيام بمسؤولياتهم بشكل جيد،وخلال أشرافه على محلية بابل تميز عمل المنظمة على المنظمات الأخرى بالنشاط المتميز والعمل الدءوب حتى أصبحت في طليعة محافظات الفرات الأوسط وتميزت عنها لوجود رفاق أكفاء متفانين قادرين على العمل في أحلك الظروف ممن تناولنا سيرهم في مقالات سابقة.
وعندما أنعقد المؤتمر الوطني الثالث لحزبنا الشيوعي العراقي عام 1976 شارك أبو هشام في أعمال المؤتمر مندوبا عن لجنة منطقة الفرات الأوسط فشارك في لجانه وصياغة قراراته وأنتخب حينها مرشحا للجنة المركزية.
وبعد تعكر صفو العلاقات مع البعث أستمر أبو هشام على عمله بشكل منظم،وبحذر شديد لما تميز به من حس أمني مرهف وقدرة على تجاوز صعاب العمل في ظل القمع والترصد والمراقبة،حتى أنه ترك الدار الحزبية التي يسكنها في تشرين 1978 واختفى عن الأنظار لعدة أيام، لإفشال ما كان يخطط له البعث في مراقبته وربما اغتياله أو اعتقاله،يقول الرفيق (أبو عادل )سامي عبد الرزاق في أواخر كانون الأول 1978 أنتقل أبو هشام الى بغداد وأخذ يقود نشاط لجنة الفرات الأوسط بشكل سري من هناك،وكنا نستلم البريد والتعليمات عن طريق نقاط بريدية متغيرة حسب الظروف،و نلتقي في أماكن مختلفة من وقت الى آخر،وذات يوم كنا على موعد في شارع المحيط مكلفين بانجاز مهمة حزبية،وبعد الانتهاء من المهمة غادرنا المنطقة مشيا على الأقدام لأن جميع السيارات الحزبية لمنطقة الفرات قد بيعت بشكل سري دون علم الأمن، وأثناء سيرنا في الشارع لاحظ أبو هشام أن هناك شخص يتعقبنا ويسير خلفنا فإذا توقفنا وقف أو تحركنا تحرك،وكان أبو هشام قد أشترى سكينين كبيرتين لعائلته،فأخرجهما ووقف تحت عمود النور وأخذ يشحذهما الواحدة بالأخرى وعندما شاهده ذلك الشخص أركن للهروب،فركبنا سيارة تكسي نقلتنا الى منطقة قريبة ثم غيرنا السيارة بأخرى واتجهنا بالاتجاه الآخر حتى وصلنا الى المكان المقصود،وكانت لي معه لقاآت بناء على مواعيد متفق عليها في مدينة الكاظمية شارع باب القبلة،او شارع المحيط وغيرها من الأماكن التي تتغير حسب الظروف وضرورات العمل السري,وبعد فترة انقطع أبو هشام عن الحزب ولم نستطع العثور عليه رغم البحث المكثف،وسوئلنا من مكتب لجنة بغداد التي كانت تقود عمل الحزب تلك الفترة،فلم تتوفر أي معلومات عنه،وانقطع عن المنظمة فترة من الزمن،وبعد خمسة وأربعون يوما ظهر أبو هشام فجأة حيث كان مختفيا في مكان ما لوجود مراقبة شديدة إعاقته عن التحرك في المواعيد المقررة وبعد تخلصه من الرقابة عاد الى العمل من جديد،ومارس مهامه على أحسن ما يكون ،ثم اختفى بعد فترة قصيرة ولم تفلح محاولاتنا بالعثور عليه أو تسقط أخباره،رغم علمنا أنه لا يمكن القبض عليه أو اعتقاله لما يمتلك من مواهب وقدرات على التخلص والعمل في أحلك الظروف،وبعد توجه القيادة الى كردستان والعمل في صفوف الأنصار،طلبت لجنة الفرات الأوسط الاتصال به عن طريق خطوطنا المعتمدة في الداخل ولكن لم يسفر البحث عن نتيجة،وارتأى الرفاق في المنطقة إرسال رسالة إليه عن طريق إذاعة الحزب أو توجيه نداء ولكن المقترح رفض لأن أحد الرفاق قال (أذا كان أبو هشام يريد الاتصال فهل يعجز عن ذلك) وظل أمره مجهولا رغم البحث عنه ومحاولة معرفة مصيره.
وبعد سقوط النظام البائد جاءت زوجته وأبنه هشام مع الرفيق أبو كوثر من أهالي الديوانية والذي كان سائقه الخاص قبل الاختفاء،الى مقر الحزب والتقى بالرفيق أبو عادل وأخبره بما جرى له،حيث اختفى أبو هشام بداية 1980 بعد انقطاعه عن الحزب في مدينة النجف بعد أن غير هيئته وبدل أسمه وأسم زوجته وولده،وعمل مخبأ في داره لا تهتدي إليه الأبالسة، وظل حبيسا في تلك الدار لا يخرج منها،وعند اندلاع انتفاضة آذار الباسلة عام 1991 خرج من مخبئة السري للمشاركة فيها،واتصل بالجهات المشاركة بالثورة،وعمل مع بعض الرفاق للإسهام بها،وعندما هاجمت القوات الصدامية مدينة النجف وألقت القبض على السيد الخوئي ،وفشلت الانتفاضة لأسباب كامنة في طبيعتها العفوية وعدم توفر القيادة المؤهلة لها،والدعم الكافي من قادة المعارضة في الخارج الذين أخذ كل منهم يفكر في حصته من الغنائم ويحاول بسط نفوذه عليها دون أن يكون له أصبعا فيها،مما أدى الى مذبحة دفع فيها الشعب الآلاف من خيرة أبناءه على مذبح التضحية والفداء،وقد تمكن الفقيد أبو هشام من التراجع المنظم والعودة الى مخبأه ليواصل اختفائه من جديد،وقد أصيب عام 2001 بالتهاب الكبد الفايروسي،وعند فحصه من قبل الطبيب أخبرهم باستحالة شفائه،وأنه قاب قوسين أو أدنى من الموت،وإذا تقيأ دما فهذا يعني نهايته بعد أيم،وفعلا بعد فترة أحس الراحل الكريم بدنو أجله،وهنا تجلت شجاعته النادرة،فرغم المعانات وآلام المرض وقربه من الموت المحتم إلا أن عقله المستنير بالفكر الشيوعي الواعي جعله لا يعبأ بالموت الذي طالما واجهه بشجاعته النادرة،لوثوقه بأن نضاله الطويل من أجل سعادة شعبه وحرية وطنه،كان خالصا للمبادئ والمثل الشيوعية الإنسانية التي آمن بها منذ نعومة أظفاره، فأوصى عائلته بأن يدفن في داره خوفا من انكشاف أمره وتعرض عائلته الكريمة الى عواقب وخيمة،لمعرفته بأن السلطة البعثية الحاقدة التي أفلت من قبضتها ستوجه انتقامها لهم،وقام بحفر قبره بيده الكريمة منتظرا الموت ليلفظ أنفاسه الأخيرة بين أسرته الوادعة،وكان أبنه هشام وزوجته الوفية قد رأوا في دفنه داخل الدار شيء بعيد عن الاحتمال والتصور،فالقبر الذي يضم أعز إنسان لديهم يصبحهم ويماسيهم أمر لا يمكن احتماله لما يثير في نفوسهم من شجن وحزن،لذلك قام ولده هشام بالاتصال بأحد أصدقائه العارفين بوضع الأسرة وحقيقتها،وهو يعمل في مجال الدفن،واخبره بوفاة والده وطلب منه أعانته في تدبير أمر دفنه في مقبرة وادي السلام،فهون عليه الأمر وجاء ليلا بسيارته ونقل بشكل سري الى مقبرة النجف حيث وري التراب،ووضعت علامة فارقة على قبره دون أن يشيد عليه أو توضع شاهدة،وبذلك انطوت صفحة لامعة من صفحات البطولة الشيوعية الفذة،وانتهت حياة هذا المناضل الكبير ليكون أسما بين الأسماء في شجرة الحرية والعدالة والإنسانية والتقدم،شجرة الشيوعية التي يستظل بأفيائها الملايين،ولكن هل علمت أيها الراحل الكريم بأن البعث قد ولى وأن صدام ألقي القبض عليه كالجرذ المذعور في حفرة عفنه ،ونال جزاءه العادل على أيدي العراقيين الأباة،نعم أنك تعلم لأنك واثق بأن نهاية الظالمين الخزي والعار ،ونهاية الشرفاء الذكر الطيب والخلود.