الرئيسية » مقالات » العراق مابين الكان واليكون – كتاب في حلقات .. 1 – 6

العراق مابين الكان واليكون – كتاب في حلقات .. 1 – 6

يتحلىّ العراق من حيث الأصالة التاريخية بمميزات فريدة من نوعها في عالمنا العربي والأقليمي ، فلا الأهمية النفطية ولا الثروة الزراعية و لا الموقع الجغرافي الذي يجعل العراق مهما ومؤثرا على البحر الأبيض المتوسط ، ليصل خليج البصرة به وليجعله ضمن دائرة إستراتيجية شرق أوسطية واحدة ليؤمن طريق المواصلات مع العاصمة السياسيه للأستعمار البريطاني ( الهند) وليحمي آبار النفط في عبادان .

هذه الأهميه كانت دائما تجعل العراق مفتاحا للشرق الأوسط ، وفي السيطرة عليه هي سيطرة على كل المعموره ، من القفقاس الى البحر الأبيض المتوسط والى الخليج وجنوب الجزيرة العربيه . ومثلما قال عنها وكيل الحاكم الملكي البريطاني العام في العراق آنذاك (ويلسن) في برقية الى وزير الهند بتاريخ 10 / كانون الأول سنة 1918م .

وهذه نص البرقية :- (( إن المناطق الأستراجية في الشرق الأوسط تقع في بغداد وقد إستطعنا بأحتلال العراق أن ندق أسفينا في العالم الأسلامي ، وبذلك منعنا تجمع المسلمين ضدنا في الشرق الأوسط .. وأني أسلم .. أنه يجب أن يكون من سياساتنا في ظروف السلم أن نحافظ على بلاد ما بين النهرين بصفتها أسفينا يحمي البلاد الخاضعة للسيطرة البريطانية .. أنها يجب أن لاتندمج بسائر بلاد العالم العربي أو الأسلامي بل تبقى منعزلة قدر المستطاع )) المصدر للمؤلف عبد الله فهد النقيسي .

إن هذه الأهمية لم تكن الوحيدة لتجعل العراق في القبضة الأستعمارية وعلى مدى قرن من الزمان ، وإنما الأصالة الأنسانية والحضارة العريقة الممتدة عبر عصور مختلفة في جذورها الروحية والعرقية التي رافقت تاريخه السياسي جعلت العراق في قبضتهم و سيطرتهم ولمدة طويلة من الزمن ، وظل العراق له الدور الأستراتيجي المؤثر والفاعل في كل أدواره ، بدأ من عهود الخلافة والملكية وصولا الى أدوار الجمهورية .

ومن هذا الموقع الريادي المهم تاريخيا أصبح العراق فريسة الأطماع الأستعمارية لفترة مديدة طبقا للأنظمة وآيدلوجياتها . لقد مرّ على العراق حكام كثيرون وأنظمة متنوعة خلال التسعين سنة الماضية ، تغيرت فيها الوجوه والمظاهر والأساليب السياسية وحتى الأجتماعية في بعض الأحيان ولكن شيئا واحدا لم يتغير طيلة تلك الفترة ألا وهي السيطرة الأستعمارية على النفط وحرية فكر الشعب وبمختلف مشاربه ومعتقداته من قومية ودينية .

ولو رجعنا الى تاريخ العراق خلال العقود الماضية لا نراه إلاّ عبارة عن النهب الجشع للثروات الوطنية وعلى رأسها الثروة النفطية وتليها مصادرة الحريات الأولية للمواطن العراقي ، وهكذا دخول العراق المجبر آنذاك في أحلاف أستعمارية لم تخدم الشعب والوطن بل كانت لصالح الغرب المهيمن ومتصدية لنهضة الشعوب المقهورة في الشرق الاوسط . ناهيك عن تزريق الشعب مخدر الثقافة الجاهلية والأفكار القومية البعيدة عن كل المسائل الروحية التي يتمتع بها المجتمع العراقي بمختلف أديانه وقومياته ، وعندما نقرأ بداية تاريخ العراق الحديث ، نلاحظ إنه يبدا من عهد الملك فيصل الأول وعهد نوري السعيد مرورا بعهد العارفـَـيـْن الى عهد البعث وعصابتهم البائدة . فترى إن الصورة نفسها واحدة لم تتغير ، بل زادة حقدا وكراهية وبطشا كل يوم وبتجدد كل عهد .

والمتمعن لتاريخ تلك المرحلة يجد إن الهيمنة والتعسف والقمع والعداء للأديان والتغرّب الثقافي كانت تترابط وتتآصر مع بعضها وتتفاعل بشكل حيوي ونشط لتكريس جذور التخلف والتبعية بمراحل عالية وعلى كافة الأصعدة والمستويات ، فقد كان عنصر النفط أو الذهب الأسود مثلما يسمونه المسبب الأول لزيادة القمع والتعسف والكبت الحكومي على رقاب الشعب ، وهكذا الحال بالنسبة للتغرب الثقافي الذي كان يتسبب في تمهيد الطريق أمام المزيد من الأنحلال الروحي والأخلاقي في المجتمع وفرض الهيمنة الأمبريالية ونهب خيرات الوطن وعلى جميع الأصعدة . ومابين هذه التناقضات الأستعمارية لأحوال ومباديء المواطنين تسببت في تصعيد العنف السياسي وحق المواطنة والحرية في البلاد .

ومثلما هو شاخص للعيان فأن الشعب العراقي وبكل مكوناته وتركيبته الأجتماعية الجميلة والمتميزة بين كل الأقطار العربية الأخرى، لم تقف مكتوفة الأيدي أمام تلك المؤامرات التي هاجمها الأستعمار به من نسف ومسخ . ففي أثناء الحرب العالمية الأولى ، قرأنا كيف هَـبّ كل أبناء العراق من علماء ومفكرين ورجالات نذروا أنفسهم للدفاع عن إستقلال الوطن من الهيمنة الأجنبية تحت ظلال الدولة العثمانية ، وعندما أحتل العراق بعد هزيمة العثمانيين لـم تقبل جماهير العراق من كردستانه شمالا حتى أقاصي نخيله جنوبا بهذا الأحتلال ولم تنخدع بالأنجليز ، فقامت بتفجير ثورة عارمة الآ وهي ثورة العشرين الخالدة التي هزّت الأمبراطورية البريطانية التي لاتغيب عنها الشمس آنذاك فلقنتها دروسا قاسية وهي بعد في نشوة أنتصارها على العثمانيين.

مثلما إستمرت تلوها الثورات والأنتفاضات خلال العقود الماضية فأتخذت أشكالا متنوعة وجوانب عديدة من الكفاح في سبيل الوصول الى الحرية والأستقلال . ومنذ عام 1958م وتولي الجيش السلطة العليا في البلد إتخذت الحركات الوطنية والتحررية طابع التنظيم السياسي الذي يهدف ويتطلع الى الحكومة العادلة حتى يأخذ المظلوم حقه والظالم جزائه ، والجدير بالذكر فأن علماء الدين كان لهم الدور الرائد والمتميز في تلك الفترة التي مرّت على تأريخ العراق .

في عام 1968م عند إستيلاء حزب البعث على السلطة في العراق باشر في محاولات مختلفة الطرق للقضاء على حركات التحرر في العراق وبمختلف مشاربها ، وقام بترويج نظرية القومية العربية التي بدأها مؤسسها مشيل عفلق ومساعده شبلي العيسمي كبديل عن الروح العراقية المتميزة بين المجتمعات العربية ، وكبديل عن الأنتماء الوطني ، لوجود القوميات والأديان والمعتقدات المتنوعة ، ومنذ بداية عهدهم بدأوا يضربون كل المثقفين من رجال الفكر والعلم وبمختلف إنتماءاتهم ، ولانريد ذكر أسماء الشهداء والضحايا من رجال الشيعة ، السنة ، المسيحيون ، الأكراد والتركمان وغيرهم من باقي طوائف العراق لطول المقال .

فقلد إستمرت حملات الأعتقالات والتعذيب ولأول مرة في تأريخ العراق ، فقاموا بأقتحام حرم الجامعات المقدس وأقتادوا خيرة أبناء الوطن الى سجونهم المظلمة ، مثلما حاربوا ومنعوا العديد من المراسيم الروحية الخاصة بالأكثرية والتي إعتاد عليها المجتمع العراقي ومنذ قرون عديدة.

بدأ النظام الحاكم آنذاك وبالتحديد عام 1970م الشروع بعملية التهجير القسري على الآلاف من العراقين وبمختلف قومياتهم بتهمة أصولهم غير العربية أو العراقية مع إن العراق يتمتع بتشكيلة من حضارات عديدة منها التركية والفارسية والآشورية والكردية وحتى الهندية وأقوام البلوج ومن البربر الأفغان ( كما يعلم الجميع إن التهجير هي عملية نفي سياسي
دائمي على الطريقة البريطانية القديمة التي إستعملتها في حقبة من الزمن عندما إستخدمت أستراليا مثلا مطردا أو مأواً للمنفيين ) .

لقد كان النظام البائد يهاب كلاً من الأفكار الروحية والعلمانية المناهضة لفكر حزب البعث الحاكم وتوجهاته السياسية وبالتالي يكون خطرا إستراتيجيا على المدى البعيد ، والثانية مقاومة الحركة الكردية المسلحة التي أنهكت النظام في السيطرة على الأوضاع .
فقد ضاقت الأمور والحياة على الشعب العراقي من أكثريتة الى أقل أقلياته بسبب منهجية النظام البعثي ، فقامت إنتفاضات عديدة وعمليات مسلحة ضد النظام من أقصى جبال كردستانه شمالا الى أضيق نهر جنوبا ، فجوبهت جميعها بالقمع والبطش وفي نفس الوقت بقيت مشتعلة الحماس والعزم ومستمرة في خطها للخلاص من هذه المحنة التي إبتلى فيها العراق لحقبة طويلة من الزمن .

وبعد إنتصار الثورة الأسلامية في إيران ، بدأ النظام البائد في شن الهجمات العنيفة من إعتقالات وإعدامات شملت العديد من قيادات وكوادر حركات التحرر العراقية والمعارضة للنظام ، الأمر الذي أجبر الكثير من المعارضين الى السفر والهجرة الى الخارج مع بقاء وإستمرار البعض الآخر منهم في داخل الوطن لمواصلة مسيرة التحرير والخلاص من النظام العفلقي .

ضاقت الأمور على الشعب العراقي من خلال منهجية النظام البعثي في إدارة الدولة فسحقت الأكثرية مثلما سحقت كل الأقليات الأخرى دينية مذهبية كانت أم قومية ، فأستمر الجميع وواصلوا الرفض والمقاومة والعمل ضد النظام ، فأشتعلت إنتفاضات عديدة كأنتفاضة صفر المجيدة وإنتفاضة رجب التي شملت وسط العراق وجنوبه الى جانب العمليات المسلحة التي كانت تشنها الحركات والأحزاب الكردية في كردستان العراق .

ولعدم تكافؤ الطرفين في المواجهة من حيث الكمّ والعدّة فقد كانت تواجه كل تلك العمليات بأشع أساليب التعسف والقمع ، إلاّ إنها ظلت مشتعلة الحماس والعزم والأصرار لدحر تلك العصابة المتسلطة على رقاب الشعب ، فتواصلت الأنتفاضات الجديدة والتي كانت أبرزها إنتفاضة 15 شعبان الخالدة عام 1411هـ المصادف سنة 1990م أثر إنهزام جيش العراق المجبر والمكره على غزو الكويت ، فلقد كانت هذه الانتفاضة شاملة حيث جمعت كل العراقيين بمختلف قومياتهم وأديانهم ومعتقداتهم وأفكارهم ، والذي فجّر الأتفاضة وشارك فيها وسقاها بدمعه ودمه هو الشعب كل الشعب .

ففوجىء العالم وخاصة العربي منه بهذه الأنتفاضة المليونية التي إنفجرت في الشوارع والأسواق والأزقة و التي كان يصفه البعض بالشعب الجامد والمستسلم للواقع الظالم المعاش وعدم قدرته للنهوض بأيـّة عملية رفض للتعدي على حقوق الشعب والطغيان الحكومي ، من غير مشاهدة الظروف والملابسات والأمكانيات المتاحة آنذاك للناس .

وهكذا اُوهِموا العديد من الشعوب والأنظمة العربية والعالمية بأن العراقيين لايتمكنوا بالأطاحة بالنظام البعثي وغير مهيأين لثورة شعبية شاملة تضم العراق كل العراق ،غير أن إنتفاضة صفر أثبتت للعالم بأسره بأن العراقيين وبكل قومياتهم وأديانهم أهلا للرفض وأهلا للمسؤولية والخروج على النظام الجائر .

فكانوا يطالبون بالحرية والحكومة العادلة التي تؤمِن بالتعددية الحزبية والديمقراطية و التي تكفل حقوق الشعب وتعيد بناء كل مادُمّر، وكان هدفها هو التغيير الحضاري الشامل في العراق الذي يلغي كل أنواع القهر والحرمان والكبت في كل مجالاته الأنسانية والفكرية والعقائدية والذي يضمن بالتالي حقوق جميع تشكيلات المجتمع العراقي الملوّن الزاهي .


أن جميع أنتفاضات وثورات العالم لم تأتي من المجهول وإنها ليست ظاهرة فجائية أو مزاجية من غير جذور ، بـل أنها مسيرة ذات أصول وقواعد تأريخية صلبة
ومدروسة تمتدة عبر تأريخ كل مجتمع مكافح يطمح الى الأستقلال و التغيير . وأن الغاية من الثورات الشعبية في العالم هو تغيير النظام السياسي الكامل في البلد وليس فقط أستبدال الوجوه بوجوه أخرى .

ولو رجعنا الى ماكان عليه العراق أيام الأستعمار البريطاني وكيف أن الفصائل المتنوعة للشعب العراقي وتعدد الأفكار السياسية والتيارات الفكرية التي كانت سائدة تلك الأيام وموقفها أمام الأستعمار وكيفية التعامل مع الأحداث والنظرة المستقبلية للبلد ، نـرى أن العراق كان يتكون ومازال من عدة قوميات مختلفة وهي العرب ، الأكراد ، الآشوريين ، الفرس والتركمان ، إضافة الى الأديان المتنوعة حيث أكثرية المسلمين ، المسيحيين ، اليهود، الصابئة والأيزيديين.

مثلما كان يتالف المجتمع من ثلاثة طبقات :- الأولى الأقطاعيين أو الملآّكين للأراضي والعقارات والذين نموا برعاية خاصة من العثمانيين . والثانية الطبقة المتوسطة من التجّار وأصحاب الاعمال الحرّة والموظفين ، والتي تعتبر الطبقة الواعية المدركة لضرورة التغيير ، مع قلة نفوذهم في الكيان السياسي آنذاك .

والثالثة الشريحة الواسعة من الفلاحين والعمال والتي كانت تقدر نسبتهم تلك الأيام 85 بالمائة ، وهذه الطبقة كانت تعيش حالة الفقر والعوز وتعيش حياة هامشية وغالبا ما تكتفي بمجرد البقاء أحياء ، مع ردائة مستواها الصحي المخيف ، وأنتشار الأمية والجهل بين طياتها ، وأنعزالها تماما عن الأحداث السياسية السائدة في البلد لأنهم مشغولين بقوت يومهم وعيالهم .

وهكذا كانت هناك فئة أخرى الى جانب تلك الطبقتين تعرف بطبقة الأفندية
وتتكون من كبار الموظفين والضباط العسكريين في العهد العثماني ، إضافة الى زعماء العشائر والأقوام والوجهاء في المدن .


والجدير بالذكر كانت هناك فئة ثانية وقوية التأثير في الشارع العراقي تعرف بالملاّئيه وهم علماء الدين وطلاب الحوزات والمدارس الدينية وكانوا يعيشون حالة الأستقلالية عن الحكومة ، إلاّ طلاب الحوزات الدينية في مدينتَي كـربلاء المقدسة والنجف الأشرف كانوا يجمعون بين الدين والسياسة .

….. / يـتـبـــع :- 

مدير مركز الإعلام العراقي – سيدني
مدير تحرير موقع شبكة العراق الجديد
المحرر والكاتب في جريدة العراقية الصادرة في سيدني
www.aliraqaljded.com