الرئيسية » مقالات » الرجل الحديدي محمد حسن مبارك (أبو هشام) 1-2

الرجل الحديدي محمد حسن مبارك (أبو هشام) 1-2

قد أكون مغاليا أو بعيدا عن التصور الماركسي في تقيمه للطبقات،ولكني أرى في بعض شرائح المجتمع قوة وصلابة لها أهميتها في العمل الحزبي والحركي منه بوجه خاص،وهذا لا يلغي أيماني بالطبقة العاملة ولكني أرى في الشريحة العسكرية التي هي جزء من حلفاء الطبقة العاملة قوة وصلابة وقدرات على النضال لا تتوفر في الآخرين لما هم عليه من حياة تتسم بشظف العيش والعمل ألعنفي والصلابة والالتزام الأعمى بالأوامر وتنفيذها ما يجعلهم خير معين للأحزاب السياسية في قوة الضبط وسرعة التنفيذ وقابلية العمل في مختلف الظروف،لذلك أرجو أن لا يؤخذ قولي هذا على محمل الخروج عن النظرة العامة للطبقة العاملة فالجيش هو الفصيلة الجهادية القادرة على أحداث التغيير،وله المصلحة الكبرى في تغيير الواقع بما يجعله على رأس الأحداث.
والجيش العراقي كان المعين الذي لا ينضب لرفد الحزب الشيوعي العراقي بخيرة الكوادر الواعية ذات المواقف الصلبة في سنين النضال ،ولا زال (خيطي) نائب العريف (حسن سريع) مثار فخر واعتزاز الشيوعيين العراقيين بما قام به من عمل جبار يعجز عنه صناديد الرجال،والجيش بما عرف به من ضبط أضفى هالة قوية من الضبط الصارم في حزب حديدي يعتمد على قواعد تنظيمية صارمة كانت سبيله للنجاح في سنين النضال،والعسكريون أخذوا من الحزب وأضفوا عليه هذه الصيغ النضالية الصارمة التي لا زلنا عليها نحن الملتزمين،فكان العسكر في مقدمة الصفوف الثورية عزما وصلابة وإرادة فولاذية والتزام كامل بالأوامر والتعليمات،وربوا أجيال من المناضلين كانوا مثلا أعلا في الهمة والشجاعة والضبط المتين،وتاريخ الحزب حافل بالعشرات من الأسماء الخالدة في سفره النضالي،ممن شكلوا علامات فارقة في مسيرة الحزب ومنهم الفقيد محمد حسن مبارك(أبو هشام) الذي سنتناول نتف من سيرته في هذه العجالة بما توفر لنا من معلومات من رفاقه وعارفيه،ولعل هناك الكثير من الجوانب التي ظلت خافية علينا عسى أن يكون لرفاقه وأحبته أثر في أبرازها وإظهارها بما تحتجنه ذاكرتهم من أحداث،فكتابة سير هؤلاء المناضلين تشكل عامل دفع لمسيرة الحزب الظافرة من أجل تحقيق أهدافه، ولبنة في كتابة تاريخ الحزب الذي يعاني الكثير من النواقص،رغم أن ما كتب حوله كثير إلا أنه أغفل الكثير من الجوانب التي يمكن أكمالها بما في سير الآخرين من أحداث تشكل جزأ مهما من هذا التاريخ.
ولد الفقيد في أسرة نجفية معروفة(آل مبارك) وانتمي للحزب الشيوعي أواسط الأربعينيات عندما كان ضابط صف في الجيش العراقي برتبة(نائب عريف مخابر) وشارك إلى جانب رفاقه الآخرين في بناء النواتات العسكرية الأولى،بعد أن رأى الحزب أشراك الخط العسكري في النضال الوطني بما له من تأثير فاعل في تغيير مسار الأحداث،وما يشكل من قوة بشرية مؤثرة بما تمتلك من مؤهلات قتالية لها نفعها في أغناء المسيرة النضالية،ودورها المؤثر في الانقلاب على الأوضاع وتغيير الواقع الفاسد،وكان الأولى بحزب الطبقة العاملة أن ينتبهوا إلى هذا الجانب المهم والعمل في صفوف القوات المسلحة لبناء الركائز التنظيمية التي تشكل إسنادا كبيرا للجماهير الشعبية في تفعيل نضالها وتغيير مساراته،ولكن الحزب بما يمتلك من تصورات نظرية يرى في كبار ضباط الجيش نزوعا للسطوة والتحكم،وكانت علاقاته معهم تتسم بالحذر،فيما ألقى بثقله في الأوساط العسكرية الدنيا لما لها من مصلحة في التغيير،وقد أثبتت الأيام صحة نظرته فالقادة العسكريين عند سيطرتهم على السلطة يتناسون الكثير من المبادئ التي يؤمنون بها،وتتغلب عليهم نزعتهم العسكرية المتسلطة،فيحاولون الهيمنة على مقاليد السلطة واحتكارها وتهميش الآخرين،كما حدث في ثورة تموز المجيدة عندما أنفرد العسكر بقيادة السلطة وأفسحوا للبرجوازية غير الوطنية تسلم مقاليد الحكم،مما جعل الثورة تغير من مسارها وتنحوا باتجاه آخر بعيد عن آمال وتطلعات الجماهير وأتذكر في هذا المجال أن القائد العسكري المعروف حميد الحصونة قائد الفرقة الأولى في عهد الثورة كان يتباهى بأنه يحفظ الوصايا العشر للخالد فهد،بما يوحي أنه سائر في الخط العام للحزب ،وعندما انحرفت الثورة عن مسارها أنقلب إلى عدو مبين للحزب الشيوعي وقام بإعمال طائشة لا يقدم عليها إلا الحثالة من الموتورين والحاقدين فأوعز بمنع توزيع جريدة الحزب المركزية اتحاد الشعب في الألوية السبع التي كانت ضمن قاطع عمليات الفرقة الأولى ،وقام بنقل الضباط والمراتب الشيوعيين إلى أماكن نائية بما يشبه النفي وجردهم من مسؤولياتهم العسكرية وأناط بهم مسؤوليات لا تتوافق ورتبهم ومكانتهم في الجيش العراقي .
ولأهمية الجانب العسكري في تثبيت أركان السلطة كانت الرقابة على أشدها في المؤسسات العسكرية،وكانت العناصر الأستخباراتية تحصي على العسكريين حركاتهم وسكناتهم ،فما أسرع ما القي القبض على الفقيد أبو هشام لانتمائه للحزب الشيوعي العراقي سنة 1948 فأصدرت المحكمة العسكرية حكمها بحبسه وطرده من الجيش،وبعد انتهاء فترة العقوبة أنخرط في التنظيم الحزبي،وساهم بشكل فاعل في بناء القواعد الحزبية،في مدينته النجف الأشرف،وعندما حدث انشقاق راية الشغيلة سنة 1952 والتحق أغلب كوادر وأعضاء منظمة النجف مع الانشقاقيين،كان الراحل أبو هشام من ضمن المحافظين على وحدة الحزب،فظل على انتمائه السابق،ولم ينجرف مع المنشقين،مما يدل على قوة أيمانه وصدق مبادئه وثباته،وبعد أن تمكن الشهيد سلام عادل من توحيد الحزب وإعادة المنظمات المنشقة إلى جادة الصواب،شارك الحزب بشكل فاعل في النشاطات الوطنية،وساهم باقتدار في المظاهرات الجماهيرية الكبرى المنددة بالعدوان الثلاثي على مصر الشقيقة، وكلف الفقيد بالتنسيق مع الجهات الوطنية الأخرى،فعقد اجتماع في بيته مع ممثلي التيار القومي والمستقلين للتنسيق حول إعلان الإضراب العام والتظاهر،وجرى الاتفاق على أخراج مظاهرة من مدرسة الخورنق،فانطلقت مظاهرة حاشدة واجهتها السلطة بالقنابل المسيلة للدموع وإطلاق النار فسقط ثلاثة شهداء وعدد من الجرحى،وكان الشهيد محمد موسى خطيب المظاهرات والناشط المتحمس وقد أشرف عليها عدنان عباس وحسين سلطان وأبو هشام إلى جانب الكوادر الشيوعية الباسلة التي علمت الآخرين كيف تكون الصلابة الشيوعية والمبدئية العالية في ساعات الحسم الكبرى،فكانت مظاهرات النجف الكبرى قد زعزعت الثقة ببقاء الحكم الملكي العميل للمشاركة الجماهيرية الواسعة فيها،وكانت مدينة النجف الباسلة ذات الماضي العريق في النضال الوطني جذوة لا تهدأ بمشاركة فاعلة من جميع الأوساط بما فيها الجماعات الدينية التقدمية منها والمحافظة التي وجدت في الوقوف على الحياد أضعاف لمكانتها بين الجماهير،بفعل المد الشيوعي الجارف الذي أثار الشارع العراقي وجعله كتلة متراصة في الدفاع عن حقوقه المشروعة،فكان أن عطلت المؤسسات الدينية أعمالها،وشاركت إلى جانب الشعب في انتفاضته العارمة التي أفزعت السلطة الملكية ودقت المسمار الأول في نعشها.
ولجهاديته وقدراته الفذة على التحرك والعمل في الأوساط الجماهيرية أصبح عضوا في محلية النجف،ومشاركا فاعلا في عملها،وبعد اندلاع ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة،تولى أبو هشام مسئولية محلية النجف وأصبح عضو لجنة منطقة الفرات الأوسط فقادها بقوة واقتدار،وكانت في طليعة منظمات الفرات الأوسط في العمل والمتابعة وتحشد الجماهير،فالتف الآلاف حول حزبهم المجيد وساهموا بفاعلية في تشكيل لجان صيانة الجمهورية،والدفاع عن مكتسبات الثورة، ورغم الطابع الديني للمدينة فقد كان إلى جانب الحزب العديد من كبار رجال الدين المتنورين،الذين وجدوا في الفكر الشيوعي صورة صادقة لمثل الإسلام السمحاء،وتطبيق حي لمبادئه النبيلة،ورغم حساسية الوضع في المدينة لوجود القوى الرجعية والعميلة هناك،إلا أن الحزب تمكن من فرض وجوده بما قدم للجماهير من مكاسب ومنجزات ومثل عليا في التعامل الشيوعي الفريد،فكانت المؤامرات والدسائس التي تحوكها الزمر الضالة تتهاوى أمام الصمود الرائع للشيوعيين في النجف،ولكن التحالفات المريبة لعملاء المخابرات الأجنبية والعناصر القومية المرتبطة بجهات خارجية تحاول نهب خيرات العراق،وحثالات عبد الناصر،وما تروج له الأوساط الرجعية من أراجيف ودعايات مضللة وتحول قيادة السلطة وتراجعها واستخذائها أمام المطالب الرجعية،جعل الأوضاع تسير نحو الأسوأ،فقامت الزمر المشبوهة بتنفيذ عمليات اغتيال للعناصر النشيطة والواعية بالتعاون مع الإدارة الرجعية التي أحكمت وجودها في النجف،فنسب الراحل أبو هشام للعمل كسكرتير لمحلية بابل،بعد إلقاء القبض على الرفيق جاسم الحلوائي أبو شروق الذي كان مكلفا بقيادتها،وكانت المحلية في حينه تعاني من خلل تنظيمي وارتباك في عملها لافتقارها إلى أعضاء جيدين قادرين على إدارة التنظيم بشكل صائب في ظروف صعبة ومعقدة،فعقد اجتماع للمحلية في داره حضره الشهيد أبو قيود وجبار عبود (أبو نضال)وشهاب احمد وأم انتشال وهادي مجيد الطعمة ومعن جواد،وبعد استعراض عمل المنظمة دعت الضرورة لتفعيل دورها وتحسين أدائها وتنسيب مسئولين للجان المدن التي كانت تقاد بشكل مباشر من المحلية،فقام بتوزيع المسؤوليات ولكن بعض الرفاق اعتذروا عن القيام بواجباتهم بأعذار كثيرة كان ورائها التطير والاضطراب الفكري فجرى ترحيل رفاق جدد لإدارة العمل التنظيمي فيما أحيل جبار عبود والطعمة إلى صلة فردية،وأستطاع في تلك الفترة تنشيط عمل المحلية وإعادة بناء المنظمات وقاد عملها في أحلك الظروف،وقد استغلت العناصر الرجعية الموقف لصالحها وقامت بمحاربة العناصر الشيوعية ومطاردتهم والتضييق عليهم،وكان بعض الرجعيين في لواء الحلة يقومون بأعمال معادية للحزب دون أن يتخذ الحزب الأجراء اللازم لردعهم وتأديبهم أو الرد عليهم مما جعلهم يتمادون في غيهم،وقد اغتيل الشهيد هاشم وتوت رئيس نقابة المشروبات الغازية من قبل المجرم ناجي الدليمي الذي قتله علنا وعلى رؤوس الأشهاد ،فالقي القبض عليه وأودع السجن،إلا أن العلاقات البعثية الرجعية على أشدها وخصوصا في مواجهة الشيوعيين،وبالتعاون مع مديرية شرطة الحلة كان يخرج من السجن يوميا ليقضي ليلته لدى أحد البعثيين المعروفين،فاقترح أحد الرفاق على أبو هشام سكرتير المحلية القيام باغتياله عند خروجه من السجن حتى يضرب عصفورين بحجر واحد،فيؤخذ ثار شهيدنا ويكون هذا الخرق الإداري مدعاة لمحاسبة مدير شرطة الحلة،فوافق على هذا الأمر دون إخبار لجنة المنطقة رغم علمه بأن اللجنة ترفض القيام بمثل هذه الأعمال،وبوشر فعلا بترصده لتنفيذ العملية إلا ان أبو هشام تراجع عن الأمر بعد يومين بعد أن رفضت لجنة المنطقة مثل هذه العمل،وهذا من الأخطاء المميتة لدى الشيوعيين فالقوة يجب أن تواجه بالقوة،والبادئ أظلم ،ولو كانت القرارات في تلك الفترة بعيدا عن المركزية،لكان في اتخاذ مثل هذا الأجراء أثره في لجم القوى المعادية وإيقافها عند حدها ،ولكن قيادة الحزب التي كانت تعمل بوحي من مبادئها وقفت بوجه مثل هذه الأعمال،رغم أنها توافق الهوى الجماهيري والنزعة العراقية في أخذ الثار وغسل العار،وتنسجم مع طبيعة الخصم،وهذا من الخلل الكبير الذي رافق مسيرة الحزب الشيوعي العراقي في عدم تبني العمل الحاسم والرد على المعتدين،ومهد الطريق للعناصر الفوضوية للانقضاض عليه وكما يقول الخالد سلام عادل،فأن ألانقلاب كان في السكوت عن تجاوزات السلطة وليس في 8 شباط 1963.
ومن نشاطاته في تلك الفترة ما جرى في انتخابات نقابة المعلمين سنة 1961 فقد زج الحزب بجميع طاقاته في الانتخابات،إلا أن القوى الرجعية بمساندة من السلطة تمكنت من تمرير ما تريد من عمليات تزوير ومنع للقوى الأخرى في المشاركة،فاتخذ الراحل قرارات جريئة لم تكن مسبوقة،فأوعز للجنة المكلفة بمتابعة الانتخابات تحشيد جميع القوى والإمكانات حتى لو أدى الأمر إلى لهجوم على صناديق الاقتراع،وقد تناول سير الانتخابات لهذه السنة وما تلاها الأستاذ الدكتور عدنان الظاهر في مذكراته بتفصيل واف،وما رافقها من تجاوزات وأعتداآت نشرت على أغلب المواقع الإلكترونية.